التنقيح الجيني.. طريقة علاجية حديثة لفقر الدم لتجنب الانتقادات الأخلاقية

تم النشر: تم التحديث:
ATTNQYHALJYNY
التنقيح الجيني | social media

يُعد تنقيح الحمض النووي بواسطة تقنية كريسبر (CRISPR) –أي التكرارات العنقودية المتناوبة منتظمة التباعد– أحد أهم الإنجازات التي توصل إليها علم الأحياء.

وبحسب موقع the conversation ، كشف أحد الأبحاث الجديدة أن إصلاح الطفرات الجينية في خلايا الدم داخل جسم الإنسان قد يمثل خطوة هامة لعلاج مرض الدم الشائع –المُوهن للصحة وعالي التكلفة– والمعروف باسم فقر الدم المنجلي.

علاج مرض فقر الدم المنجلي قد يكون الآن ممكناً، بعدما توصل العلماء لطريقة علاجية جديدة يمكن من خلالها إصلاح الطفرات الجينية التي تُسبب هذا المرض.

وبحسب ما تضمنته الورقة البحيثة المنشورة في مجلة Science Translational Medicine، والتي نشر موقع The Verge جزء منها، استخلص الباحثون بعض عينات الدم من مرضى مصابين بمرض فقر الدم المنجلي، ومن ثم استخدموا تقنية كريسبر لإدخال بعض التعديلات الجينية من خلال قص الخلايا التي تعاني طفراتٍ جينية واستبدالها بحمض نووي معافى.

وجب التنويه إلى أن هذه النوع من العلاج قد لا يُكلل دائماً بالنجاح، إذ لم تتجاوز نسبة الخلايا التي أُصلحت حاجز الـ6%. ولكنه بمثابة بصيص الأمل للمصابين بذلك المرض.

وفي هذا الصدد تقول دانا كارول –أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة يوتا إحدى المشاركين في تأليف هذه الورقة البحثية– إن عينات الدم المُنقحة لم يتم إرجاعها مرة أخرى لأجسام المرضى لذا فنحن لا نعلم مدى تأثيرها على صحتهم، وفقاً لموقع The Verge.

وأضافت "ولكننا نأمل أن في يوم ما سنكون قادرين على معالجة المرضى من خلال إعطائهم خلايا دم مستخلصة منهم بعد إصلاح الطفرات الجينية الموجودة بها".

في السابق، كان يصعب علاج الطفرات الجينية الموروثة –والتي تتسبب في الإصابة ببعض الأمراض المزمنة– من خلال استبدال الجينات الموجودة في الخلايا، وذلك لأن الجينوم يتعرف على الحمض النووي الجديد باعتباره شيئاً دخيلاً على جسم الإنسان ويقوم بمكافحته.

إلا أن هذا الأمر تغير الآن من خلال تقنية كريسبر التي تقدم نهجاً جديداً يسمح للعلماء بإصلاح جيناً بعينه من خلال استبداله بآخر معافى وحسب.


فقر الدم المنجلي


ينتج مرض فقر الدم المنجلي عن طفرات جينية من شأنها إحداث تشفير لخضاب الدم (الهيموغلوبين) – وهو البروتين الموجود داخل خلايا الدم الحمراء ومهمته نقل الأوكسجين المُلتقط في الرئتين إلى كل أجزاء الجسم.

لا يقتصر دور الطفرات الجينية على إضعاف أو إتلاف وظائف البروتين وحسب، ولكنه أيضاً يتسبب في تكديس وتشويه شكل الخلية مما يؤدي إلى تكتل الخلايا وهو الأمر الذي يساهم بشكل أو بآخر في انسداد الأوعية الدموية.



mrd

ينتج عن هذا الأمر بعض الآثار المدمرة مثل تلف بعض الأعضاء الحيوية وحدوث جلطات والكثير من الآلام وانخفاض العمر الافتراضي للإنسان بنحو 30 عاماً.

قد يساعد نقل الدم في حل هذه المشكلة، ولكن ذلك الأمر قد يتسبب في تكدس الحديد –وهو مكون أساسي في مادة الهيموغلوبين– في الأنسجة وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تلفها.

وبحسب التقرير المنشور في موقع The Conversation ، تُقدر تكلفة علاج الأمراض المزمنة بمليون دولار للفرد الواحد على مدى حياته.


استهداف الطفرات الجينية


ساهمت الابتكارات العديدة لفريق الباحثين في جامعة كاليفورنيا في بيركلي بقيادة جاكوب كورن في استقدام تقنية كريسبر لعلاج فقر الدم المنجلي لمرحلة التجارب المعملية.

وكما هو موضح في ورقتهم البحثية الأخيرة، فإن استراتيجيتهم الأساسية تعتمد على تنقية خلايا الدم غير الناضجة – (وذلك لأنها لم تفقد بعد النواة الخاصة بها وهو جزء طبيعي من تطور خلايا الدم الحمراء)– وإصلاح الطفرة الجينية باستخدام تقنية كريسبر ومن ثم زرع الخلايا مرة أخرى في جسم المتلقي - وفي هذه الحالة هي فئران التجارب داخل المعامل.

ووفقاً لما ذكره وبحسب موقع the conversation ، يستهدف الباحثون من خلال عملية التنقيح الجيني لخلايا الدم المزروعة –والتي ستنقسم بشكل طبيعي داخل الجسم– رفع معدل خلايا الدم المُنقحة، وهو ما يُعد ضرورياً لعلاج مثل هذا النوع من الأمراض.


هل أصبح دخول هذه التقنية لمرحلة التجارب السريرية أمراً وشيكاً؟


على الرغم من كون استخدام تقنية كريسبر في تنقيح الخلايا البشرية سيعزز من الجهود الرامية لعلاج مرض فقر الدم، إلا أن هناك بعض العوامل التي قد تعيق تطبيقه التقنية بشكل فوري.

أولاً، ركزت الورقة البحثية على إصلاح خلايا الدم التي ستُزرع داخل على فئران التجارب. وعلى الرغم من أن الخلايا نفسها يمكن إعادة زرعها داخل المرضى من البشر، إلا أن الأمر سيتطلب عدداً أكبر من الخلايا لعلاج البشر كون حجمهم أكبر كثيراً من الفئران.



aljynat

الأمر الآخر المثير للاهتمام هو استهدافهم لخلايا الدم "السلفية" من أجل إجراء هذا التنقيح، فخلايا الدم السلفية هي تلك الخلايا التي مهدت الطريق لتشكل دم الإنسان وهي غير قادرة على تجديد نفسها بالطريقة التي تفعلها الخلايا الجذعية، وبالتالي فإن مخزون الدم المُعدل سينفذ في نهاية المطاف.

كان من الأفضل استخدام خلايا دم جذعية فعلية والإبقاء على تجديد الخلايا لمدة أطول، ولكن المشكلة أن هذا النوع من الخلايا نادر للغاية ويعد استخلاصه بكم كبير من المرضى أمراً صعباً. هذا بالإضافة للصعوبات التي واجهها الباحثون لتحقيق التنقيح الجيني لخلايا الدم الجذعية.

ومع ذلك، فإن خلايا الدم السلفية المنقحة قد تكون فعالة بشكل أكبر على مدى زمني معقول، إذاً فهي قد تصبح علاجاً مؤقتاً إن لم يكن في الإمكان جعلها علاجاً طويل الأمد.


التجارب السريرية خلال 5 سنوات


أشار التقرير المنشور في موقع The Verge إلى أن معدل نجاح هذا النوع من العلاج مبشر للغاية، إذ أظهر أحد الأبحاث السابقة في مجال فقر الدم المنجلي أن حالة المرضى ستتحسن حتى وإن لم تتجاوز الخلايا المعافاة داخل أجسادهم نسبة الـ 5%.

ركز الباحثون اهتمامهم على الخلايا المصابة بفقر الدم المنجلي لسهولة علاجها، إذ يحدث هذا المرض نتيجة الطفرة الجينية في مكان واحد فقط وذلك على عكس بعض الأمراض الأخرى التي تحدث نتيجة العديد من الطفرات الجينية المختلفة.

ويسعى الباحثون مستقبلاً إلى تحسين معدلات النجاح لهذه التقنية أملاً في بدء التجارب السريرية خلال السنوات الـ 5 المقبلة.


العوامل الأخلاقية والسياسية


تجدر الإشارة هنا إلى أننا نتحدث عن تنقيح خلايا الدم، وهو أمر يختلف تماماً عما قام به فريق بحثي آخر عندما استخدم الأجنة البشرية غير القادرة على الحياة في تجاربهم المعملية.

ذكر التقرير المنشور في موقع The Conversation أن بعض التجارب السابقة المعتمدة على استخدام تقنية كريسبر ركزت على استخدام التنقيح الجيني لتغيير الجينوم للجسم البشري بأثره –بما في ذلك البويضات والحيوانات المنوية– وهو علاج جيني مثير للجدل ويعتبره الكثيرين غير أخلاقي نظراً لتأثيره المحتمل على الأجيال القادمة التي سُلبت إرادتها في الموافقة على هذا العلاج من عدمه.

وتُسمى التجارب التي تُجرى على خلايا الدم السلفية بالعلاج الجيني "الجسماني" –وذلك لأن الخلايا الجسمانية هي التي تُبدل فقط– وهو بمثابة الأمر المقبول بالنسبة للكثيرين.



هل من الممكن إدخال هذا النوع من العلاج باهظ الثمن فعلياً لمرحلة للتجارب السريرية؟

هذا النوع من التجارب قد يكون ممكناً داخل الولايات المتحدة نظراً للاستثمار الكبير لشركات الأدوية في هذا النوع من التجارب. أما في الدول النامية، قد يكون هذا النوع من التجارب أمراً صعباً نظراً لأن الأمر يتطلب الكثير من المعامل المجهزة.