تونس تحاكم ماضيها في جلساتٍ علنيَّة.. إسلاميّون ويساريّون يروون قصص انتهاك الكرامة في سجون "بن علي" و"بورقيبة"

تم النشر: تم التحديث:
TUNISIA
FETHI BELAID via Getty Images

بعد مرور ما يقارب 6 سنوات على الثورة التونسية التي أطاحت بحكم بن علي يقف سامي براهم، أحد ضحايا التعذيب في السجون التونسية أمام عدسات الكاميرا، وبحضور إعلاميين أجانب وسياسيين من مختلف انتماءاتهم الأيديولوجية يساراً ويميناً ليروي في جلسات استماع علنية ومباشرة، شهادته عن صنوف الانتهاكات الجسدية والتعذيب والإذلال المعنوي التي تعرض لها في سجون الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، لما يقارب الثماني سنوات بسبب انتمائه السياسي والفكري.

لحظة وقوف أحد ضحايا بن علي ليواجه جلاديه ويسألهم على الملأ وأمام عدسات الكاميرات المحلية والعالمية التي نقلت الحدث: "لماذا فعلتم بي ذلك؟" ويعدهم بالصفح عن كل تلك العذابات في حال أجابوه عن سؤاله ذاك، وصفها مراقبون بأنها لحظة تاريخية في مسار العدالة الانتقالية لبلد عربي، قام بثورة ضد الظلم والاستبداد وأسقط جلاديه، ومازال يتحسس طريقه نحو الديمقراطية ويقاوم عودتهم.

روى براهم في جلسة الاستماع العلنية التي نظمتها هيئة الحقيقة والكرامة – وهي هيئة دستورية أنشئت بعد الثورة للمحاسبة ورد الاعتبار لضحايا الانتهاكات–

فظاعة الممارسات التي تعرض لها طيلة فترة سجنه منذ سنة 1990 معتبراً أنها لا تقل وحشية عما حدث في سجن أبي غريب بحسب وصفه، بدءاً من التجنيد القسري -إجبار شباب لا يزال يدرس على الخدمة العسكرية رغم عدم استيفائه لشروط التجنيد- وصولاً إلى جلسات انتزاع الاعترافات التي لم تخل، كما يقول، من إذلال معنوي وجسدي وصل مداه بحسب شهادته إلى سكب مواد كيميائية على عضوه الذكري، وتعريته رفقة العشرات من سجناء الرأي في مكان واحد، وتركهم أسبوعاً كاملاً على تلك الحالة ودفعهم بعضاً فوق بعض باستعمال العصي والركل بالأرجل والتهديد بإطلاق الكلاب.

شهادة براهيم، الذي يعد أحد سجناء الرأي الإسلاميين، أثرت في كل الحاضرين وأبكتهم بمن فيهم رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي والقيادي اليساري في الجبهة الشعبية حمة الهمامي وسياسيين من مختلف الانتماءات الفكرية غصت بهم قاعة جلسات الاستماع، التي كانت سابقاً فضاء ترفيهياً لعائلة بن علي وزوجته وأصهاره.

65 ألف شكوى لضحايا التعذيب والاستبداد

رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين اعتبرت أن الهدف من الجلسات العلنية لضحايا التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الممتدة لفترة حكم الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي "إماطة اللثام عن دولة الاستبداد والظلم التي لم تستثن أي عائلة سياسية" وفق تعبيرها.

وأوضحت بن سدرين في الجلسة أن هيئة الحقيقة والكرامة تلقت منذ إنشائها في يونيو/ حزيران 2014 أكثر من 65 ألف شكوى، وعقدت 12 ألف جلسة استماع سرية لضحايا الاستبداد. وقد وقع الاختيار في أول جلسة علنية أمس على 6 شهادات لضحايا من النظام بن علي وبورقيبة وعائلات شهداء الثورة التونسية وستتواصل جلسات الاستماع خلال الأسابيع القادمة.

أمهات شهداء الثورة التونسية يتحدثن

جلسات الاستماع العلنية التي أطلقتها هيئة الحقيقة والكرامة لم تستثن عائلات "شهداء" ثورة 14 يناير/ كانون الثاني 2011 ، حيث أصرت أمهات ثكالى على الوقوف أمام عدسات الكاميرا للتعبير عن حجم الظلم والتهميش الذي تتعرض له عائلات "الشهداء" من الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الثورة، بل وتتعرض لسياسات انتقام، حسب قولها، رغم تقديم أبنائهم كوقود للثورة، على غرار ما حدث مع وريدة الكدوسي والدة رؤوف الكدوسي الذي قتل برصاص الأمن يوم 8 يناير/ كانون الثاني 2011 بمدينة الرقاب بسيدي بوزيد.

اليسار يعري نظام بورقيبة

انتهاكات نظام بن علي وبورقيبة لم تستثن اليسار أيضا حيث قدم اليساري التونسي من أصل يهودي جيلبار نقاش، خلال جلسات الاستماع لشهادته على التعذيب والتنكيل فترة حكم بورقيبة والتي خلفت له سقوطاً بدنياً ونفسياً لا تزال آثاره حتى الآن. وذهب الرجل إلى أن بورقيبة لم يقدم أي رؤية وطنية لخدمة تونس بل واصل سياسة المستعمر وتفقير تونس وجعلها مستعمرة فرنسية، على حد قوله.

كلام جيلبار رآه العديد من نشطاء الشبكات الاجتماعية شهادة تاريخية من رجل يساري حطم الصورة النموذجية التي يحملها التونسيون في أذهانهم لبورقيبة وفي ما يلي تعليقات بعضهم عليها:

جدل سياسي حول جلسات الاستماع العلنية

أولى جلسات الاستماع العلنية لضحايا الانتهاكات لم تمر دون ردود فعل متضاربة بين السياسيين في تونس، لاسيما وأنها تمت في غياب للرئاسات الثلاث – رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ورئيس مجلس النواب محمد الناصر- وهو ما اعتبره البعض نقطة سوداء في مسار العدالة الانتقالية في تونس، ومؤشراً سلبياً حول رغبة الدولة التونسية في المحاسبة.

وثمَّن رئيس حزب التيار الديمقراطي المعارض محمد عبو في تصريح لـ "هافينغتون بوست عربي"، أولى جلسات الاستماع العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة معتبرا أنها خطوة جدية نحو المحاسبة في ظل حملات التشويه والشيطنة التي تطال الهيئة وأعضاءها، وفق قوله، مضيفاً أن "تونس دخلت التاريخ بهذه الخطوة في مسار العدالة الانتقالية، وأظهرت للعالم أن لها شعباً متحضراً وقادراً على الحسم مع ماضيه ومحاسبة جلاديه بأسلوب حضاري وقانوني وليس بالانتقام والهمجية".

عبو عبر في السياق ذاته عن استغرابه من غياب الرئاسات الثلاث في جلسة تاريخية كهذه من شأنها أن تجعل تونس ضمن كبار البلدان الرائدة في مجال حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية، مضيفاً أن "هؤلاء فوتوا على أنفسهم فرصة ذهبية ليثبتوا للتونسيين أولاً وللخارج ثانياً، أن الدولة بمختلف سلطاتها ترعى مسار العدالة وأنها حريصة على استكماله" واستدرك قائلاً: "قد أجد عذراً لبعضهم باعتباره قد يشعر أنه جزء من ذلك الماضي الأليم ومنظومة الاستبداد السابقة لكن كان عليه أن يتصرف كرجل دولة وليس كرئيس حزب".

الجلادون هم ضحايا أيضاً.

مهدي بن غربية الوزير المكلف بالعلاقات مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وأحد الضحايا السابقين لمنظومة بن علي اعتبر في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن مسار العدالة الانتقالية في تونس مسار دستوري، هدفه مصارحة التونسيين بالانتهاكات التي حدثت طوال خمسة عقود سابقة، لكنه شدد على ضرورة عدم إثارة الأحقاد والنعرات الجهوية التي وردت حسب قوله في شهادات بعض ضحايا الاستبداد وعائلات "شهداء" الثورة.

بن غربية ذهب لاعتبار بعض من مارسوا التعذيب والانتهاكات في حقبة بورقيبة وبن علي هم أيضاً ضحايا لنظام استبدادي، يخلق ضحايا وجلادين.

وختم قائلاً: "أتمنى مثلما تحرر الضحايا من صمتهم أن يتحرر أيضاً الجلادون ويقدموا اعتذاراتهم في النهاية فنحن لا نريد أن نشرع لدولة الفوضى".