الإنترنت السوفييتي.. لماذا كان مصيره الفشل منذ البداية؟

تم النشر: تم التحديث:
B
MOSCOW, RUSSIA: General Secretary of the Central Committee of the Communist Party of the Soviet Union Mikhail Gorbachev in Moscow, Russia. From Ogonyek magazine archive. (Photo by Kommersant Photo via Getty Images) | other

عندما كان أوليغ جيميتيناف في الثانية عشرة كان تعلُّم برمجة الكمبيوتر في روسيا السوفييتية يعني إلى حد كبير قراءة الكتب. وبسبب الملل من التركيز على النظريات، ترك كثير من زملائه الدراسة. لكن جيميتيناف لم يرد الاستسلام، كان مفتوناً بأجهزة الكمبيوتر. لذلك استمر في البحث هو وعدد قليل من أصدقائه.

في ذلك الوقت، في أوائل الثمانينات، كانت أجهزة الكمبيوتر موجودة في الجامعات وأماكن العمل، وليس المدارس -ولم يرد معظم المديرين اقتراب الأطفال منها. لكن جيميتيناف وأصدقاؤه تمكنوا من العثور على عدد قليل من الأشخاص الطيبين بما يكفي للسماح لهم بالتدرب على أجهزة الكمبيوتر في مكاتبهم، وكان الكثير منها نسخ من الأجهزة الأميركية.

ربما لم يدركوا ذلك وقتها، لكن لوحات المفاتيح والشاشات الضخمة التي درسوها كانت بداية شيء مميز، العُقُد الأولى لوجود شبكة إنترنت محلية الصنع أمل البعض أنها ستعزز الاقتصاد السوفييتي.

على مدى عدة عقود، حث عدد من الباحثين المسؤولين على السماح لهم ببناء شبكة كمبيوتر تربط آلاف الأجهزة في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي. كان بإمكانها منافسة الشبكة التي ترسل تفرعات من الولايات المتحدة وأوروبا الغربية في ذلك الوقت، شبكة ستنمو لتصبح شبكة الإنترنت الحالية، بحسب تقرير نُشر على موقع BBC.

يقول بن بيترز، باحث في جامعة تولسا في أوكلاهوما مؤلف كتاب "كيف لا توصل الشبكة إلى دولة.. التاريخ الصعب للإنترنت السوفييتي": "نحن نتحدث عن إنترنت 1.0-، وهو شبكة كمبيوتر واقعية لا مركزية هرمية لإدارة تدفق المعلومات في الاقتصاد الموجه". لكن المشروع السوفييتي المعروف باسم OGAS، لم ينتهِ أبداً. وهذه هي قصة ما حدث.


الإنترنت السوفييتي




3

كان الإنترنت السوفييتي فكرة فيكتور جلوشكوف، أحد مؤسسي علم التحكم الآلي. لكن جلوشكوف استوحى هذه الفكرة جزئياً من أعمال متحمس آخر قديم، وهو أناتولي كيتوف. حلم كيتوف أولاً بتوصيل الأسلاك في الاتحاد السوفييتي عام 1959. وهناك فيلم وثائقي روسي عن كيتوف يُسمّى "عقيد الإنترنت" متاح على شبكة الإنترنت، مع فقرة افتتاحية لها رائحة أفلام جيمس بوند.

لكن من لحظة إرسال كيتوف للخطاب الذي يوضح اقتراحه للزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف، صار من الواضح أن البدء في مثل هذا النظام لن يكون سهلاً، ولم تكن التحديات تكنولوجية تماماً.

يقول بيتر: "من الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفييتي كان يملك شبكات كمبيوتر خلال تلك الفترة، لكنها كانت شبكات عسكرية". ولكن نظام للمدنيين يمكن أن يؤثر على الاقتصاد؟ هذا شيء آخر.

بدأ جيميتيناف عمله على مشروع OGAS في بداية الستينات. من الناحية النظرية، يمكن لأي شخص يعمل في الاتحاد السوفييتي لأن يكون لديه سبب للاتصال بالشبكة، لذلك كان يجب أولاً جمع البيانات عن كل شيء، بداية من القوى العاملة في البلاد وحتى مستويات الإنتاج إلى السوق. بحلول عام 1970، كان لدى جيميتيناف اقتراح مفصل استطاع الوصول إلى الرؤساء.

ولكن عندما ناقشه زعماء الحزب الشيوعي، وقف وزير المالية وأعلن أنه معارض تماماً لهذه الفكرة. وقال إن الأجهزة يمكن استخدامها بالفعل لإضاءة بيوت الدجاج، وليس هناك حاجة لعمل شبكة وطنية. كانت هناك شائعات حول قلق وزير المالية من تأثير مشروع OGAS على توازن القوى بين وزارته والوكالة المركزية للإحصاء (CSA).

رُفض اقتراح جيميتيناف على الرغم من دعم بعض المسؤولين الآخرين له. لكن فكرته لم تمت، في الواقع، ظل يكافح لمدة 12 سنة أخرى.

تم ربط عدد قليل من المدن بشبكات محلية صغيرة. وبعد سنوات، عندما كان جيميتيناف في الجامعة في نوفوسيبيرسك، وجد جهاز كمبيوتر متصل مباشرة بموسكو، التي تبعد أكثر من 3000 كيلومتر. يقول: "كان الكابل من معدن صلب وثقيل جداً". لكنه كان نظاماً مرقعاً Patchwork، وليس شبكة، كما يقول بيترز.

وفقاً لبوريس مالينوفسكي من معهد فيكتور جلوشكوف لعلم التحكم الآلي في أوكرانيا، والذي كتب العديد من الكتب -من ضمنها واحد باللغة الإنكليزية- عن صناعة الكمبيوتر السوفييتية، فقد بُذلت كذلك جهود ضخمة لجعل أجهزة الكمبيوتر تدخل على هذه الشبكات. ومع ذلك، لم يكن الإنتاج فعالاً دائماً أو في موعده المحدد.

أسهم ذلك في المخاوف من التكاليف الباهظة التي ينطوي عليها تنفيذ مشروع OGAS بشكل كامل. حددت بعض التقديرات تكلفته بـ20 مليار روبل (ما يقرب من 100 مليار دولار حالياً)، وربما تتطلب كذلك 300 ألف عامل. لهذه الأسباب، لم تُبنَ شبكة الإنترنت السوفييتية أبداً.

أفضل من يعرف بشكل مباشر ما كان عليه العمل في مجال تكنولوجيا الشبكات في العصر السوفييتية هو فلاديمير كيتوف، ابن اناتولي كيتوف. يعمل فلاديمير كيتوف حالياً في جامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد في موسكو.

لكنه صمم في السبعينات وفي الثمانينات برمجيات للجيش، استخدمت للمساعدة في إدارة المصانع التي تصنع الدبابات الضخمة. وهو يعتقد أن مشروع OGAS كان يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد السوفييتي، كما أمل الداعون له سابقاً.


برمجيات تقلد دماغ محترفي الشطرنج




2

يتذكر جيميتيناف المحاضرات التي كانت تُطري على الفوائد التي ستجلبها مثل هذه الشبكة. يقول: "كان الأمر مثيراً حقاً، مثل وجود كفاءة أكبر وعدد أقل من الأشخاص الذين يقومون بالعمليات الحسابية الروتينية، مزيد من الدقة".

كانت البيانات المُتبادلة بشكل أسهل وأفضل ستساعد المسؤولين على إدارة نظام اقتصادي وثيق.

لكن النظام السوفييتي بصفة عامة لم يكن مرناً، كما يقول فلاديمير كيتوف. يقول جيميتيناف: "كانت هناك خطة، ولا تستطيع أن تفعل أي شيء غيرها"، ويضيف: "كانوا ينتجون أحذية بنية سوداء ولم يكن أحد يحب أياً من هذين اللونين، وكانت المتاجر ممتلئة بها".

في هذه الأثناء، كانت وزارات ومناطق مختلفة عادة تخوض جدالات مع بعضها البعض، يقول جيميتيناف إن الجميع كان قلقاً من فقدان أرضه.

بحلول الثمانينات، صارت الحاجة إلى الثورة ملحة. في النهاية، كان برنامج ميخائيل جورباتشوف للإصلاحات هو ما حاول معالجة بعض أعمق المشاكل في الاتحاد السوفييتي. لكن هل كان يمكن أن يكون مشروع OGAS بدلاً منه؟

كان أحد العقبات الكبرى هو وفاة جلوشكوف المبكرة، وهو معماري النظام الذي لعب دوراً رئيسياً في الحرب من أجل اعتماده. توفي جلوشكوف في عام 1982 في سن الـ58 بعد صراع طويل مع المرض. يقول بيتر: "هذا في الأساس يُفقد الحماس".

بحلول الثمانينات، كانت فكرة مشروع OGAS تُناقش في وسائل الإعلام العامة وفي المدارس، حيث سمع طلاب مثل جيميتيناف الكثير عنها، ولفترة كان آخرون يُكملون ما تركه جلوشكوف. كان أحدهم هو ميخائيل بوتفينيك، محترف لعبة الشطرنج وعالم الكمبيوتر.

أدى بوتفينيك التجارب مع برامج الكمبيوتر القديمة في لعبة الشطرنج، وحاول تطوير برمجيات تقلد دماغ المحترفين. استُخدمت خوارزمياته للمساعدة في التخطيط لجداول الإصلاحات والصيانة لمحطات الطاقة السوفييتية.

وفقاً لبيترز، عندما كان الاتحاد السوفييتي في حالة اضطراب في بداية التسعينات، حاول بوتفينيك -وكان في الثمانينات من عمره- إثارة اهتمام بوريس يلتسين بفكرة وجود شبكة كمبيوتر تستطيع إنقاذ الاقتصاد. ولكنه مثل جلوشكوف وأناتولي كيتوف والكثيرون ممن سبقوه، لم يصل إلى شيء. بعد سنوات قليلة، بنت الشبكة العالمية، شبكة إنترنت نمت من شبكة أربانيت التي طورتها الولايات المتحدة (وهي شبكة كمبيوتر قادت إلى الإنترنت)، وأحدثت ضجة كبيرة في العالم.


مصير الإنترنت كان نفس مصر الاتحاد السوفييتي


قصة ما حدث لشبكة الإنترنت السوفييتي شبيهة من عدة نواحٍ بقصة ما حدث للاتحاد السوفييتي نفسه. ولكنها كذلك تحكي عن الأحلام التكنولوجية لهذا العصر، أحلام نعيشها جميعاً الآن، ولكنها وقتها كانت مجرد خيال.

يذكر بيترز مجتمعاً من علماء التحكم المتحمسين الذين عملوا تحت جلوشكوف. كان لديهم فكرة المدينة الفاضلة الافتراضية وتُسمى سايبرتونيا cybertonia، وأصدروا لأنفسهم جوازات سفر مزورة على سبيل المزاح. بطريقة ما، كان نسخة لعبة من شبكات التواصل الاجتماعي التي نستخدمها جميعاً اليوم.

يقول بيترز في كتابه: "طُورت أولى شبكات الكمبيوتر المدنية العالمية بين الرأسماليين التعاونين، وليس بين الاشتراكيين التنافسيين"، ويضيف: "تصرف الرأسماليون مثل الاشتراكيين بينما تصرف الاشتراكيون كالرأسماليين" في الاتحاد السوفييتي، لم تصبح فكرة الإنترنت المحلي ملعباً للقوى العاملة المدنية أبداً، ولا حصلت حتى على فرصة لإنعاش الاقتصاد المُحاصر في أحلك أيامه. كانت خطة كبيرة لم تتحقق أبداً.

يمكننا الآن ونحن نعيش في عالم الشبكات، أن نرى أن مؤيدي مشروع OGAS والخطط المشابهة كانوا بشكل ما سابقين لعصرهم. كان أشخاص مثل أناتولي كيتوف وجلوشكوف وبوتفينيك يعرفون أن المستقبل سيتعلق بالاتصال.

ربما خسر السوفييت سباق الشبكة، لكنهم بالتأكيد كانوا في اللعبة.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع BBC. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.