ماذا قال الغلابة فى مصر عن ثورتهم؟.. هذه أصعب سنوات حياتنا ولهذه الأسباب لا نشارك في المظاهرات

تم النشر: تم التحديث:
TAHRIR SQUARE EGYPT
ميدان التحرير | KHALED DESOUKI via Getty Images

عندما دقت ساعتهم كانوا بعيداً عن الميادين، بعيداً عن كاميرات الفضائيات التي تنتظر خروج الغلابة للشكوى، لتثبت أنها ثورة جديدة، وتلك التي توقن أنهم لن يأتوا، لأن الغلابة في مصر سعداء الآن.

نهار الجمعة 11 نوفمبر/تشرين الثاني، الموعد الذي حدده نداء من قوى سياسية غير محددة لخروج الغلابة، ذهب "هافينغتون بوست عربي" إليهم في سوقهم، سوق الجمعة بحي إمبابة، شمال مدينة الجيزة، حيث يعملون من الصباح إلى الساعات الأخيرة في النهار، لكسب القليل من المال ولقمة العيش، والكرامة قبل كل شيء.

أغلب البضاعة في سوق الجمعة بإمبابة مستعملة، وبها كل مستلزمات المنزل من الملابس بكافة أنواعها للأجهزة الكهربائية، وحتى أدوات الطهي، وقطع الأثاث المنزلي، ولعب الأطفال، بائعو السوق ورواده من الشريحة التي لا يتجاوز دخلها 2 دولار يومياً، أو ما يطلق عليهم "الغلابة".

ومع دعوات تظاهرات الغلابة في مصر،كانت هذه الجولة المصورة بالسوق.


الأستاذة أمل: تلقيت كل الطوب في موقعة الجمل على دماغي


"يوم الجمعة ببيع في السوق وباقي الإسبوع بشتغل شغلانة عظيمة: ألم بلاستيك من الزبالة وأبيعه، شوفتي الـ country بتاعتنا جميلة إزاي مطلعانا في السماء".

أمل، 43 عاماً، قالتها بضحكة حملت معها مرارة كادت أن تسقط دموعها، وهي تجلس أمام مجموعة من الملابس المستعملة في سوق الجمعة.

تتراوح أسعار بضاعتها ما بين عشرين جنيهاً وثلاث جنيهات، وعلى الرغم من أن أغلى قطعة لديها لا يتجاوز سعرها دولاراً واحداً إلا أن سماع السعر كان كفيلاً برسم علامات من الغضب على وجوه الزبائن، في صباح الجمعة، الموعد المحدد لثورة الغلابة.

alghlabh

خريجة السياحة والفنادق التي تتحدث الإنكليزية بشكل مقبول لم تجد لها وظيفة بعد رفضها العمل في الفنادق بعد تخرجها عام 1993 خوفاً من تحمل ذنب التعامل مع الخمور.

الأستاذة أمل كما يطلق عليها الباعة من زملائها في سوق الجمعة تقول "الطبيعي يوم السوق متعرفيش تمشي من الزحمة سواء بياعين أو زباين بس النهارده الناس خايفة" ، بهذا بررت قلة عدد المتواجدين في السوق، معتبرة أن سبب كونهم "غلابة" هو لأنهم يعيشون "جنب الحيط" لا يحاولون الحصول على حقوقهم أو رفض الظلم، موضحة أنها لم تترك مظاهرة حتى من قبل ثورة 25 يناير 2011 إلا وشاركت فيها، هذا إلى جانب قضائها 18 يوماً في التحرير.

وضحكت قائلة "أخذت كل طوب موقعة الجمل فوق دماغي".

وأضافت أنها لا تخشى إلا الله فالأعمار بيده، والسكوت على الظلم هو ما سيسألنا عنه الله تعالى، لكن زوجها يخشى النزول رغم أنه "عاطل بالوراثة"، على حد تعبيرها فمنذ 6 سنوات بعد أن ترك وظيفته وهو يبحث عن عمل ولا يجد، وقالت "هو حر بس أنا مش بخاف".

أمل التي تعيش فى شقة غرفة واحدة إيجار قديم بـ15 جنيهاً (حوالي دولار واحد)، قالت إن أصعب سنة مرت عليهم هي هذه السنة بعد الغلاء، وصعوبة شراء حتى الملابس المستعملة، فهي تبيع في الشارع منذ 30 سنة، وقت أن كان عمرها 13 عاماً كانت تجلس بجوار أخيها الذي كان يفترش الرصيف ببعض الأشياء المستعملة.


علاء: الذين يفهمون أكثر مني سيأتون بحقوقي


"في 1993 كنت سهران مع أصدقائي وأذّن الفجر دخلنا نصلي، لسوء حظنا في مسجد كان تابعاً لشباب إحدى الجماعات الدينية. هجم على المسجد رجال أمن الدولة، وألقوني في المعتقل 12 سنة. خرجت في 2005 دون أي تهمة إلا الحظ السيئ".

alghlabh

تلك الواقعة قطعت علاقة علاء محمود بأي أحداث أو مظاهرات في البلاد، يشكو من الغلاء ويدعو الله أن يوفق المعترضين والمتظاهرين ولكنه لن يشاركهم قائلاً "أنا بقى في رقبتي 4 عيال بشتغل وكمان بآخد مساعدات علشان أعيش أنا وعيالي".

علاء قال إنه يشتري بضاعته من الجمعيات الخيرية الصغيرة لأنه لا يستطيع الشراء من جمعية مثل "رسالة" -من أكبر الجمعيات الخيرية فى مصر- ويذهب لثلاث أسواق أسبوعياً، وتساعده طفلته الكبرى هدى.

على الرصيف المواجه لوالدها جلست هدى، زهرة تتفتح، تعلو وجهها ابتسامة ملائكية، يسألها المارة عن أسعار البضاعة التي أمامها ويحملون ما يشاؤون ثم يذهبون لوالدها للحساب.

alghlabh

هدى ذات الـ11 عاماً في الصف الخامس الابتدائي، يكتسي وجهها بالخجل أمام الغرباء، وتجيب على كل الأسئلة بعبارة واحدة: مش عارفة.

"أي حاجة بجنيه".. عبارة يرددها محمد هارون أمام القطع التي تتجاوز الـ10 بقليل من ملابس أطفال وكبار.

قال أنه علم بمظاهرات ظهر الجمعة ولكنه لن يخرج فهو لديه أطفال يسهر على رزقهم، أما المظاهرات فيستطيع من "يفهموا عنه" -على حد وصفه- أن يأتوا له بحقه.

alghlabh

محمد قال أنه يكسب يومياً ما بين 30 - 50 جنيهاً (ما يقرب من 3 دولارات)، ولديه 3 أطفال أخرج 2 منهم من التعليم لأنه لم يستطع الإنفاق عليهم وتركهم "بيجيبوا أكلهم"، أما ابنه الصغير فمازال في المرحلة الابتدائية.

أثناء الحديث قاطعتنا سيدة سألت عن سعر قطعة ملابس لابنها، ورد محمد: بـجنيه، لكن شوفي شكلها بعد أول غسلة.

يضيف أخيراً أن زوجته أيضاً تعمل فى إحدى المستشفيات كعاملة نظافة "للمساعدة في مصاريف الحياة التي لم نعد نقوى عليها".


أم ياسمين: الرئيس لا ينام من المشاكل والهموم


"اجرِ يا عبد وأنا أعينك، ونام يا عبد وأنا أهينك".. قالتها أم ياسمين، صعيدية تخطت العقد الخامس من عمرها عن المظاهرات والغلاء، رافضة الخروج في مظاهرات إذا كانت تستطيع بيع الجرجير في الشارع وإطعام بناتها الفول قائلة "مش لازم لحمة ولا حتى فراخ"، وتابعت ذلك أفضل من أن تصيبني رصاصة ويصبح أولادي يتامى.

أم ياسمين زوجها تخطى الـ65، ويحصل على معاش من الدولة 300 جنيه كما قال لها ولا تعلم إذا كان ذلك هو كل معاشه فقط أم لا؟.

وأضافت إنه كان يعمل "أرزقي"- يعمل بأجر يومي في أي عمل يدوي- والآن اضطرت للبيع خاصة أن لديها ابنتين إحداهما في الصف الثالث الثانوي والأخرى في الثاني الإعدادي.

"نعيش بمساعدات فاعلي الخير، حتى السكن هدية من رجل صالح يرفض أن يتقاضى أي إيجار". وتابعت أنها تعرف أن "الرئيس لا ينام من الهموم والمشاكل التي وراءه، ربنا يحقق الفرج من عنده ويزيح هذا الغلاء".


رأفت: فيما عدا ذلك نعيش على الفول والبطاطس


"طول الشهر ده ما نزلتش من البيت غير 5 مرات بسبب السكر"، هكذا قال رأفت سيد، أب لـ6 أطفال ويدفع إيجار بيته 380 جنيهاً، فمن أين سيأتي بأموال لإطعام أطفاله إذا جلس في المنزل؟

هكذا تساءل رأفت بائع عرق السوس، 38 عاماً، وهو يحكي كيف كان يبحث عن السكر بأي ثمن حتى أنه اشتراه أمس بـ16 جنيهاً للكيلو.

"الدولة حددت ثمن السكر بـ7 جنيهات، ولو وجدته بـ20 سأشتريه لكي لا يضيع عليّ يوم السوق".

alghlabh

رغم ارتفاع سعر السكر لم يرفع رأفت سعر العرقسوس والتمر، الكوب بجنيه واحد، و"لو الكوباية بقت بـ2 جنيه الزبون هيتشري مرة واحدة ومش هيجيلي تاني".

رأفت جاء من سوهاج قبل 16 عاماً، لم يكمل تعليمه فقد خرج من الصف الأول الثانوي، ولا يستطيع أن يطعم أطفاله اللحم، "زمان كنا بنشتري اللحم المجمد الكيلو بـ19 جنيه دلوقتى بقى 59 ولحمة الجزار بـ100 جنيه، ولكن في الصيف لم يكون فيه شغل نشتري فراخ، فيما عدا ذلك نعيش على الفول والبطاطس".

رأفت سمع عن مظاهرات "جمعة الغلابة" ولكنه قرر عدم المشاركة، "أنا راجل بامشي جنب الحيط وبقول ربنا يسترها عليا وعلى عيالي"، ولكنه تمنى أن تنجح المظاهرات في تغيير الأوضاع، لأنه "كل يوم الأسعار تغلى".


أبو دعاء: مع الجيش والشرطة ضد كل الغلابة


أبو دعاء أكد أنه بعد بيع البضاعة الخاصة به سيتوجه لميدان التحرير في ساعة مظاهرات الغلابة، ليس للمشاركة، وإنما "للوقوف بجانب الجيش والشرطة وتسليم أي متجاوز أو إخواني لهم".

أبو دعاء، 64 عاماً، أغلق ورشة صناعة السبح التي كان يمتلكها منذ عام ونصف بعد انهيار السياحة في مصر، ولديه أربعة أبناء أخرجهم جميعاً من التعليم لعدم قدرته على الإنفاق عليهم، ولكي يساعدوا في الإنفاق على أنفسهم.

alghlabh

لم يفوت مظاهرة خرجت منذ يناير إلا وشارك فيها للوقوف مع الجيش والشرطة، فهو شارك في حرب 1973 ويرى أن حماية الجيش فرض واجب على كل أفراد الشعب.

أبو دعاء اشتكى من عدم قدرته على صرف معاش من الدولة لأنه لم يبلغ الـ65 عاماً، رغم "وعد السيسي"، يرى أن أزمة البلد تكمن في "الشباب الصغير" وما أسماهم بـ"عيال يناير" لأنهم لا يعرفون قيمة الجيش.

يفترش قضبان القطار أمام مجموعة من السبح، ويشكو من عدم قدرته على تلبية احتياجات عائلته رغم عمل أبنائه، ويستعد لإنهاء عمله قبل الموعد، لمساعدة الشرطة في يوم الغلابة، ضد أي تجاوز من زملائه الغلابة في هذا البلد.