أكثر ما يؤرِّق بوتين أن أميركا لم تعد العدو.. الكرملين لايعرف إلى أين يتَّجه؟

تم النشر: تم التحديث:
PUTIN
Sergei Karpukhin / Reuters

أطلقت قناة روسيا 24 الحكومية قبل يومين من الانتخابات الأميركية، ساعة للعد التنازلي تظهر الساعات والدقائق المتبقية على بدء الاقتراع، إذ تجاوز مستوى التوتر والترقب بكثير ما شهدته الانتخابات البرلمانية الروسية الأخيرة.

ولكن بالرغم من كافة مظاهر الإعجاب المشترك بين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، يجب وصف المزاج العام في البلاد فيما بعد الانتخابات بالارتباك وليس بالابتهاج، إذ كان رد فعل بعض المسؤولين يتسم بالابتهاج، فقد قدم أعضاء مجلس الدوما جولة من التهليل، وقد أعلن فيكتور نزاروف حاكم إقليم أومسك، أن حزب روسيا الاتحادية الذي ينتمي إليه بوتين، قد انتصر في أميركا، كما قالت مارغريتا سيمونيان رئيسة تحرير قناة روسيا اليوم من خلال تغريدة على موقع تويتر "أنها تريد أخذ جولة بالسيارة في جميع أرجاء موسكو حاملةً العلم الأميركي ليرفرف من خلال نافذة السيارة"، وفق تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الأحد 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.


المسؤولون حذرون


إلا أن هناك مسؤولين أعلى مستوى تعاملوا مع الأخبار بحذر، إذ قال دميتري ميدفيديف رئيس الوزراء الروسي إن "روسيا لديها من المشاكل التي تشغلها أهم من فوز ترامب"، كما حث سيرغي لافروف وزير الخارجية الناس على انتظار إجراءات ترامب وليس مجرد التركيز على خطابه.

قال ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي لبوتين "من المبكر جداً الادعاء بأن هذا الانتصار من شأنه أن يدفع العلاقات الروسية الأميركية إلى الأمام، بعد أن انهارت إلى أدنى مستوياتها منذ انتهاء الحرب الباردة".

من غير المتوقع أن يعترف أي سياسي روسي بأن روسيا قد رتبت أوراقها بشكل أفضل بكثير للتعامل مع فوز هيلاري كلينتون، والتي كانت ستحافظ على استمرارية السياسة الخارجية الأميركية والخطاب المعارض للسياسة الروسية التي تطورت خلال السنوات الماضية.

بالرغم من التصريحات العامة بدعم ترامب، لم تتوقع آلة الدعاية الروسية أن يحقق الانتصار، إذ قالت سيمونيان من خلال تغريدة على موقع تويتر عند بدء الاقتراع في الولايات المتحدة يوم الثلاثاء "فلترقد الديمقراطية في سلام"، وقد شاعت الاتهامات بأن النظام الأميركي لا يمكن الوثوق به منذ عام 2012، وهو العام الذي أصبح فيه بوتين رئيساً للمرة الثالثة.

وفقاً للدعاية الروسية، فقد أغرقت الولايات المتحدة الأميركية العراق وليبيا وسوريا في الفوضى، وتسعى الآن كي تعاني روسيا من نفس المصير، تحت هذا المضمون، يُروج لبوتين على أنه الشخص الوحيد القادر على إجبار الولايات المتحدة على التراجع، وإنقاذ روسيا من الكارثة المحدقة.

أُلقي باللوم أيضاً على الولايات المتحدة الأميركية في التحريض على قيام ثورة "الميدان الأوروبي" في أوكرانيا، كجزء من إدارة الولايات المتحدة للمرحلة لصالح العناصر المعارضة لروسيا، ولحث أوروبا على فرض عقوبات كاستجابة مباشرة للأزمة الأوكرانية.

خلال السنوات الخمس الماضية، تغلغلت فكرة العدو الأميركي بسهولة في الحياة اليومية للمواطن الروسي، وكان من الشائع جداً منذ عدة سنوات وضع ملصقات على السيارات كتب عليه "أوباما شخص وضيع"، وكانت المحلات الروسية من المقاهي إلى صالونات تصفيف الشعر تعلق عبارة "لا نقدم الخدمة لأوباما هنا"، وكثيراً ما رُوج لذلك في التلفزيون الحكومي.

كان فوز كلينتون سيحافظ على استمرار مشاعر السخط تلك، أما انتصار ترامب فقد بددها، وكان أعضاء البرلمان الروسي يهللون لترامب دون أن يدركوا حقيقة أنه يقوض نظامهم السياسي، إذ يجب عليهم الآن أن يقيموا الوضع، كيف ستمضي روسيا قدماً الآن، بينما أميركا لم تعد العدو.

هناك مشكلة أخرى، حَظِي بوتين دائماً بكونه جزءاً من التوجه العالمي للمحافظين الجدد، والذي تولد نتيجة الاستياء من النظام العالمي، وبرز في بداية القرن الـ 21، إذ أصبح محبذاً عند روسيا في عهد بوتين توجيه اللوم للغرب لاكتساب منافع كبيرة على حساب حقوق الأقليات، وسياسات اللاجئين، وقضايا الحريات الأخرى.

أما الآن، فقد غير الغرب مواقفه تجاه هذه القضايا، فبعد التصويت لصالح انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وفوز ترامب، لا يعرف الكرملين أين يتجه الآن.

الكرملين في حاجة ماسة لترامب، ولكن كخاسر في الانتخابات وليس منتصراً، إذ يريد أن يكون قادراً على مواصلة معارضة المجتمع الدولي، لا أن يكون جزءاً منه، يجب أن يكون الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية لبوتين، إسقاط ترامب، فبدون ذلك، لن يجد الكرملين من يلقي عليه باللوم في مشاكل روسيا غير روسيا.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.