أول مجلة "برايل" رسميَّة بمصر.. الكفيف يبصر "الأخبار"

تم النشر: تم التحديث:
BRAILLE
صورة تعبيرية | Ilya Naymushin / Reuters

في غضون نحو شهر يتمكَّن المكفوفون في مصر من اقتناء مجلة شهرية من باعة الصحف، في أول تجربة رسمية لصحافة مكتوبة بلغة "برايل".

ووافق المجلس الأعلى للصحافة بمصر (هيئة مستقلة معنية بإدارة شؤون الصحافة)، على ترخيص إصدار مجلة "الأخبار برايل"، وهي أول مطبوعة رسمية تصدر للمكفوفين في البلاد والشرق الأوسط.

ويرأس تحرير المجلة الصحفي المصري أحمد المراغي، وفق ما أعلنته صحيفة "أخبار اليوم" (مملوكة للدولة)، الاثنين الماضي، في بيان لها.

المراغي ليس كفيفاً، غير أنّ بعض أصدقائه ممن يعانون إعاقة بصرية، أثاروا لديه بثقافتهم، منذ سنوات، شغفاً لتمكين المكفوفين من الاندماج في المجتمع أكثر، من أجل الاستفادة من قدراتهم وثقافتهم.

في حديث عبر الهاتف مع الأناضول، يسترجع المراغي تجربته لإتمام صحافة "برايل" للمكفوفين، قائلاً: "في عام 2008 بدأت الفكرة بمحاولة لإصدار خاص للمكفوفين، ولم تستمر لظروف متعلقة بالتمويل المالي".

ويضيف: "حاولت بعدها مع أكثر من مؤسسة صحفية حكومية وخاصة، حتى استجاب رئيس مجلس (إدارة مؤسسة) أخبار اليوم، ياسر رزق، للمقترح وتبناه وتمت الموافقة عليه من المجلس الأعلى للصحافة منذ أيام، رغم صعوبات الحصول على ترخيص لصحف حالياً".



"الأخبار برايل"

وطريقة "برايل" هي نظام كتابة أبجدي ابتكره الفرنسي لويس بريل، ليستطيع المكفوفون القراءة، كل حسب لغته، حيث يجعل الحروف رموزاً بارزة على الورق؛ مما يسمح بالقراءة عن طريق حاسة اللمس، وقد صدر أول منشور بهذه الطريقة عام 1837.

ويشير المراغي إلى أنه "سيتم إصدار مجلة شهرية بعنوان "الأخبار برايل"، بهيكل إداري ومالي وتسويقي مستقل، بمشاركة متدربين مكفوفين وصلوا إلى ثمانية أشخاص، وخاضوا فترة تدريب جيدة في العمل الصحفي حتى أصبحوا مؤهلين لهذا الأمر".

وتوقع أن "تصدر المجلة منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الجاري أو مطلع ديسمبر/كانون الأول المقبل على أقصى تقدير، في محتوى يضم 60 صفحة، لتكون أول مطبوعة رسمية تصدر للمكفوفين في مصر والشرق الأوسط"، معرباً عن أمله أن "تصل المجلة إلى العالمية، وتصبح محل اهتمام من العالم".

وبثقة، يتابع الرجل بقوله إن "ورق المجلة سيراه المبصر أبيض خالياً من كلمات، باسثناء ثقوب، لكن الكفيف سيراه على أنه حياته ونقطة تواصل مهمة لجيله، وقد يحتاج الأول بعد ذلك لكفيف ليساعده على ترجمة المكتوب بلغة برايل".

ويعتبر أن تبني الصحافة لهذه الطريقة لمساعدة المكفوفين على الاندماج في الحياة، يجب أن تتبعه تجارب مماثلة في مجالات أخرى، منها صناعة الدواء والتعريف بالعلاج عبر "برايل".

ولفت إلى أن إحصائية لمنظمة الصحة العالمية عام 1999 أفادت بأن عدد مكفوفي مصر يبلغ بنحو 1.6 مليون شخص.

ولا توجد أرقام رسمية عن أعداد المكفوفين في مصر، غير أن منظمات غير حكومية تقول إنهم أكثر من مليوني شخص من إجمالي عدد السكان البالغ أكثر من 90 مليون.

ويذكّر المراغي، أنه اشتهر في مصر بشدة كفيفان، هما: عميد الأدب العربي، طه حسين (وزير مصري 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1889 - 28 أكتوبر/تشرين أول 1973) ، والموسيقار عمار الشريعي (16 أبريل/نيسان 1948- 7 ديسمبر/كانون الأول 2012)، متوقعاً أن تكرّر بلاده مثل هذه "النماذج الفريدة عبر الاهتمام بقدرات ذوي الإعاقات البصرية".

"سعيد بهذا التوجه وسيكون له مستقبل"، بهذه الكلمات يتحدث إبراهيم عمارة، أكاديمي كفيف، ويُدرس الصحافة في جامعة طنطا (دلتا النيل/شمال)، عن إنتاج صحافة بشكل حقيقي للمكفوفين للمرة الأولى في مصر والشرق الأوسط.

عمارة، أحد أعمدة الإصدار الصحفي المقبل (الأخبار برايل)، ومدرب للمكفوفين على فن الصحافة، يسترجع في حديث مع الأناضول، تجارب سابقة في هذا المجال الصحفي، قائلاً: "في عام 1955 أصدر المركز النموذجي لرعاية المكفوفين بالقاهرة إصداري المصباح ودنيا الأطفال "كمجلتين شهريتين توزعان على المكفوفين، لكنّ أي منهما لم تستمر لمشاكل متعلقة بالتمويل".

ويضيف عمارة، وهو حاصل على درجة الماجستير في دراسة صحافة المكفوفين: "في عام 2000 اتجه مركز النور الحقيقي (غير حكومي) في المنيا (وسط البلاد) لتكرار التجربة الصحفية، تحت عنوان "النور والحياة"، وفي 2008 ظهرت محاولات أخرى من جهات عديدة، مثل مؤسسة وطني (غير حكومية)، التي أصدرت مجلة وطني برايل، ثم تجربة الصحفي أحمد المراغي في مجلة انفراد، وجميع هذه الإصدارات بطريقة برايل".



تجارب سابقة

كما ظهرت في هذا التوقيت، وفق عمارة، "مجلة سعودية اسمها الفجر وكانت توزع 10 آلاف نسخة لمكفوفي الوطن العربي بدون مقابل، لكن لم يكتب لهذه المحاولات فرصة الاستمرار والانتظام والانتشار".

وفي تقييمه للتجارب السابقة، يعتبر الأكاديمي المصري أنها "كانت محاولات في مصر لا نستطيع أن نطلق عليها صحافة.. كانت نقلاً عن مواقع إلكترونية وصحف، دون شكل إخراجي، وكانت زوايا ونشرات دورية وعمل هواة ومتطوعين وتفتقر إلى الفنون الصحفية المعتادة".

ويرى عمارة أن "فكرة الأخبار برايل التي تنتجها مؤسسة أخبار اليوم، هي أول محاولة لإنتاج صحافة حقيقية للمكفوفين، لتكون أول مطبوعة قومية تصدر للمكفوفين في مصر والشرق الأوسط".
ويوضح أن الإصدار الصحفي "الأخبار برايل" هو "مطبوعة شهرية تمثل خصوصية وتصنع حالة قريبة للغاية من المكفوفين، ونافذة تطل على ذوي الإعاقة البصرية في كافة المجالات، في ظل غياب واقعي لهم.. هي فكرة لإدماج عناصر منهم في المجتمع الصحفي".

ويتوقع أن "يكون لهذه المطبوعة عدد كبير من القراء المكفوفين، وأن تصدر نسخة أجنبية وأخرى عربية توزع في الوطن العربي والغربي"، مستبعداً "انحسارها".

وحول هذه التجربة الأولى، يقول رئيس مجلس إدارة مؤسسة "أخبار اليوم"، الكاتب الصحفي ياسر رزق: "اتخذنا قراراً بصدور الأخبار برايل كأول إصدار قومي في تاريخ الصحافة ينشر بهذه الطريقة".

ووفق رزق، يحرر المجلة "كتيبة من ذوي الإعاقة البصرية يتم تدريبهم في المؤسسة، على أن يتم تقديم نخبة متميزة منهم إلى سوق العمل الصحفي، وفرض أسمائهم كباقي الزملاء على جميع الإصدارات التي من المؤكد أنها سترحب بهم".

ودعا في بيان للمؤسسة، المؤسسات الرسمية ومؤسسات العمل المدني إلى "المشاركة في تحقيق هذا الحلم الذي سيكون بمثابة نقلة نوعية هائلة وتاريخية في علاقة الإعلام بمجتمع الإعاقة".

وفي 4 يناير/كانون الثاني من كل عام، يحتفي العاملون في مجال الإعاقة البصرية باليوم العالمي لطريقة "برايل" للقراءة والكتابة.

وتقدر منظمة الصحة العالمية، في إحصائية صدرت عام 2010، عدد المعاقين بصرياً في العالم بنحو 285 مليون نسمة، وهم: 246 مليون نسمة مصابون بضعف البصر، و39 مليوناً مصابون بالعمى.