"سيِّد درويش" يعلم فتيات في غزة فنون الغناء

تم النشر: تم التحديث:
FTYATGHZH
سوشيال

أن تحمل عودها الخشبي على كتفها وتخرج من بيتها إلى مركز "سيد درويش" الموسيقي، يبدو ذلك شيئاً مستحيلاً بالنسبة للشابة العشرينية هداية راجح – 23 عاماً- فهي لا تريد أن تتبعها الأعين الفضولية كونها خرجت عن المألوف بالنسبة لمجتمعها الغزي الذي تحكمه العادات والتقاليد التي مازالت لا تتقبل دخول الفتاة مجال الفن.

ولكنها أخيراً وجدت ضالتها في المركز الذي افتتح بداية عام 2016، ليكون الأول من نوعه لتعلم الموسيقى، فراحت تترك عودها هناك، ليظل الحنين يقودها إليه كلما تكاسلت عن التدريب.

وأمام مدربها الخاص جلست "راجح" تسمعه مقطعاً من أغنية طربية، فقد اكتشفت جمال صوتها خلال تدريبها على العود، قبل بدء الحديث معها كانت حريصة ألا تلتقط لها صورة تكون ملامحها واضحة، وذلك خشية أن يلومها أحد أفراد عائلتها.

syddrwysh

تقول: "منذ صغري أحب سماع الموسيقى، وأغني في الحفلات العائلية، وحينما كنت أصرح بحلمي بالعزف على العود كانت نظرات اللوم توجه صوبي"، موضحة أنه رغم معارضة عائلتها دخولها عالم الفن وتعلمها للموسيقى إلا أنها استطاعت إقناع بعضهم.

وتشير راجح إلى أنه، رغم أَن أهلها يعلمون بالتحاقها بمركز الموسيقى، إلا أنها لا تجرؤ على إخبار بقية أفراد عائلتها، مؤكدة في الوقت ذاته أنها مقتنعة بالشيء الذي حققته وهو تعلم العزف على العود، وتتمنى كسر الحواجز الاجتماعية الصارمة خاصة بعد مشاركة الشابة الغزية روان عليان في برنامج (Arab idol) " ، لتحدث تغييراً كما فعل محمد عساف قبل ثلاث سنوات، ويتقبل أفراد المجتمع الغزي وجود فنانة بينهم.


خمسينية تتعلَّم الموسيقى


وفي مركز "سيد درويش" يتطوع بجانب أساتذة الموسيقى عدد من الشباب صغار السن بتعليم الموسيقى لأقرانهم بعد تلقيهم دروساً خاصة على أيدى مدرسين مهرة فمنهم من تعلم عبر الإنترنت بمجهوده الشخصي كالشاب فارس عنبر –21 عاماً- الذي بمجرد أن ينتهي من محاضراته في قسم إدارة الأعمال يسارع للوصول إلى طلابه من مختلف الأعمار ليعلمهم العزف على آلات الإيقاع.

الشاب "عنبر" يتحدث عن تجربته في عالم الموسيقى، مؤكداً أنها متميزة رغم تعرضه لمضايقات من قبل مجتمعه، لاسيما وأنه يخرج بصحبة شقيقته "ريم" التي تكبره وهي تحمل الغيتار دون أن تأبه لأحد، موضحاً أن كثيراً من المارة يقذفونه بكلمات غير أخلاقية كونه يسمح لشقيقته بفعل ذلك ويتهم بعدم تدينه كونه يعزف ويشارك في حفلات غنائية.

وبعدما كان منغمساً بالعزف على آلة "القانون" يقول: "رغم عدم تقبل مجتمعنا لتعلم الموسيقى، إلا أنني فوجئت بوجود عدد كبير من الفتيات داخل مركز "سيد درويش" يرغبن في تعلم العزف على آلات مختلفة (..).

ويضيف "من بين الطلبة الذين قابلتهم سيدة في الخمسين من عمرها تأتي لتتعلم الموسيقى والغناء فهي تريد أن تملأ وقتها الشاغر بشيء تحبه بعد أن تنهي أعمالها المنزلية".

ويطمح عنبر وفريقه المتواضع في مركز "سيد درويش" بتغيير الصورة السلبية للفن في قطاع غزة، من خلال تقديم كل ما هو مميز ويمكنه منافسة المنتج الخارجي.

وفي القاعة الأخرى من المركز تجلس "فايزة جمال" –18 عاماً- برفقة صديقتها لتعلم أبجديات الموسيقى، فقد جاءت من مدينة خان يونس جنوب القطاع بحثاً عن مكان لتحقق من خلاله حلمها وهو العزف على البيانو، كما أخبرت "هافينغتون بوست عربي".

وتوضح أن المنطقة التي تسكنها بعيدة عن مدينة غزة وتخلو من المراكز الفنية، وعند علمها بوجود مركز موسيقي قرب جامعتها سارعت بالتسجيل لتعلم الموسيقى بعد محاولات عدة لإقناع والديها، لكن أقاربها لا يعرفون ذلك.

وعن مركز "سيد درويش" تقول: "رغم إمكانياته البسيطة إلا أنني أشعر بالسعادة داخله خلال التنقل بين حصص الموسيقى التي أتلقاها على أيدي المدرسين (..) كنت أعتقد أن الموسيقى شيء سهل ويمكن لأي شخص العزف لكني أيقنت أن الإحساس هو الأهم لتصل المعزوفة للجمهور".

وتتمنى "فايزة" أن تتغير نظرة مجتمعها السلبية عن العمل في مجال الموسيقى خاصة للفتيات، وتتمكن من حمل آلتها المفضلة على ظهرها دون خوف من انتقادات الآخرين وهي تتجول في الطرقات.


الفلوكلور الفلسطيني


الشاب سعيد سرور مدرس "البيانو" تحدث عن أن هناك إقبالاً كبيراً من مختلف الأعمار للالتحاق بالمركز منذ إنشائه، مبيناً أن هدفهم الأول هو إبراز المواهب المدفونة وتنميتها كي لا تعاني مثلهم كما كانوا في السابق دون مراكز موسيقية.

ويوضح أن كثيراً من الشباب تعلموا العزف على الآلات بجهودهم الشخصية أو من أحد أقاربهم في الخارج، لافتاً إلى أنه يعزف ضمن فريق شبابي "solo band" لكنهم كانوا يتعرضون لمواقف محرجة كأن يرفض الجمهور أن تخرج برفقتهم فتاة تعزف، عدا عن عدم تقبل بعض الحضور التنوع في الغناء فقط، فيكتفون بسماع الفلوكلور الفلسطيني وغير ذلك ينسحبون وعائلاتهم في حال طالبوهم بالتفاعل معهم.

ويشير "سرور" إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة ساهمت في تغيير وجهة نظر الغزيين إلى حد ما لمختلف الفنون، خاصة الموسيقى، وذلك بعد فوز محمد عساف.


لم يكن قراراً سهلاً


وبدوره ذكر سلام سرور مدير مركز "سيد درويش"، أنه لم يكن إنشاء مركز "سيد درويش" الموسيقي في بيئة غزاوية محافظة سهلاً، فحرصوا على اختيار مكانه في وسط مدينة غزة في منطقة يتقبل سكانها إلى حد ما وجود مركز موسيقي بالقرب منهم.

وتحدث سرور عن الصعوبات التي واجهتهم في البداية، متمثلة بتوفير الآلات الموسيقية غير الموجودة في قطاع غزة، وغالبيتها قاموا بشرائها من الخارج على حسابهم الشخصي دون وجود داعم فني أو مالي لهم، مشيراً في الوقت ذاته إلى ارتفاع سعر بعض الآلات الخاصة كالقانون والساكس والنفخ فجميعها غير متوفرة منها إلا قطعة واحدة لا تكفي لتدريب جميع الطلبة في آن واحد.

وأوضح أن الأعضاء بالمركز من جميع الفئات، وهناك أطفال يأتون بصحبة ذويهم عند انتهاء دوامهم المدرسي لتعلم العزف على آلة موسيقية، خاصة البيانو، مشيراً إلى أنهم يعملون على إحياء التراث الفني في قطاع غزة مع المحافظة على العادات والتقاليد.

ولفت سرور إلى أن المرحلة الحالية للمركز هي التعليم الابتدائي للموسيقى والغناء، إلى حين تحقيق الارتباطات الفنية الفعلية مع المعاهد الموسيقية حيث توجد اتصالات مع معاهد من "بلجيكا" لتقديم المزيد من الدعم الفني للمركز.

وفي ختام حديثه، يطمح مدير مركز "سيد درويش" بتوسيع المكان واستيعاب أكبر عدد من الطلبة، بالإضافة إلى التواصل مع أساتذة موسيقى من الخارج أو الداخل المحتل لتطوير أدائهم إاضافة لمسات جديدة كون قطاع غزة يفتقر للتجديد والابتكار ويعمل وفق إمكانيات محدودة.