محتجزو "داعش" في الموصل يبثُّون شكواهم عبر الإذاعة.. أحاديثهم تثير شجن العراقيين وهذا ما يقولونه

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

المستمعون الذين يتواصلون مع "راديو الغد" لا يختلفون عن جمهور البرامج الإذاعية الحوارية حول العالم. فالشكوى والتذمر مستمران. وذلك باستثناء أن المتَّصلين براديو الغد يقطنون بمدينة الموصل الخاضعة لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) ولا يريدون الشكوى من أحوال المرور أو الرياضات المختلفة.

إنهم يرغبون في التحدث عن الانتحاريين والضربات الجوية الشاردة وعن نقص الغذاء والدواء. ولديهم تساؤلات بشأن متى ينبغي التلويح بالرايات البيضاء؟ وماذا يفعلون بالجثامين المتناثرة وسط الأنقاض؟

تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية نقل ما ذكره متصلٌ يُدعى حسن لإذاعة FM-95.5 ذات يوم قائلاً: "إحدى الشظايا أصابت الصهاريج الموجودة على السطح. وفقدنا كل المياه التي ادخرناها".

وفيما يتعلق بالاتصالات الوافدة من خطوط جبهة القتال بالموصل، يمكن أن يستمع مستمعو راديو الغد إلى طلقات المدفعية أثناء سقوطها، حيث تناضل القوات الحكومية من أجل استعادة المدينة. ويمكنهم سماع صوت تكسّر زجاج النوافذ وطلقات البنادق وصياح الأطفال بالغرف الخلفية.

وأبلغت متصلة أخرى أحد مقدمي برامج المحطة قائلة: "هناك فارق بين الاستماع إلى الجرائم ورؤيتها بعينيك". وتوسّلت إلى القوات العراقية كي تسارع باستعادة المدينة. وأضافت أن بعض جيرانها لا يزالون يدعمون تنظيم داعش. "لذا يصعب التعرف على الصديق من العدو".

وغالباً ما يتحدث المتصلون بتمتمة وعجلة.


الموت لحامل الهاتف


ويمكن أن يؤدي العثور على هاتف خلوي أو حتى بطاقة اتصال مخبأة بأحد الجيوب أو بمحفظة إلى الحكم بإعدام صاحبها في الموصل، حيث أصدر متمردو تنظيم داعش أمراً بإعدام "المتآمرين والجواسيس" على الفور.

ويناهز عمر مؤسس المحطة الإذاعية الثلاثين ويعمل فنياً ويسمي نفسه "محمد من الموصل" خلال حواراته الإذاعية لأنه لا يريد أن يستهدفه تنظيم داعش ومؤيدوه. ويصر أيضاً على سرية موقع محطته الإذاعية ومعظم أسماء مقدمي برامجها. ويخشى من السيارات المفخخة ويسمح المراسل بأن يذكر أن موقع أي عملية بمنطقة كردستان العراقية فقط دون تحديد تفاصيل المكان.

وفي إحدى الأمسيات القريبة، وخلال أحد البرامج الحوارية اليومية الأربعة، اتصل نحو 10 أشخاص من الموصل والمدن والقرى المجاورة بالمحطة وتحدثوا على الهواء مباشرة.


أسماء مستعارة


وتمت مطالبة المتصلين باستخدام أسماء مستعارة. ولذا بدلاً من عبارة "قلق في سياتل"، استخدم المتصلون ألقاباً مثل "دموع المقهورين" و"سجين الذكريات" وألقاب أخرى مثل: "أم علي" و"ابن الموصل".

ويتم تحذير الضيوف أيضاً من ذكر مواقعهم بالتحديد، من أجل سلامتهم الشخصية ولإحباط عملية جمع المعلومات من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، الذي يتولى متابعة المحطة الإذاعية.

جاءت المكالمة الأولى خلال الأمسية على النحو التالي:

المتصل: السلام عليكم

المضيف: عليكم السلام يا ابن الموصل! من أين تتصل؟

المتصل: من الجانب الأيسر (يقصد الجانب الشرقي لنهر دجلة بالموصل) من المناطق المحررة.

المضيف: إن شاء الله ستتحرر الموصل بأكملها. نريد أن نسمع قريباً عن تحرير الموصل بالكامل.

المتصل: ستتحرر بعون الله. ما الذي يتبقى في قبضة داعش؟ (الاختصار العربي المستخدم للإشارة إلى تنظيم داعش). الاختباء وراء النساء فقط؟ إنهم يحمون أنفسهم وراء ستار من النساء!

المضيف: إن شاء الله سينتقم الله منهم من أجلك يا ابن الموصل ومن أجل كافة المقهورين بالموصل. هيا حدثني عن الموقف على الجانب الأيسر.

المتصل: أريد فقط أن أقول شيئاً واحداً. أتدري ما هو؟ في حي السماح، لا يزال هناك أناس تحت الأنقاض، فقد انهارت المنازل عليهم.

انطلقت محطة راديو الغد على الهواء بتاريخ مارس/آذار 2015. وذكر محمد أنه بعد أن شاهد أسلوب عمل تنظيم داعش، قرر أن الموصل تحتاج إلى محطة إذاعية بديلة.

وقال: "مهاراتهم في مجال وسائل التواصل الاجتماعي هائلة. وعلماء النفس لديهم متميزون. فإن اللقطات المصورة لتنظيم داعش –مثل سلسلة "صراع السيوف" الشهيرة– تثير الذعر بين المقاتلين العراقيين وتحط من قدرتهم على القتال.

وفي 2014، سيطر تنظيم داعش على الموصل التي كان تعداد سكانها يبلغ مليوني نسمة حينذاك خلال يومين فقط حيث انسحبت قوات الأمن العراقية منها.

وذكر مدير إذاعة الغد: "ثم أدركت أنها حرب إعلامية".


إذاعة داعش


ويمتلك تنظيم داعش محطته الإذاعية الخاصة العاملة بالموصل والمعروفة باسم راديو البيان FM 92.5.

وذكر محمد: "يستخدمون أجهزة الإرسال كي يشوشوا علينا– ونستخدم حالياً أجهزتنا للتشويش عليهم. وكلانا يتداخل على تردد المحطة الأخرى طيلة الوقت".

وفي حروب الترددات، تقوم محطة تنظيم الدولة حالياً بتشغيل 7 أجهزة إرسال.

وقبل بدء القوات الحكومية العمليات العسكرية لاستعادة الموصل في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، كانت الموضوعات الساخنة التي تتناولها البرامج الحوارية تتمثل في حظر تنظيم داعش للتدخين واستخدام الهاتف الخلوي وأطباق استقبال الأقمار الصناعية. وشكا الرجال جراء إرغامهم على إطلاق اللحى بينما شكا النساء من ضرورة ارتداء النقاب.

وكانت الشكوى أيضاً تتضمن فرض الضرائب وعمليات الاعتقال وتنفيذ عمليات الإعدام بالشوارع.

ويتضمن راديو الغد حالياً تقديم رسائل خدمة عامة تحذر المستمعين كي يختبئوا بالغرف الداخلية أثناء عمليات القصف، وأن يفتحوا النوافذ للتخفيف من حدة الضغط حتى لا ينفجر زجاجها.

وفي الأيام العادية، يصل عدد المتحدثين على الهواء نحو 80 متصلاً، ومعظمهم من الموصل. ويذكر معظم المتصلين في الأيام الأخيرة أنهم يتعرضون لقذائف تنظيم الدولة الإسلامية وقصف القوات العراقية. ويتوسل المتصلون للجيش العراقي كي يتوخى الحذر ولا يقصف المدنيين خلال اعتداءاته على المدينة.

وذكرت المتصلة أم علي قائلة: "لم نعد نحتمل عمليات القصف نهائياً، ولكن لا خيار أمامنا سوى أن نشكر الله وأن نصبر".

وشكا متصل آخر من أن "داعش يطلق صاروخاً أو اثنين، لكن قصف الجيش العراقي أشد كثافة، والمنطقة مليئة بأسر المدنيين الذين يتعرضون لإصابة. لذا فإنني أود أن أناشدهم من خلال محطتكم أن يخففوا من حدة القصف وأن يتوخوا الدقة الشديدة".

ويشكر المضيف المتصلين، ولكن حينما يشرعون في انتقاد الجيش العراقي بصورة أكثر من انتقادهم لتنظيم داعش، يقوم بإنهاء المكالمة بأسلوب مهذب.

وقد سمح "راديو الغد" في بعض الأحيان لمؤيدي تنظيم داعش المشتبه بهم بالتحدث عبر الأثير. وكانوا يشكون من التشويش والأكاذيب.

ويذكر محمد (مدير المحطة الإذاعية) أن أحد مؤيدي تنظيم داعش قال: "يستطيع الناس مغادرة الموصل في أي وقت"، فقال له المضيف: "حسناً، دعوهم يغادرونها. إذا كنت تعيش بالموصل ستعرف أن ذلك افتراء. فلو فتحت بوابات المدينة لمدة ساعة واحدة، سوف تصبح الموصل خاوية دون سكان".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.