رؤساء أميركا: الأفضل والأسوأ والأكثر توسطاً وأكثر خمسة مهدور قدرهم على مر التاريخ

تم النشر: تم التحديث:
US PRESIDENTS
other

إذا كان التاريخ يخبرنا بشيء، فهو أن كل رؤساء وقادة أميركا كان لهم أداء مختلف جداً ما إن تولوا منصب الرئاسة. بعضهم كانوا أبطالاً، أنقذوا الولايات المتحدة من كوارث شاملة. بينما كان آخرون هم أنفسهم الكارثة.

لذا، عقب الانتخابات الأميركية المفاجئة الأخيرة، التي أوصلت دونالد ترامب للبيت الأبيض، يفضل أن نلقي نظرة على الماضي، على بعض رؤساء أميركا. على سبيل المثال، مَن قد يتم اعتباره الأفضل أو الأسوأ؟

في هذا التقرير المنشور على موقع National Interest، تم جمع مجموعة المقالات من المحرر السياسي في TNI روبرت ميري، وما يلي اختياراته، التي كُتبت على مدار السنوات الماضية، للأفضل والأسوأ والأكثر عادية، والرؤساء الخمسة الذين بُخس حقهم. ولنبدأ المناقشة:


الرئيس الأعظم: لينكولن




lincoln

حينما يُرضي الأكاديميون والعلماء رغباتهم من خلال طرحهم لاستطلاع رأي آخر عن ترتيبات الرؤساء، فهناك القليل من الشك حول أي رئيس سيتصدر القائمة.

في العديد من مثل هذه الاستطلاعات الرائدة التي أجريت منذ بدأها آرثر شليزنجر في عام 1948 لمجلة "لايف" Life، جاء لينكولن الأول في كلها تقريباً. من بين السبعة استطلاعات التي جمعتها من أجل كتابي في 2012 عن هذا الأمر، عن ترتيب الرؤساء، 6 من هذه الاستطلاعات أفرزت لينكولن باعتباره الأفضل. وفي السابع (استطلاع رأي في عام 2005 لصحيفة وول ستريت جورنال)، جاء جورج واشنطن على رأس القائمة، ولينكولن الثاني. (دائمًا ما يحتل فرانكلين روزفلت المركز الثالث).

في الوقت الذي تستعد فيه البلاد للاحتفال بيوم الذكرى، قد يكون هذا هو الوقت المناسب للتفكير في أسس عظمة لينكولن. يمكن للمرء أن يبدأ بصفاته الشخصية ويلاحظ مديح المؤرخ السياسي توماس بايلي من جامعة ستانفورد.

كتب بايلي في 1966 أن لينكولن كان "بلا شك رجلا عظيما.. في روحه وإنسانيته وتواضعه وشهامته وصبره وكرمه والعمل من أجل التنمية والغرائز السياسية والحفاظ على وحدة أتباع سياسيين منقسمين، وفي تفسير وقيادة الرأي العام والقبض على الفكرة الأساسية في الحفاظ على الوحدة". ما يبدو أن بايلي يقول إن لينكولن كان عبقرياً سياسياً تصادف مع كونه قديساً.

هذا طرحٌ سهل. لكن عظمة الرئاسة في نهاية المطاف هي مسألة أداء رئاسي. العظمة هي ما تفعله العظمة. وقد يكون من المفيد تخمين ماذا كان يمكن أن يحدث لمكانة لينكولن التاريخية لو كان قد خسر الانتخابات الثانية في 1864.

كان لينكولن بالفعل على وشك أن يخسرها. في الواقع، هذا تحديداً ما توقعه قبل 10 أسابيع فقط من الانتخابات. كتب ملحوظة لنفسه، ووضعها في مظروف مغلق خبأه بعيداً عن الأنظار، ليُفتح فقط بعد إعلان النتيجة.

كتب يقول "هذا الصباح، كعدة صباحات سابقة، يبدو من المحتمل أن هذه الإدارة لن يتم إعادة انتخابها. وسيكون من واجبي التعاون مع الرئيس المنتخب للحفاظ على الاتحاد بين الانتخاب والتنصيب؛ إذ إنّه سيكون قد أمّن اختياره رئيساً على أساساتٍ قد لا يستطيع الحفاظ على الاتحاد بعدها". هذه كلمات رجل على حافة اليأس.

وكان السبب الرئيسي لدولة لينكولن المتعثرة هو الحرب – أربع سنوات طويلة من أسوأ المذابح التي شهدتها البلاد (أو على الأرجح ستشهدها)، بلا نصرٍ يلوح في الأفق.

ثم تحولت الأمور بقوة مذهلة. في الثالث من سبتمبر/أيلول، علمت العاصمة أن الجنرال يوليسيس غرانت استولى على أتلانتا – في أول انتصار كبير للاتحاد على الكونفيدرالية. وبعد مرور شهر استطاع الجنرال فيليب شيريدان السيطرة على وادي شيناندواه، مصدر الإمدادات الرائد للكونفيدرالية. ثم غرقت آخر سفن الجنوب، ليُحكم الشمال الحصار الاقتصادي الذي فرضته البحرية على الجنوب.

على الفور ارتفعت مكانة لينكولن السياسية. صرح سلمون تشايس وهو زعيم الجمهوريين الراديكاليين الذي كان قد قارب على فقدان الأمل في لينكولن، بأنه "من المؤكد الآن أن لينكولن سيُعاد انتخابه". في كتابهما لعام 1990، المفاتيح الـ13 للرئاسة، جادل آلان ليشتمان وكين دوكال بأن انتخابات 1864 كانت متوقفة تماماً على انتصارات الاتحاد العسكرية. بدونها، كان لينكولن سيُهزم وكان الاتحاد سيتفكك، على الأقل لمدة من الوقت.

بهذه الانتصارات، فاز لينكولن بـ55% من أصوات المجمع الانتخابي، وتم الحفاظ على الاتحاد والقضاء على العبودية.

لذا يمكن القول إن أحد عناصر عظمة لينكولن هو المثابرة حتى خرجت الأمة من أزمتها. ولكن ليس هذا ما يميز رؤية لينكولن التي ظهرت في أواخر الثمانينيات حين اجتاحت قضية العبودية البلاد. سعى الديمقراطيون لتهدئة أشجان قضية العبودية من خلال قانون "كانساس - نبراسكا"، ولكن تأثيره كان العكس تماماً.

لينكولن لم يرَ ذلك فقط، وإنما صاغ مفهوماً خطابياً للأزمة ولمسار الخروج منها. حيث صرّح "في ظل سياسة (كانساس-نبراسكا)، لم يستمرّ التحريض وفقط، وإنما زادت حدّته. ولن يتوقف في رأيي حتى يتم التوصل إلى حل للأزمة"، ثم اقتبس من الكتاب المقدس واحداً من أهم مقولاته "بيت منقسم على نفسه لا يمكنه الصمود".

وأوضح "أعتقد أن الحكومة لا يمكنها أن تتحمل نصف عبودية، ونصف حرية. لا أتوقع أن يُحل الاتحاد –لا أتوقع أن ينهار البيت- ولكن أتوقع لحالة الانقسام أن تتوقف. سيصبح كله هذا، أو كله ذاك".

كان هذا الصدق آخذا للأنفاس في خضم مشاعر شديدة التضارب حتى إن الرؤية الواضحة للموقف كانت تعتبر مستحيلة. وقد عكس عنصراً حاسماً من عبقريته المدنية – فهمه لقوة الخطاب السياسي الذي يؤلم ويجرّد من العداوات بواقعيته الصارخة.

تصويره للوضع الذي تواجهه أميركا ككارثة نزلت عليها، إلى جانب الحس الأخلاقي الذي جلبه لقضية العبودية، كل هذا مكنه من انتزاع النصر في انتخابات 1860، لتذهب أقل من 40% من الأصوات الشعبية للمرشّحين الآخرين.

ما يجعل الأمر أكثر روعة هو أن لينكولن امتلك قليلاً من الصفات التي كان من المحتمل أن تدخله البيت الأبيض. فقد أمضى فترة واحدة في الكونغرس قبل ما يقرب من 15 عاماً قبل خوضه للانتخابات الرئاسية في 1860. ولم يلعب دوراً مهما على الساحة السياحية الوطنية. (كثيراً ما يستشهد كتاب السير بخطبه المناهضة للحرب أثناء حرب المكسيك باعتبارها غزوة مهمة للوعي الوطني، لكن هذه مبالغة تتجاهل حقيقة أن هجومه غير المقبول على الرئيس حينها ساهم في أن يصبح عضواً في الكونجرس لدورة واحدة فقط).

وعلى الرغم من كونه محامياً ماهراً بسمعة إقليمية طيبة، إلا أنّه لم يبرز على الساحة الوطنية من خلال عمله القانوني. ولم يكن جذاباً في مظهره. لكنه ببساطة استوعب جوهر الأزمة التي تخيم على البلاد بمزيد من الوضوح والرؤية عن أي من خصومه.

ثم، في فترة أولى حافلة بالأزمات، استمر في سعيه تجاه تحقيق رؤيته في مواجهة ما بدا خلافاتٍ مدمرة –وفي أثناء ذلك أبدى مهارة سياسية ملحوظة وقدرة على مناورة الأشخاص والأحداث. فمارس سلطاته الحربية بقوة كادت تجعله دكتاتوراً- ولكن دون اتخاذ منحى ديكتاتوري أو السعي لإدماج هذه السلطات بشكلٍ مؤسسي في الكيان السياسي الأميركي بعد أزمة الحرب.

وأكثر من أي رئيس آخر، ترك لينكولن وراءه أمه متحولة. كل الرؤساء العظماء وضعوا البلاد على مسار جديد في وقتٍ لم يعد الاتجاه القديم مُلهماً للثقة بين جموع المواطنين والناخبين. واشنطن وجيفرسون وجاكسون ولينكولن وثيودور روزفلت وفرانكلين روزفلت، كلهم حقق ضرورة العظمة الرئاسية؛ كلّهم عرّف البلاد بطريقة جديدة، عن طريق صياغة مصطلحات سياسية حديثة دفعت نحو تحالفات سياسية جديدة، وبالتالي سمحت للبلاد بالمضي قدماً إلى عصور جديدة.

ولكن التحول الذي قام به لينكولن كان الأكثر عمقاً والأطول مدة. لذا يبقى في المقدمة في كافة استطلاعات الأكاديميين لتقييم الرؤساء. ولهذا يحتل مكانة خاصة في قلوب وعقول مواطنيه وصولاً ليومنا هذا.


الأسوأ: وودرو ويلسون




woodrow wilson

إذا أردت تحديد الرئيس الأسوأ في تاريخ أميركا بكل ثقة، فكيف يمكن أن تختار؟ واحدة من الطرق قد تكون متابعة استطلاعات الرأي الأكاديمية المختلفة لترتيب الرؤساء، التي أجريت من وقت لآخر، منذ أن قام آرثر شليزنجر بتأسيس هذا الفرع الأكاديمي من استطلاعات الرأي في عام 1948.

معظم تلك الدراسات تقول إن وارين هاردنغ من ولاية أوهايو هو الأسوأ على الإطلاق. هذا سخيف، فقد ترأس هارينغ في وقت اقتصادي صعب للغاية. ليس ذلك فحسب، ولكنه ورث ركوداً اقتصادياً مدمراً عندما تم انتخابه في 1920 وسرعان ما تحولت الأوقات العصيبة إلى أوقات جيدة، إذ شهدت رئاسته نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 14% في عام 1922. تراجعت الاضطرابات العرقية والعمالية أثناء فترة توليه الرئاسة. قاد البلاد بلا حروب مزعجة.

كانت هناك بالطبع فضيحة "تي بوت دوم" Teapot Dome التي تورطت فيها شخصيات كبرى في إدارته، ولكن لم يكن هناك أي دليل على أن الرئيس نفسه شارك في الفساد. وكما قالت ابنة ثيودور روزفلت، أليس روزفلت لونغوورث "هاردينغ لم يكن شخصاً سيئاً، كان فقط ساذجاً".

تضع استطلاعات الرأي الأكاديمية جايمس بوكانان من ولاية بنسلفانيا بأسفل القائمة باستمرار. وهو رجل افتقر حقاً للشخصية وشاهد البلاد عاجزة في أسوأ أزمة في تاريخها. فقد صعد إلى الرئاسة بكذبة صريحة على الشعب الأميركي.

في خطاب تنصيبه، وعد بأنه سيقبل الحكم الصادر من المحكمة العليا في قضية دريد سكوت أياً كان. ولكن ما لم يقله للشعب الأميركي هو أنه كان على علم مسبق بالحكم (استقاه من خلال محادثات غير لائقة مع القضاة). هذا الاستخفاف السياسي الأسوأ من نوعه.

لكن رئاسة بوكانان الفاشلة تشير إلى ما يمكن أن يكون اختلافاً حول طريقة تقييم الفشل الرئاسي. سحقت الأحداث التي أثبتت قوتها قيادة بوكانان الضعيفة. وهكذا انتقلت البلاد لواحدة من أسوأ الأزمات في تاريخها. ولكن بوكانان لم يخلق الأزمة، كان متذبذباً أكثر من اللازم للتحكم في الأزمة وقيادة البلاد إلى نوعٍ من الحل. تطلب الأمر من جاء بعده، أبراهام لينكولن، لتحقيق هذا.

وهذا يوضح الفرق بين فشل الامتناع عن الفعل، وفشل الفعل- الفرق بين الرؤساء الذين لم يتمكنوا من التعامل مع الأزمات، والرؤساء الذين خلقوا الأزمات.

وعندما نذكر فشل الفعل، يتبادر 3 رؤساء إلى الذهن: ووددرو ويلسون وريتشارد نيكسون وجورج دبليو بوش. مع الأخذ في الاعتبار أن كل الرؤساء الفشلة لديهم من يدافع عنهم، ومن يجادلون -أحياناً بمسوغات دقيقة- بأن الفشل الظاهر لم يكن فشلاً حقيقياً أو لا يقع على عاتق هذا الرئيس بالذات.


جورج دبليو بوش




george bush

نحن نرى بواقعية صارخة في عصرنا، في المناقشات الجارية حول رئاسة بوش الثاني، تنعكس في رد الفعل على إشارة السيناتور راند بول إلى أن صقور الحزب الجمهوري بدعواتهم المستمرة للولايات المتّحدة إلى التدخل في أرض الإسلام، تسببوا في صعود التطرف العنيف للدولة الإسلامية.

النظرة السائدة إلى بوش هي أن غزو العراق، أعظم الأمثلة في التاريخ الأميركي لما يُعرف بـ"الحرب الوقائية"، ثبُت أنها واحدة من أكثر أخطاء السياسة الخارجية كارثية في التاريخ الأميركي، وربما الأكثر كارثية. وفقاً لهذه الرؤية، زعزع بوش استقرار الشرق الأوسط، وأشعل فيه النيران وجعله الحاضنة المثالية للدولة الإسلامية والحرب الطائفية المعتمقة بين السنة والشيعة في المنطقة. لا يُمكن لأحدٍ أن يجزم بما ستتوجه إليه الأمور في المستقبل، لكن الواضح أن الأمر سيستمر، بعواقب مدمّرة، ولوقتٍ طويل.

ولكن بالطبع هناك من ينكر أن بوش صنع هذه الفوضى. يقولون لا، بوش في الواقع وضع العراق تحت السيطرة، والخطأ يقع على خليفته باراك أوباما، الذي تركها تسقط مرة أخرى لأنه لم يحافظ على القوة العسكرية الأميركية في البلد. هذه هي رؤية الأقلية، التي يعتنقها بإصرار الكثيرون ممن هم في حاجة إلى التغطية على مشاركتهم هم في هذه الفوضى.

ليس هناك الكثير من الشك في أن التاريخ سيستقر على رأي الأغلبية في النهاية، أن بوش أطلق موجة من الفوضى وسفك الدماء والبؤس الذي أصبحت المنطقة في قبضته. كما كتب شون ويلنتز في 2006، عندما كان بوش لا يزال في البيت الأبيض "كثير من المؤرخين يتساءلون الآن إذا ما كان بوش سيُذكر كأسوأ رئيس في التاريخ الأميركي". مع الأخذ في الاعتبار أن بوش شهدت رئاسته أيضاً واحدة من أسوأ الأزمات المالية التي ضربت البلاد في تاريخها.


ريتشارد نيكسون




richard nixon

ثمّ هناك نيكسون، الذي دفعت تجاوزاته في أزمة ووترجيت البلاد إلى واحدة من أكبر أزماتها الدستورية. البعض يجادل بأن تجاوزات نيكسون لم تكن سافرة كما يعتقد الكثيرون، خاصة عندما يُنظر إليها من سياق المناورات والتلاعبات التي فعلها الكثير من رجاله، وبعضهم فعلها من وراء ظهره.

ربما هناك بعض الحقيقة في هذا. لكن في النهاية لا يهم. هو كان الرئيس، ولا بد أن يتحمل مسؤولية الثقافة، والمناخ الذي خلقه في الجناح الغربي ومبنى المكتب التنفيذي القديم. إن كان رجاله يركضون في الأنحاء ويخالفون القانون، فلا بد أن يتحمل المسؤولية، بغض النظر عن علمه أو مشاركته. ونحن نعرف على وجه اليقين أن نيكسون نفسه حدد أسلوب دائرته الداخلية- أسلوب مظلم ودفاعي ومتوعد لدرجة تجعل الخطأ نتيجة شبه حتمية. أيضاً، لا شك أن الرئيس نفسه تجاوز الحد في العديد من المواقف.


وأخيراً: وودرو ويلسون




wilson

وهو ما يقودنا إلى وودرو ويلسون، الذي أدى فشل سياساته إلى عواقب وخيمة أكثر من أي رئيس أميركي آخر. كان عيبه الأكبر هو طبيعته المنافقة، التي تبدو أكثر وضوحاً وتركيزاً فيه أكثر من أي رئيس آخر، حتى جون كوينسي آدامز (الذي لم يكن هاوياً في قسم النفاق). اعتقد دوماً أنه يعرف أفضل، لأنه ظن أنه يعرف أكثر من أي شخص آخر. قم بجمع هذا مع حس إنساني قوي وستحصل على رئيس يريد أن يغير العالم من أجل تحسين أحوال البشر.

حتى في بدايات فترة الأولى ومع الحرب المشتعلة في أوروبا، سعى لتوريط الولايات المتحدة كوسيط محايد، وتعزيز اتفاقية السلام لكسر الجمود المأساوي الذي كانت البلاد الأوروبية واقعة في قبضته. وعندما فشلت هذه الجهود، أعاد ترشيح نفسه باعتباره الرجل الذي أبعد الولايات المتحدة عن الحرب.

لكن فور دخول ولايته الثانية قال إنه سيسعى لدخول بلاده الحرب عن طريق التلاعب بسياسة الحياد. بينما أعلن حياد الولايات المتحدة، انحاز لبريطانيا من خلال السكوت عن حصار بريطانيا لألمانيا (الذي يقول ونستون تشرشل إنه فرض لتجويع الألمان بما فيهم الرُضّع حتى الموت) والسماح بدخول السفن التجارية الخاصة بالجيش البريطاني لموانئ الولايات المتحدة والتي عززت بدورها تدفق الذخائر الأميركية إلى قوات الحلفاء.

وفي الوقت نفسه، أعلن ويلسون أن ألمانيا سوف تتعرّض لـ"محاسبة صارمة" عن أي خسائر أميركية في الأرواح والأملاك من هجمات الغواصات الألمانية. طُبقت هذه السياسة وقال ويلسون حتى لو ألحق ذلك ضرراً بالأميركيين المسافرين والعاملين على سفن فرنسية وبريطانية. ورفض تقليص ما اعتبره "حق" الأميركيين في السفر على السفن المرتبطة بفرنسا أو بريطانيا (ولكن ليس ألمانيا).

تم تحذير ويلسون وبالأخص من قِبل وزير خارجيته ويليام جيننيغز براين أن هذه السياسات غير المتوازنه حتماً ستجر أميركا للحرب. عندما تجاهل هذه التحذيرات، قدم براين استقالته من مجلس وزراء ويلسون في موقف تمسك فيه بمبادئه.

وكما توقع براين، انجرّت أميركا للصراع وظهر أن هذه كانت نوايا ويلسون طوال الوقت. ثم حدثت 3 أشياء.

الأولى، إدارة ويلسون للحرب بطريقة دمرت الجبهة الداخلية. ارتفعت الأسعار للضعف، ثم جاء ركود اقتصادي قوي استمر لثلاث سنوات. وافق على قمع الحريات المدنية من قبل محاميه العام سيئ السمعة، أليكس ميتشل بالمر. أممت حكومته العديد من الصناعات الخاصة بما في ذلك صناعة التلغراف والهاتف والسكك الحديدية، بالإضافة إلى توزيع الفحم. اندلعت أعمال شغب عرقية في مدن عديدة أودت بحياة حوالي 150 شخصا خلال عامين.

الثانية، دخول أميركا في حرب كسر الجمود، بالسماح لقوات الحلفاء بفرض شروط هدنة مدمرة على ألمانيا. ثالثاً، عندما ذهب ويلسون إلى مؤتمر فرساي للسلام عازماً على تحمل الخسائر البشرية التي تسبب بها وجعل العالم أكثر أماناً وديمقراطية، سرعان ما تم التلاعب به من القادة المحنكين لبريطانيا وفرنسا، والتي كانت أجندتهم ليس لها علاقة بمفاهيم ويلسون الحالمة حول عالم متناغم برؤية إنسانية.

وكانت النتيجة هي إذلال ألمانيا، مما تسبب في اشتعال حرب أخرى، وخلق مستنقع من الاستياء المدني في ذلك البلد، الذي من شأنه أن يسمم الحياة السياسية لجيل قادم. لا يمكننا القول على وجه اليقين إن أدولف هتلر لم يكن ليظهر في ألمانيا إذا ما تمت تسوية مأزق الحرب العالمية الأولى من خلال المفاوضات بدلاً من إملاء الشروط. ولكن يمكننا القول إن سياسات الحرب الساذجة الخاصة بويلسون خلقت مناخاً سياسياً في ألمانيا مهد الطريق لهتلر.

هذا حِمل كبير لويلسون عبر التاريخ، على الرغم من أن استطلاعات الرأي الأكاديمية تنظر له باستمرار نظرة إيجابية. وهذا غالباً لأن معظم الأكاديميين والتقدميين يحبون ويلسون لمشاعره التقدمية الخاصة. ولكن آل روزفليت (ثيودور وفرانكلين) كانا تقدميين وتركا البلاد أفضل عندما رحلا عن منصبيهما.

حالة كتلك لا يمكن أن تكون كنيلسون الذي ترك البلاد في حالة من الفوضى. شكلت انتصارات الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية والتشريعية عام 1920 واحدة من أعظم حالات النبذ السياسي في تاريخ الولايات المتحدة. وهكذا، يمكن القول إن أخطاء ويلسون جعلته أسوأ رئيس في تاريخ الولايات المتحدة.


الأكثر توسطاً: جروفر كليفلاند




grover clevelan

لقد ناقشنا في هذه المساحات أعظم الرؤساء في تراث الولايات المتحدة. وناقشنا الأسوأ. وناقشنا الأكبر والأكثر تعاسة أثناء الحرب. وسعينا لتحديد الرئيس الذي ترك وراءه أكبر حالة من الفوضى المدنية (وودرو ويلسون)، ولكن يجب الاعتراف بأن الأمر برمته مسألة رأي.

هل من العدل أن نتجاهل أقل الرؤساء تميزاً في تاريخ الولايات المتحدة، هذا الرجل الذي ينتمي تحديداً للمنتصف من التصنيفات الرئاسية؟ في الحقيقة، التركيز على الرؤساء العظام والرؤساء عديمي الكفاءة يستعبد أولئك الذين ينتمون للمنتصف، الذين لم يكونوا عظامًا أو سيئين، فقط كانوا متوسطين. كما قال السيناتور الراحل رومان هروسكا في دفاعه عن مرشح المحكمة العليا الذي كان غير مؤهل تماماً لهذا المنصب "حتى لو كان متوسط المستوى، فهناك العديد من القضاة والناس والمحامين العاديين. ويحق لهم بعض التمثيل، أليس كذلك؟.. لا يمكن لنا كلنا أن نكون برانديس وفرانكفورت وكاردوزا".

هذا صحيح. كذلك لا يمكن أن يكون جميع الرؤساء واشنطن أو لينكولن أو روزفلت. العالم لا يسير على هذه الطريقة على أية حال، ولا يتطلب كل عصر رئيساً عظيماً. وهكذا، وفقًا لروح رومان هاروسكا، يرشح كاتب المقال الرئيس "جروفر كليفلاند" للقب "الرئيس متوسط المستوى".

لا يعرف معظم الأميركيين الكثير عن جروفر كليفلاند. ليس خطأهم حقاً. فالرجل ليس من النوع الذي يحصل على الكثير من الاهتمام هذه الأيام. عموماً، هناك أمران يعلمهم الناس عن هذا الرجل من ولاية بافلو –أولاً، أنه كان الرئيس الوحيد الذي خدم لفترتين غير متتاليتين؛ والثانية، أنه أنجب طفلاً خارج إطار الزواج.

وإذا قمنا بتنحية حياته الشخصية جانباً –كما فعل المصوتون في عام 1884 عندما تم انتخابه للمرة الأولى- يمكننا القول إن كليفلاند يستحق بعض الفضل في انتخابه مرتين للرئاسة. هذا ليس عملاً عادياً. من بين 44 رئيساً للولايات المتحدة، نجح 10 في أن يختاروا مرتين (4 مرات لفرانكلين روزفلت). (واثنان آخران، ثيودور روزفلت، وكالفين كوليدج نجحا في الرئاسة إثر وفاة أسلافهما ومن ثم تم انتخابهما على الفور).

ولكن، في حين يمثل الفوز بالانتخابات الرئاسية مرتين إنجازاً سياسياً كبيراً، يجب الإشارة إلى أن الحزب الديمقراطي خسر البيت الأبيض بعد كل فترة من فترات كليفلاند. المرة الأولى، وصل لمرحلة إعادة الانتخاب وفاز عليه بنجامين هاريسون. ثم بعد أن هزم هاريسون واستعاد البيت الأبيض لأربع سنوات فيما بعد، شعر حزبه أن مدته الثانية لا تبرر الاحتفاظ به على قوائم الحزب الديمقراطي.

وبالتالي، فكليفلاند هو الرئيس الوحيد في التاريخ الأميركي الذي كان رئيساً لدورتين غير متتاليتين.

وقت الهزيمة الأولى في عام 1888، كاد يتفوق على منافسه. في الواقع، حصل على أصوات أكثر من هاريسون في الأصوات الشعبية، ولكنه خسر الرئاسة في المجمع الانتخابي. خلال ولاية كليفلاند الأولى، توسع الاقتصاد بشكل جيد. وقع على قانون التجارة بين الولايات، الذي كان يهدف إلى كبح جماح ممارسات السكك الحديدية الاحتكارية، لكنه لم يفعل الكثير لتفعيل القانون. كما قلص أيضاً الانتهاكات في برامج التقاعد والعجز للمقاتلين الذين شاركوا في الحرب الأهلية.

ولكن على الجانب الآخر، افتقدت إدارته للطاقة. لم تسفر عن أي مبادرات محلية كبرى ولا أي مواقف ذات قيمة للسياسة الخارجية. تعثرت مجهودات كليفلاند للتقليل من الرسوم الجمركية، وهي سمة مميزة لموقف الحزب الديمقراطي.

والأسوأ، عانت فترة ولايته من الاحتجاجات العمالية واسعة النطاق التي أدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات. في عام 1886، شارك 600 ألف عامل في الإضرابات والاعتصامات وهو ضعف عدد العام السابق.

في مايو 1886، خلال سلسلة من الإضرابات والمسيرات عبر البلاد، قامت شرطة شيكاغو بإطلاق النيران على العمال المحتجين، مما أسفر عن مقتل عدد من العمال. في اليوم التالي، استهدفت قنبلة انتقامية رجال الشرطة، فقتلت 8 ضباط وجرحت 67 آخرين. فقامت الشرطة بهجوم مضاد مما أدى لسقوط قتلى بين المحتجين واستمرت الاضطرابات العمالية في ولاية كليفلاند ومع حالة وفاة أخرى، رأى العديد من الأميركيين أن البلاد على شفا حفرة، وخشي البعض من مؤامرة متطرفة مظلمة.

وكانت النتيجة أن خسر كليفلاند ولاية نيويورك، التي أعطته هامش الانتصار قبل أربع سنوات، أحكمت مصيره الآن بعدم الفوز بمدة ثانية.


ولايته الثانية كانت فشلاً واضحاً




1

وبعد بقائه في اللعبة وانتخابه مرة أخرى في عام 1892، وذلك بسبب فشل هاريسون، تعثر كليفلاند بشكل كبير في ولايته الثانية. ففي حين يمكن وصف ولايته الأولى بالنجاح المعتدل، كانت ولايته الثانية فشلاً واضحاً، فقد تميزت بالتباطؤ الاقتصادي المستمر الذي أدى إلى فشل البنوك وإفلاس الشركات وتدمير للقطاع الاقتصادي.

بدا كليفلاند خاملاً في مواجهة الأزمات، وأثبت عدم قدرته على العمل بفاعلية عندما تزايدت الإضرابات العمالية وكانت الجهود الحكومية منصبة على قمع الاحتجاجات.

هناك نوعان من المؤشرات لتقييم الأداء الرئاسي: حكم الناخبين وحكم المؤرخين والأكاديميين في مختلف الاستطلاعات التي تمت عبر السنين الماضية، والتي تهدف إلى ترتيب الرؤساء. كلاهما يقدم تقييماً مثيراً لهذا الرجل القوي غير المميز.

كان الناخبون على حق. فهو كاد يحتفظ بمنصبه في 1888 (فقد فاز في التصويت الشعبي)، وأعطاه الناخبون تقييماً جيداً- على الرغم من عدم كفاءته لإعادة التعيين. لكن في تقييم فترته الثانية، حتى حزبه قال إن عليه أن يرحل، وإن ليس له مكانة لدى الشعب الأميركي.

وتشير استطلاعات الرأي الأكاديمية أن مكانة كليفلاند في التاريخ انخفضت عبر السنوات. فالاستطلاع الأول، والذي أجراه آرثر شليزنجر من جامعة هارفارد في 1947، أظهر أن كليفلاند في المرتبة الثانية.

ربما كانت مكانته عالية لأن المؤرخ آلان نيفينز كتب سيرة ذاتية له بعنوان "جروفر كليفلاند: دراسة في الشجاعة". ومكنه هذا الكتاب من الحصول على جائزة بوليتزر.

في استطلاعات لاحقة، انخفض تقييم كليفلاند ليتقلب بين الحادي عشر والسابع عشر.

يضعه كاتب المقال في المرتبة الثانية والعشرين، في منتصف الطريق بين الأعلى والأدنى. ولكن قد يكون من المفيد –أو على الأقل من المثير للاهتمام- ملاحظة أي الرؤساء انتهى بهم المطاف في المنتصف تحديداً في الاستطلاعات الأكاديمية. في سبعة استطلاعات استخدمها الكاتب لدراسته عن الرئاسة في 2012، كان الرؤساء الذين جاؤوا في المنتصف هم: مارتين فان بيورين (مرتين)، ويليام ماكينلي (مرتين)، جون كوينسي آدامز، بيل كلينتون وويليام هوارد تافت.

يعترض كاتب المقال على هذه النتائج، ويصر على اختيار جروفر كليفلاند للمرتبة الوسطى بين الرؤساء الأميركيين.


الخمسة الأقل تقديراً:



وارن ج. هاردينغ




warren g harding

وارن ج. هاردينغ المسكين. يبدو أن الرئيس التاسع عشر للبلاد لا يحظى بأي احترام من المؤرخين أو المواطنين. ويُنظر له باعتباره موضع سخرية سياسية. فيُحرك الناس أعينهم بازدراء على مشهد ذلك الرجل وهو يحمل في جعبته علاقة استمرت 15 عاماً مع زوجة صديقه المقرب.

ويضحكون خلسة على المشهد الأكثر مدعاة للسخرية لعلاقته داخل البيت الأبيض بفتاة حالمة تُدعى نان بريتون، والتي تصغره بإحدى وثلاثين عاماً. وكانت لقاءاتهما الجنسية تتم في خزانة المعاطف بالبيت الأبيض.

يتلقى هاردينغ النقد اللاذع على فضيحة "قبة إبريق الشاي" الشهيرة التي تورط فيها نائبه العام، ومدير عام البريد والأمن الداخلي، وشخصيات مرتشية جلبت للحكومة مجموعة من قُطّاع الطرق والأوغاد الذين كانوا عازمين على الاستيلاء على أية غنيمة يتمكنون منها.

تسببت أفعالهم التي انكشفت بعد وقت قصير من وفاة هاردينغ، في إفساد البلاد وشكّلت وصمة عار لسمعة المسؤول الغافل الذي عملوا تحت إمرته. ولا يبدو أن عدم ضلوعه بنفسه في أي سلوك فاضح سيُشكل فارقاً.

المُحصلة أن هاردينغ المسكين يُعتبر بشكل عام الرئيس الأسوأ على الإطلاق في التاريخ الأميركي. وفي استطلاعات الرأي الأكاديمية السبعة حول التصنيف الرئاسي التي استخدمتُها كمرجع في كتابي عن هذا الموضوع، بعنوان "أين يقفون"، ظهر هاردينغ بالمرتبة الأخيرة في 6 استطلاعات منهم. وفي السابع، كان الثاني من الأسفل.

مع ذلك، إذا نحّينا جانباً فضيحة "قبة إبريق الشاي"، لم يحدث للبلاد شيء سيئ أثناء فترة إدارته. فهو لم يُورط البلاد في حروب مستعصية، وانتشل البلاد سريعاً من الركود الحاد الذي ورثه عن سلفه في المنصب، وودرو ويلسون. ومن بعدها أشرف على اقتصاد مُزدهر، بما فيه نمو حقيقي للناتج المحلي الإجمالي عام 1922 بنسبة 14% تقريباً، وهو أحد أفضل أعوام التوسع الاقتصادي في تاريخ البلاد.

وتراجعت الاضطرابات المدنية -التي كانت أساسية خلال رئاسة ويلسون- بشكل ملحوظ أثناء فترة حكم هاردينغ.

بعيداً عن الفضائح، وقتها، بدا أن أسوأ شيء يُمكن أن يُقال عنه هو أن الشعب الأميركي انتخبه من أجل إبطال "الويلسونية"، وقد امتثل بإخلاص لهذا التفويض.

لذلك، يمكن القول إن هاردينغ هو واحد من أكثر رؤساء البلاد الذين انتُقص قدرهم. فهناك فجوة كبيرة بين أدائه الفعلي (معتدل، بلا شك، لكن ليس كارثيا) ومكانته في التاريخ وفي الوعي الوطني.

هناك فجوات أخرى مماثلة لصيقة برؤساء آخرين يبدو ترتيبهم في استطلاعات الرأي ومكانتهم في أعين الأميركيين غير متسقة مع ما حققوه بالفعل. نجد هنا، إذاً، تقييماً موضوعياً للغاية لخمسة رؤساء اعتبرهم الكاتب الأكثر انتقاصاً من قدرهم في التراث الأميركي.

ويؤكد الكاتب على الطبيعة غير الموضوعية لهذا التقييم، لأن أي محاولة لإجراء تقييم رئاسي تعني بالضرورة الابتعاد عن العلم الدقيق. ومع ذلك، يظل الأمر ممتعاً وربما حتى مُستحقاً للمجهود، بوصفه ممارسة في التحليل التاريخي.


ويليام ماكينلي




5

أما الرئيس التالي فهو ويليام ماكينلي، الذي وصفه المعلق المُحافظ فريد بارنس بأنه "أكثر رئيس أميركي انتُقص من قدره". يمكن لنا بناء تصور متماسك استناداً إلى تقييم بارنس. ففي استطلاعات المؤرخين، تم تصنيفه بشكل عام بين المرتبة الرابعة عشرة والثامنة عشرة (مع استثناء ظهوره في المرتبة الحادية عشرة في استبيان واحد عام 1982).

لكن بالنظر إلى إنجازاته: فقد نجح في تمرير أغلب تشريعاته ذات الأولوية عبر الكونغرس، بما فيها توقيعه على مشروع قانون فرض تعريفة جمركية عالية في الشهور الأولى لإدارته. وقد أشرف على نمو اقتصادي كبير خلال فترة خدمته لخمس سنوات تقريباً في البيت الأبيض (قبل أن يقتل في عملية اغتيال بالرصاص في سبتمبر/أيلول 1901) كما نجح في إخماد الحراك المطالب باستخدام الفضة في العملة بدلا من الذهب، الذي استشرى في كافة أنحاء البلاد خلال فترة حملته الرئاسية الأولى.

الأهم من ذلك هو النظر للأمر التالي: عندما تم انتخابه في عام 1896، لم تكن أميركا إمبراطورية، رغم تبنيها سياسات توسعية في قارة أميركا الشمالية. في خلال عامين من حُكمه، أصبحت أميركا إمبراطورية، ذات ممتلكات شاسعة تضمنت بورتو ريكو والفلبين وجزيرتي غوام وهاواي وعددا آخر من الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية للأسطول البحري المتنامي للبلاد.

وأصبحت كوبا تحت الوصاية الأميركية. كان كل ذلك نتاجاً للحرب الأميركية الإسبانية، التي دمرت فيها الولايات المتحدة أسطولين بحريين إسبانيين وطردت تلك الدولة المتداعية خارج منطقة الكاريبي وآسيا. أثناء رئاسة ماكينلي، أحرزت أميركا كذلك خطوة هامة تجاه الدخول للأسواق العالمية.

يبدو من الواضح أن رئاسة ماكينلي كانت ذات أهمية حقيقية، ويبدو من الغريب أن تلك الرئاسة لم يأتِ ترتيبها أعلى من ذلك في الاستطلاعات أو أن اسمه لا يتمتع بثقل أكبر من ذلك في الوعي التاريخي للبلاد.


يوليسيس غرانت




5

ثم لدينا يوليسيس غرانت، الرئيس الثامن عشر للبلاد. في أول ستة استبيانات أكاديمية من السبعة المُشار إليها أعلاه، جاء ترتيبه كالتالي: قبل الأخير؛ قبل الأخير؛ الخامس من الأسفل؛ الخامس من الأسفل؛ قبل الأخير؛ السادس من الأسفل؛ وأخيراً الثاني عشر من الأسفل (أو التاسع والعشرون من أصل 40 رئيساً). ومع ذلك، فقد انتخب غرانت مرتين ونال الاحترام من المصوتين طوال حياته.

اتسمت فترة رئاسته الأولى بموجة قوية من النمو الاقتصادي نتجت عن التوسع الصناعي وتطوير طرق السكك الحديدية بصورة هائلة. ليس من المفاجئ أن يُعيد الشعب الأميركي انتخابه عام 1872 بنسبة ضخمة بلغت 55.6% من الأصوات الشعبية وحوالي أربعة أخماس صناديق الاقتراع.

الأكثر من ذلك، حدث وأن تحسّنت مكانته في السنوات الأخيرة بسبب موقفه من إعادة الإعمار عقب الحرب الأهلية. وقد قبل هيمنة الكونغرس على هذه المساحة التشريعية وانضم لمَن يسمون بالجمهوريين الراديكاليين في فرض إجراءات قاسية على الجنوب صُممت لحماية السود المحررين من معاملة البيض المستائين الوحشية.

وحتى وقت قريب، تعرضت رغبة غرانت في التخلي عن سلطته كرئيس للبلاد للانتقاد بشدة باعتبارها زلة سياسية، تلك الانتقادات الحادة وجهها أكاديميون أشادوا بالقيادة الرئاسية القوية. لكن الآن، يذهب كثير من الأكاديميين إلى أنه كان مُحقاً بشأن الجوانب الموضوعية وأنه نفذ السياسيات التي رغب فيها. إلى جانب أنه حقق نجاحاً كبيراً في السياسة الخارجية بتوقيع معاهدة واشنطن، التي صُممت من أجل تسوية الادّعاءات الأميركية الناجمة عن تقديم شركات بناء السفن البريطانية سفناً حربيةً "للولايات الكونفدرالية الأميركية" أثناء الحرب الأهلية.

أُحيلت الادّعاءات إلى مجلس تحكيمي، الذي حكم باعتذار بريطانيا ودفع 15.5 مليون دولار للخزانة الأميركية. وبعيداً عن الحُكم، الذي جاء في صالح الولايات المتحدة بوضوح، أنشأت التسوية سابقة لحل النزاعات الدولية عبر التحكيم وخلقت مناخاً لمستوى جديد من الصداقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا.

لكن غرانت، مثل هاردينغ، لم ينتبه لتآمر مُحصل عائداته الداخلية في مدينة سانت لويس مع سكرتيره الخاص للتهرب من الضرائب المفروضة على معامل التقطير. وكانت نتيجة هذا التلاعب أن الخزانة الأميركية خسرت ملايين الدولارات.
لا تكشف تلك الواقعة عن طريقة مهملة في الإدارة على نحوٍ خطير فحسب، لكن جهود الرئيس لحماية مساعده أثناء المتاعب القانونية كذلك أثارت الكثير من الأسئلة حول حُكمه على الواقعة. بجانب ذلك، عصف ركود اقتصادي حاد بفترة رئاسة غرانت الثانية.

وإجمالاً، كان الأداء متقلباً خلال السنوات الثماني. لكن يبدو أن هناك إنجازاً كافياً يبرر وجوده في مرتبة أفضل مما تلقاه عبر العقود الماضية. وكما كتب شون ويلينتز، البروفيسور بجامعة برينستون "رغم أن كثيراً من العامة وحتى بعض المؤرخين لم يسمعوا عن تلك الأنباء، إلا أن عملية تبرئة يوليسيس غرانت تجري على قدمٍ وساق. وأتوقع أن يعود غرانت للمكانة التي يستحقها في القريب العاجل...".


كالفين كوليدج




5

يجب علينا ألا نستبعد من هذه القائمة كالفين كوليدج، الذي كانت فترة رئاسته حافلة بالسلام والازدهار والاستقرار الداخلي لمدة ست سنوات، وذلك بعد وراثته للرئاسة عقب وفاة هاردينغ. كما أنه نجح في التعامل بشكل فعال وناجح مع الفضيحة التي تركها له هاردينغ.

لذا فليس من الغريب أن ينجح كوليدج في انتخابات عام 1924 بفضل مجهوده وقدرته، وبنجاحه هذا ضَمِن للحزب الجمهوري الاحتفاظ برئاسة البيت الأبيض عندما ترشح للمنصب هربرت هوفر خلفاً له عام 1928. كان الناخبون سعداء بأداء كوليدج، وبغض النظر عن إخلاصه الهادئ الصارم لمحدودية صلاحيات الحكومة.

هذه السلبية الحكومية ساهمت بدون شك في خفض تصنيفه في الاستطلاع الأكاديمي حول الرئاسة، ذلك لأن أغلب الأكاديميين يميلون إلى كونهم ليبراليين، وبالأخص فيما يتعلق بمسألة النشاط الرئاسي. وفي الاستطلاعات السبعة التي ذكرتها حصل كوليدج على تصنيف متوسط إذ حل بالمرتبة 26.

لكن رونالد ريجان لم يُقلل أبداً من مكانة كوليدج في تقييمه للرؤساء. وذلك لأن ريجان أحبه بشدة لدرجة أنه قام بوضع صورة له على جدار قاعة اجتماعات الحكومة بالبيت الأبيض. بالنسبة لريجان لم يكن الأمر متعلقًا بالنمط الرئاسي، لكن بالأداء. وريجان يعتبر كوليدج نموذجاً للرئيس الذي أدّى بشكلٍ جيد.

وقد جادل البعض بأن سياسات كوليدج الاقتصادية المتعلقة بتعزيز ودعم الاستثمارات الضخمة للشركات، أدت في النهاية إلى حالة من تخطي وتجاوز القدرة الشرائية للمستهلكين، وارتفاع لا يمكن تحمله في سوق الأسهم، أدّى إلى الإخلال بتوازن الاقتصاد الوطني قاد البلاد حتمياً إلى الكساد الكبير.

ولكن الحُجة التي تدعي تحمل كوليدج المسؤولية عن هذه الكارثة، هي حجة نظرية أكثر من كونها واقعية ومثبتة، ولهذه الأسباب بدا كوليدج كرئيس جرى التقليل من مكانته.


عن تحيز الأكاديميين


جدير بالذكر هنا أنه ليس بالضرورة أن يبقى بعض الرؤساء الذين تم التقليل من مكانتهم في هذا الوضع دائماً. عندما قام الأكاديميون بتقييم دوايت آيزنهاور عقب فترة رئاسته لثمانِي سنوات، وضعوه في المرتبة 22 على قائمة بأسماء 31 رئيساً.

ويبدو واضحاً أن هذا التقييم هو نتيجة لتحيز الأكاديميين ضد الرؤساء الذين لا يتبعون أسلوباً صارماً في الإدارة والحكم على طريقة فرانكلين روزفلت أو وودرو ويلسون. وكان تعليق المؤرخ كلينتون روسيتور نموذجاً لما ذكرنا؛ إذ قال "أخشى أن يذكر باعتباره رئيساً يهاب المغامرة، حكم لفترة رئاسية واحدة وهو ما يعتبر وقتاً كبيراً في زمن المغامرات الجديد".

ولكن في الاستطلاعات اللاحقة ارتفع ترتيب آيزنهاور على نحو مطرد، حتى تراوح ترتيبه بين السابع والثامن. وهذه الاستطلاعات المذكورة، رافقتها دراسات جديدة عن نمط حكمه وإدارته، كشفت أن ما كان يُعتبر سلبية واضحة، كان يُخفي وراءه تصميماً وعزماً ساعده على تحقيق وإنجاز أجندته التي سعى إليها.

فيما بعد بدا أن نفس الشيء يحدث مع الرئيس ريجان أيضاً. في عام 1996، أجرى آرثر شليزنجر استطلاعاً لمجلة نيويورك تايمز، حصل فيه ريجان على الترتيب 25 بين الرؤساء. وهذا الترتيب وضع ريجان في تصنيف أعلى من تشستر آرثر، القائم بأعمال الرئيس عقب اغتيال جيمس جارفيلد، وأسفل رؤساء متوسطين مثل جورج هربرت ووكر بوش وروثرفورد هايز، بالإضافة إلى مارتن فان بورين وبنجامين هاريسون، وجروفر كليفلاند.

وهذا الترتيب لا يُمكن تفسيره (إلا بأنه تحيّز ليبرالي) بالنسبة للرئيس الذي حول مجرى النقاش حول الاقتصاد في الولايات المتحدة، وقاد البلاد إلى نمو اقتصادي ضخم (عندما نجح في إخراج البلاد من ركودٍ هدف إلى إيقاف دورة التضخم الذي هدد بخروج الاقتصاد الوطني عن السيطرة). هو الرئيس الذي كبح جماح الشبح الغامض المُسمى بـ"الركود التضخمي"، وتمكن من خفض معدلات البطالة إلى أقل مستوى تحقق في خلال 14 عاماً، كما أنه من وضع السياسات والاستراتيجيات التي أدت إلى انتصار الغرب على الاتحاد السوفيتي الشيوعي.

كما كان هذا التحيز الليبرالي واضحاً في أحد الاستطلاعات الموسعة التي قام بها فريق مكون من روبرت موراي وتيم بليسينج من عام 1988 إلى 1990. وضعت النتائج ريجان في فئة دون المتوسط، بين زاكاري تايلور وجون تايلر، اثنين من الرؤساء الذين كانت إنجازاتهم متواضعة في أحسن حال. الكراهية الليبرالية ضد ريجان كانت تقطر من تعليقات هؤلاء الأكاديميين.

وإن كانت هذه الاستطلاعات قد أثرت بشكلٍ كبير على الرأي الشعبي في ريجان، فربّما كانت ستجعله من أكثر الرؤساء الذين حصلوا على تقييمات غير مستحقة. لكن النظرة الشعبية للرئيس السابق ريجان أفضل بكثير من التقييم الأكاديمي، لذا فإن مكانة ريجان تتحسن حتى بين هؤلاء الأكاديميين أحياناً.

في آخر استطلاعٍ للرأي، أجرته صحيفة وول ستريت جورنال (والذي سعى لتحقيق التوازن في قاعدة المشاركين، لذا ضم أعداداً متساوية من الليبراليين والمحافظين والمعتدلين)، ارتفع ريجان حتى وصل للمركز السادس. كما أن استطلاعات الناخبين أيضاً وضعت ريجان في تصنيف متقدم.

ومع ذلك، فإن مكانة ريجان في التاريخ وفي الوعي الشعبي لمواطني الولايات المتحدة الأميركية، لم تصل إلى مكانها الطبيعى حتى الآن. وعندما يحدث ذلك، سنجد ريجان بالتأكيد في مكانة أعلى بكثير من تلك التي حصل عليها في الاستطلاعات الأكاديمية الأولى، التي ما زالت تؤثر على مكانته بالسلب.

وكما هو الحال مع آيزنهاور، الذي ارتفع كثيراً عن الترتيب الذي بدأ به، سيستقر ريجان إلى جانب هؤلاء الرؤساء الذين لم يصنفوا من بين أعظم من شغلوا هذا المنصب (مثل لينكولن واشنطن وفرانكلين روزفلت)، إلا أن مكانته ستبقى مع ذلك أعلى من الفئة العليا بالتصنيف المتوسط.

وهكذا فمن المرجح أن تكون مكانة ريجان على مقربة من العظماء. وإلى أن يصل إلى هذا التصنيف الأخير استناداً إلى أساس ثابت، وبسبب استطلاعات الرأي المبكرة التي أثرت على ترتيبه، يمكننا أن نضعه بين الرؤساء الذين تم التقليل منهم.

- هذا المقال مترجم عن مجلة ناشيونال إنترست National Interest. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.