لعنة الدولار تطارد المرضى.. هذه حقيقة وقف عمليات جراحية بالمستشفيات المصرية

تم النشر: تم التحديث:
HOSPITAL
sm

إنها ليست مشكلة في السكر أو الأرز أو الزيت، ولكن كارثة تهدد "أرواحاً بشرية"، في لحظات فاصلة بالنسبة لهم بين الحياة والموت، بعدما امتدت أزمة الدولار في مصر إلى المستلزمات الطبية فأدت إلى وقف علاج بعض المرضى، والأخطر أنها وصلت لحد إلغاء عمليات جراحية.

القصة بدأت بزيارة مريض في مستشفى حكومي ينتظر إجراء عملية جراحية دقيقة، للاطمئنان على نتائج العملية.. غير أنه أبلغ مراسل "هافينغتون بوست عربي" أن العملية ببساطة أُرجئت، والسبب هو: "وجود نقص في بعض المستلزمات الطبية اللازمة لها!".

ابتسم المراسل متصوراً أنها "مزحة"، ففوجئ بأنها حقيقة وأن عمليات جراحية عديدة مؤجلة في مستشفيات مصرية للسبب نفسه: "نقص المستلزمات الطبية".

ولدى سؤال الطبيب المعالج المتخصص بجراحة القلب، داخل المستشفى: "ما هي الحكاية؟"، فابتسم بدوره وأكد أن "الوضع كارثي؛ لأنها لأول مرة تؤجل فيها عمليات جراحية لنقص في المستلزمات الطبية".

الطبيب الذي فضل عدم ذكر اسمه؛ لأنه غير مخول له الحديث باسم المستشفى، روي القصة لـ"هافينغتون بوست عربي" قائلاً إن المشكلة بدأت مع ارتفاع أسعار الدولار ونقصه، ولأن 98% من مستلزمات الجراحة مستوردة، وتحتاج للعملة الصعبة لاستيرادها، ظلت المشكلة تكبر حتى تفاقمت، حسب قوله.

وأشار إلى أن "مستلزمات خطيرة تحتاجها جراحات حرجة في القلب مثل المؤكسدات والصمامات والوصلات الشريانية أو الرقع الاصطناعية التي تُستخدم في سد الفجوات والثقوب، وحتى الخيوط الجراحية أصبحنا نعاني نقصها ومن دونها يصعب إجراء الجراحات".

وقال هذا الطبيب، وهو أحد أساتذة الجراحة بكلية الطب، في جامعة عين شمس العريقة: "إننا عندما نبلغ أهالي المرضى أن تأجيل العملية الجراحية كان بسبب نقص المستلزمات، لا يصدقون ويتصور بعضهم أننا نؤجلها خوفاً علي حياة المريض ولا نعرف ماذا نقول لهم، وبعضهم يتعارك معنا".

وزاد من حجم المشكلة، ارتفاع وتضاعف تكلفة الاستيراد من جهة، ثم منع وزارة الصحة والمجلس الأعلى للجامعات طرح مناقصات لشراء المستلزمات الناقصة، وتولي القوات المسلحة شراء كل المستلزمات عن طريق مناقصة واحدة، سميت اتفاقية "الشراء المجمّع للأدوية".

في المقابل، دافع الدكتور أحمد عماد، وزير الصحة المصري، عن هذا الاتفاق الذي يضم عدداً من الوزارات والجهات، منها الصحة والدفاع، للشراء المجمع لأدوية الأورام لتحقيق توفير في ثمنها، وأوضح الوزير أن الاتفاقية وفرت 5 مليارات جنيه.


هل ألغيت عمليات جراحية؟


"هافينغتون بوست عربي" سألت عدداً من أعضاء مجلس نقابة الأطباء وأطباء الجراحة حول حقيقة المشكلة ومتى بدأت وحجمها، فأكدوا أن "الأزمة حادة"، وأن هناك عمليات يجري تأجيلها بالفعل، موضحين أَن عمر الأزمة من عمر أزمة الدولار في مصر.

الدكتور أسامة عبد الحي، عضو مجلس نقابة الأطباء، شدد على أن "هناك نقصاً في معظم المستلزمات الطبية وفي كل التخصصات".

وأشار إلى أن أخطر المستلزمات الناقصة التي تمس حياة المرضى هي نقص القساطر الطبية التي تستخدم في العمليات الجراحية، ونقص فلاتر غسل الكلى، حيث يمكن أن يتوفى المريض إذا لم يغسل الكلى مرتين أسبوعياً من خلالها.

ويؤكد لـ"هافينغتون بوست عربي" أن أبرز المستشفيات التي تعاني النقص؛ هي مجمع مستشفيات أسيوط الجامعية، التي تعادل مستشفى قصر العيني بالقاهرة، وتخدم جنوب مصر بالكامل، أي قرابة 20 مليون مواطن، بخلاف مستشفى عين شمس وغيرها.

وكانت جامعة أسيوط قد أصدرت بياناً في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أعلنت فيه عدم استقبال أي حالات جراحية أو حالات تستدعي حجزها بمستشفيات الجامعة نظراً لنقص المهمات و الأدوية.

ورغم أن الدكتور أشرف زين العابدين، مدير مستشفى أسيوط الجامعي، أعلن إلغاء الأمر الإداري الصادر من لجنة الطوارئ والأزمات بالمستشفيات الجامعية الصادر، بشأن عدم استقبال أي حالات جراحية، بعد احتجاج المرضى، فإنه اعترف بالأزمة وناشد وزارة الصحة توفير المحاليل وأدوية التخدير الناقصة في المستشفيات الجامعية.

واتهم د. عبد الحي، عضو مجلس نقابة الأطباء، وزارة الصحة بالفشل، قائلاً: "النقص مسؤولية الدولة، وإذا فشلت أي حكومة فعليها أن تستقيل، وإذا فشل أي وزير فعليه أن يستقيل".

وكشف أن بعض أهالي المرضى يعتدون على أطقم المستشفيات حينما يعلمون بنقص المستلزمات الطبية؛ لأنهم لا يهمهم بطبيعة الحال سوى شفاء مريضهم.

وتصف د. مني مينا، الأمين العام لنقابة الأطباء، هذا النقص الذي يؤثر على إجراء العمليات الجراحية بأنه "كارثة"، مؤكدة أن "الاستغاثات تأتي للنقابة من كل جهة، من الأطباء، ومن المرضى، والشكوى مستمرة من نقص المحاليل ومرشحات الغسيل الكلوي ومستلزمات طبية أخرى".

وانتقد كل من مينا، وأسامة عبد الحي، عدم إعطاء الحكومة ترخيصاً حتى الآن لبدء عمل مصنع فلاتر الغسيل الكلوي، ولجؤها إلى الاستيراد من الخارج رغم شكواها من أزمة نقص الدولار وارتفاع سعره.

ويؤكدان أنه "رغم أزمة الدولار وما تعلنه الحكومة عن رغبتها في تشجيع الاستثمار والإنتاج، تعاني شركة النصر للكيميائيات الدوائية تعطيل معدات جديدة لإنتاج فلاتر الغسيل الكلوي كلفت الشركة ملايين الدولارات لاستيرادها أو تركيبها، وسبب التعطيل أن وزارة الصحة لم تمنح للشركة الترخيص اللازم لبدء الإنتاج".

وينتقد عضوا مجلس نقابة الأطباء، إعلان وزير الصحة حل أزمة الفلاتر عن طريق استيراد فلاتر من ألمانيا، رغم وجود هذا المصنع المصري المعطل، واستمرار نقص الفلاتر من كل مراكز الغسيل الكلوي.

وسخر العضوان من شكوى الحكومة من "أن البلاد تستورد أكثر مما تنتج والشكوى من انهيار قيمة الجنيه وارتفاع تكلفة المستلزمات الطبية والذهاب لصندوق النقد الدولي للبحث عن قروض والحديث عن تشجيع الاستثمار، بينما تُدفع المصانع العريقة الموجودة فعلاً إلى الإفلاس!"، حسب قولهم.

ويتحدث الدكتور خالد سمير، عضو النقابة العامة للأطباء وأستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس، عن أن أزمة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية المستوردة بالمستشفيات الجامعية أدت إلى إلغاء عدد من العمليات الجراحية بالفعل.

ولفت "سمير"، إلى أن النقص يظهر بشكل خطير في مستلزمات جراحة القلب، حسب قوله.

وقال إنهم فوجئوا بقرار من وزارة الصحة والمجلس الأعلى للجامعات، بمنع طرح المناقصات في شهر يونيو/حزيران 2016 وتولي القوات المسلحة شراء كل المستلزمات عن طريق مناقصة واحدة والتي لم تصل حتى الآن، ما فاقم المشكلة، بحسب قوله.

وتابع د. سمير: "المخازن بدأت في الرد علينا بعدم وجود أي رصيد من بعض أنواع المستلزمات، خاصة (الرئات الصناعية) التي تستخدم في جراحة القلب والتي لا غنى عنها في عمليات القلب المفتوح".

واعتبر سمير، أن الحكومة لا تعتبر المستلزمات الطبية من الأولويات القصوى، مطالباً بتولي متخصصين هذه الأمور وعدم تدخل المؤسسات في عمل بعضها حتى لا تتكرر المأساة.


مستشفيات تستغيث


ويقول مسؤولون بنقابة الأطباء، إنه وصلتهم استغاثات من قِبل مستشفى أسيوط الجامعي، وعين شمس، ومستشفيات أخرى في غالبية محافظات مصر.

ويؤكد موظفون، بمستشفى أسيوط، أن أكثر من 30 عملية بجميع أقسام المستشفيات بأسيوط تم تأجيلها منذ 9 نوفمبر 2016، كما تم إيقاف أكثر من 50 جراحة غير عاجلة لأشهر قادمة والاكتفاء فقط بالحالات الطارئة رغم أن المستشفى يخدم أكثر من 20 مليون مواطن بصعيد مصر.

وهو ما أكده أيضاً موظفون بمستشفى عين شمس الجامعي بالقاهرة، والذي تقرر وقف إجراء العمليات الجراحية الخاصة بأمراض القلب به، نتيجة لنقص المستلزمات أيضاً، بحسب طبيب فضّل عدم ذكر اسمه.

وناشدت النقابة العامة لأطباء مصر كلاً من رئاسة مجلس الوزراء ووزيري الصحة والمالية ضرورة أن تكون الأولوية في ظل أزمة الدولار الحالية لتوفير العملة الصعبة للأدوية ومستلزمات العلاج، التي لا يوجد لها بديل بمصر وكذلك المواد الخام اللازمة لتصنيع الأدوية المصنّعة بمصر.


الأزمة في البرلمان


ويؤكد النائب محمد فؤاد عضو مجلس النواب، أنه تقدم ببيان عاجل للدكتور علي عبد العال رئيس المجلس، موجّهاً للدكتور أحمد عماد وزير الصحة؛ بسبب عدم وجود العديد من المستلزمات الطبية في المستشفيات مثل محاليل الملح والمياه المعقمة والأنسولين وغيرها من الأدوية.

وقال فؤاد لـ"هافينغتون بوست عربي" إنه طالب وزير الصحة بالرد على هذه الشكاوى وإجراءات وزارة الصحة لحل المشكلة، مؤكداً أن عدم وجود العديد من المستلزمات الطبية والأدوية "ينذر بكارثة"، بحسب تعبيره.

ولكن مصدراً مسؤولاً بوزارة الصحة قال إنه "لا توجد أزمة ولا نقص مستلزمات الغسيل الكلوي، وأن الوزارة لديها من المستلزمات الطبية ما يغطي نسبة 30% ويكفي لمدة سنتين".

وقال المصدر، لـ"هافينغتون بوست عربي" إن وزير الصحة سبق أن أكد في كلمته في اجتماع لجنة الصحة بمجلس النواب نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2016، لمناقشة أزمة نقص المحاليل الطبية وفلاتر الغسيل الكلوي أنه يعمل على حل مشكلة نقص المستلزمات الطبية، ولكنه أكد أنه ليس مسؤولاً عن المستشفيات الخاصة، رغم الحرص على تلبية احتياجاتها.

وخلال الشهور الماضية، تقدم أكثر من نائب في البرلمان بطلب إحاطة حول هذه الأزمة، التي كانت قد ظهرت بوادرها مبكراً، قبل تعويم الجنيه، إلا أن رد المسؤولين كان مكرراً: "سبب الأزمة يعود إلى ارتفاع قيمة الدولار"، دون تدخل فعلي لحل المشكلة.


ماذا فعلت وزارة الصحة؟


خصصت وزارة الصحة رقماً للخط الساخن للإبلاغ عن أي نقص في الأدوية والمستلزمات الطبية من الأفراد أو الصيدليات أو المستشفيات.
أما الدكتور أحمد عماد الدين راضي، وزير الصحة والسكان، فقد تحدث عن مميزات اتفاقية الشراء الجماعي التي حمّلها البعض مسؤولية الأزمة، موضحاً أنه تم شراء مستلزمات وأجهزة طبية بقيمة ٢.٧ مليار جنيه، توفر مخزوناً يكفي لمدة عامين.

وقال راضي: "اتفقنا مع الشركات على استيراد مستلزمات إضافية حال احتياجنا بالأسعار نفسها"، مؤكداً أن احتياجات مصر آمنة من هذه المستلزمات، وفقاً له.

وأوضح وزير الصحة، أن الاتفاق بين عدد من الوزارات والجهات، منها الصحة والدفاع، على الشراء المجمع للأدوية والمستلزمات سيؤدي إلى خفض أسعارها.

وأشار إلى أن الوزارة توفر ٥ مليارات جنيه لخزينة الوزارة عقب الشراء الجماعي للمستلزمات الطبية، مضيفاً أنه تم شراء مستلزمات وأجهزة طبية بقيمة ٢.٧ مليار جنيه، توفر مخزوناً يكفي لمدة عامين، "فالخطة المستهدفة هى تحقيق الاكتفاء الذاتي لمستشفيات وزارة الصحة".

ورغم هذا التعهد من الوزير، فإنه يبدو أن الأزمة مازالت مستمرة وحياة كثير من المرضى معلقة بتنفيذ هذا التعهد الوزاري.