"ثورة الغلابة" بين التحرير والهرم والمهندسين.. قليلٌ من المتظاهرين وكثيرٌ من رجال الأمن وعلامات الاستفهام!

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
القاهرة | Anadolu Agency via Getty Images

في تمام الساعة 11 من صباح يوم الجمعة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ومن أمام منزله بمنطقة الهرم، انطلق الشاب محمد يوسف في جولة عبر بعض شوارع العاصمة القاهرة، ليتعرَّف بنفسه على نتيجة الدعوة إلى "ثورة الغلابة" ويشاهدها بعينيه، وليس عبر شاشات الإعلام المنحاز إلى الجانبين، ومجالس التوك شو.

محمد يقترب من نهاية العقد الثالث من العمر، ويعمل محاسباً في إحدى الشركات الحكومية، سمع عن الدعوة للتظاهر بعد ظهر الجمعة 11 نوفمبر/تشرين الثاني، دون أن يعرف صاحباً لهذه الدعوة، أو جهةً تقف وراءها، فقرر أن يكون شاهد عيان عليها، بصحبة جاره وصديقه أحمد.

الدعوة لم تحدد أماكن للتظاهر، أو على الأقل نقاط انطلاق، لذلك قال محمد لرفيقه في الرحلة "خلينا نلف على الميادين المشهورة للتظاهر، فنحن في الهرم وممكن نذهب إلى مسجد الاستقامة الذي يتوسط ميدان الجيزة، ثم ننطلق مباشرة إلى ميدان التحرير الشهير ثم نشوف أين التجمعات".

وأثناء السير، ذكر محمد لجاره أسباب رغبته في المشاركة بتلك المظاهرات، خصوصاً بعد أن ضاق به الحال كثيراً منذ بداية موجة ارتفاع الأسعار في يونيو/حزيران 2016 من غلاء فواتير الكهرباء والمياه والغاز، ثم زيادة أسعار السلع الأساسية، ومصاريف مدارس أولاده في المدرسة التجريبية الحكومية القريبة من الحي القاطنين به، والتي زادت بنسبة تخطت 400%، ثم موجة غلاء تطبيق قانون الضريبة المضافة في بطاقات الشحن والعديد من المنتجات ثم جاءت الضربة الصعبة في تعويم الجنيه وغلاء البنزين، خاتماً حديثه قائلاً "ميعاد 11/11 ده في وقته علشان نعبر عن الغضب ومرتبي الـ3500 أصبح لا يكفيني لنهاية الشهر".


القاهرة.. عاصمة الأمن


وعلى عكس عادتها، كانت شوارع القاهرة شبه خالية، ومع دخول شارع الهرم الشهير القريب من السكن، لاحظ محمد أن السيارات المارة كانت قليلةً جداً، وعلى مدار الشارع البالغ 11 كيلومتراً، كان هناك 3 نقاط لقوة أمنية مكونة من 3 سيارات ومجموعة من العساكر، فيما كان المشهد البارز هو سيارات نصف النقل التي كانت تقف على ناصية مدخل الشارع الفرعي الرئيسية التي تعد مدخلاً لأحياء الهرم المزدحمة.

ومع تتبع خطوات تلك التجمعات من رجال الأمن التي كانت كثيفة، قاطعهم صوت آذان الظهر ليعلن عن بدء صلاة الجمعة، وقرب موعد خروج الحشود المتوقعة من الجوامع وفقاً للدعوات، ليتجه محمد ورفيقه إلى مسجد الاستقامة، الذي انطلق منه د. محمد البرادعي في "جمعة الغضب" في 28 يناير/كانون الأول 2011، حيث كان يشغل حينها قيادة الجمعية الوطنية للتغيير أحد الكيانات التي مهدت لـ "ثورة 25 يناير".


تشيكلات أمنية قليلة.. و”إشاعة” غلق الميادين


ومع عودة ذكريات مشاركتهما في أحداث "ثورة 25 يناير" أثناء الوقوف بالسيارة أعلى كوبري الجيزة المطل على مئذنة الجامع الشهير، قاطعهم بشكل مفاجئ صوت جهوري خرج من سيارة ملاكي فارهة يقول "إنتو بتعملوا إيه هنا (ماذا تفعلون هنا)"، ليظهر رجل ضخم الجثة لا يمكن أن يختلف اثنان من المصريين على أنه من رجال الأمن المصري.

بدأ رفيق محمد يرتعش قليلاً، ولم يهدأ إلا عندما تحدث محمد قائلاً "أنا بشوف الدنيا أخبارها إيه"، فرد عليه رجل الأمن "كله كويس يلا اتحرك من هنا أحسن لك".

وبنظرة خاطفة على فيسبوك، لاحظ محمد أخباراً تتحدث عن أن الميادين مغلقة قبل الصلاة، ليقرر التوجه سريعاً نحو ميدان التحرير والعودة إلى المسجد قبل نهاية الصلاة، ليتأكد له بالفعل أن تلك الأخبار كانت مجرد إشاعات، نفتها الحقيقية داخل الميدان الشهير، حيث تواجدت قوات تأمين مداخل الميدان دون أي تعطيل لحركة المرور الضعيفة.

محمد تمكن من رصد 20 مركبة شرطية مع عناصر أمن مركزي هم إجمالي المتواجدين بميدان التحرير.


الشعب محتاج يتقي ربنا.. وترقب ما قبل الانطلاق


عاد محمد ورفيقه إلى ميدان الجيزة مع بداية الجزء الثاني من خطبة الجمعة، ليقررا الصلاة في مسجد يجاور حديقة حيوان الجيزة، الموجود بشارع الجامعة الشهير، والذي يبعد عن مسجد الاستقامة ب ـ300 متر فقط.

حديث الخطيب كان يدور حول استقرار مصر وحالها الجيد، "الشعب ده محتاج يتقي ربنا في مصر علشان ينصلح حاله"، وهي كلمات أعادت للأذهان مخاوف المراقبين من خطورة الخطبة الموحدة وتأثيرها في تسييس الخطب.



egypt

ومع انتهاء الصلاة، والترقب لتكرار مشاهد إطلاق المياه على المتظاهرين الذي حدث في "جمعة الغضب" في العام 2011، جاء الصوت المميز لسيارات الأمن القادمة من ناحية جامعة القاهرة في اتجاه مسجد الاستقامة، ليسرع الرفيقان لمراقبة الموقف، ليفاجآ بعدم وجود متظاهرين حتى ظنا أن الصلاة في مسجد الاستقامة لم تنته بعد.

لكن المحيطين أكدوا لهم أن الصلاة انتهت، وأنه لم يحدث شيء، وكان إسراع سيارات الشرطة نتيجة تواجد كاميرات الفضائيات المصرية أمام المسجد التي تنقل أخبارها تحت شعار "الأمن مستتب".


ناهيا والكونيسة و"ضواحي الإخوان"


وبصوت تملأه اللهفة طلب محمد من رفيقه الإسراع نحو هواتفهم المحمولة في السيارة لمعرفة سير المظاهرات وتوجهها عبر الشبكات الاجتماعية، لتأتي أخبار عن انطلاق مظاهرات في مناطق ناهيا والكونيسة، مع مظاهرات قرى في الشرقية وعدد آخر من مظاهرات قرى الريف.

ولاحظ محمد وصول رسالة من صديق صحافي تخبره أن "ضواحي الإخوان فقط هي التي حدثت بها المظاهرات"، وهي الأماكن المعتاد خروج الإخوان بها كل جمعة مع التضييقات الأمنية الشديدة على المظاهرات عقب الإطاحة بحكم الرئيس محمد مرسي.





وأفادت الأخبار الواصلة إلى محمد بقيام قوات الأمن بفض مسيرة من عشرات المتظاهرين خرجت في منطقة الطالبية - الهرم، وأنه تم إلقاء القبض على بعض المتظاهرين، ومطاردة الباقين في الشوارع الجانبية، وسط مشاهد كر وفر معتادة في تلك المناطق مع مظاهرات الإخوان المعتادة.

وجاء أيضاً لمحمد خبر يفيد بالقبض على المصور الصحافي عبد الرحمن طاهر، الذي يعمل بموقع "السهم نيوز"، واقتياد المقبوض عليهم تجاه قسم شرطة الطالبية بالهرم.


بدء ظهور تجمعات الغلابة


قرر محمد التوجه نحو شارع فيصل بمنطقة الهرم أيضاً، وهو أحد الأماكن التي تخرج المظاهرات بها، ومع وصولهم إليه كانت الأجواء هادئة، وكانت هناك أصوات بعض المساجد التي لم تنته بها صلاة الجمعة.

وفجأة صاح رفيقه في الرحلة، مع إشارة بيده اليمنى تجاه نقطة بعيدة، قائلاً "في تجمع هناك وشكلهم ناس عادية يلا نروح هناك بسرعة".

وهنا بدأ الترقب حتى وصلا إلى محيط أحد المساجد الموجودة قبل طلعة كوبري فيصل في نهاية الشارع قبل الوصول إلى ميدان الجيزة، وكان المشهد هو تجمع المصلين عقب انتهاء الصلاة حول الباعة الجائلين الذين يعتاد تواجدهم أمام المساجد الكبرى عقب صلاة الجمعة.

ومع حالة الإحباط التي ظهرت عليهما، قررا التوجه إلى ميدان مصطفى محمود في منطقة المهندسين، الذي كان نقطة انطلاقة هامة في مظاهرات جمعة الأرض في أبريل/نيسان 2016، ضد اتفاقية تيران وصنافير وتسليمهما للسعودية.

وخلال دقائق كانا داخل شارع جامعة الدول العربية الشهير بمنطقة المهندسين المتواجد به مسجد مصطفى محمود، وكان اللون الأصفر هو المسيطر على المشهد هناك حيث تواجدت عناصر الشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة بكثافة.



egypt

توقف محمد بسيارته وسأل أحد القيادات الأمنية عن الحالة، فجاء الرد في ثقة تامة "مفيش حاجة وإحنا عارفين إنه مفيش حاجة وتحيا مصر".


الخوف أكبر من الغضب


"خلينا نجيب ساندوتشين ونقعد على قهوة"، كانت تلك كلمات رفيق محمد في الرحلة، الذي تملك منه اليأس في حدوث شيء ذي قيمة. فاتجها إلى أحد المقاهي، وبجوارهما كان يجلس 4 من الشباب يراقبون بنظرهم شاشات الهواتف المحمول، وفي المجاور لهم كان هناك اثنان من سائقي الميكروباص، ومع الصمت التام المخيم على المقهى استطاعا التقاط بعض الكلمات.

"الخوف أكبر من الغضب"، تلك كانت كلمات أحد الشباب الأربعة أثناء حديثهم مع بعضهم البعض، ليرد عليه صديقه الذي وصل للعقد الثاني من العمر، "وإنت متوقع مين اللي هيتظاهر لما الكل في السجون من الشيوخ و6 أبريل وألتراس وأي حركة لها تجمعات في الشارع".

ومع نبرة صوت السائق الأكثر علواً بدأ حديث أحدهم يعلو حول وقف الحال اللي حصل اليوم، وعدم وجود ركاب، ليقول له زميله "اللي طلعوا مع الحكومة النهاردة استفادوا بإكرامية آخر اليوم"، وهو هنا كان يقصد قيام الداخلية بأخذ سيارات الأجرة في الحملات الأمنية بزي مدني.


نفسي أعرف مين خلف تلك الدعوات


وفور انتهائه من تناول طعامه قال محمد يوسف، إن هناك هاشتاغاً بدأ ينتشر في الشبكات الاجتماعية تحت عنوان #محدش_نزل، ليعبر عن حال ما حدث في مصر مع موعد "ثورة الغلابة"، وبدت عليه علامات الريبة والتشكك وهو يقول "نفسي أعرف مين اللي ورا دعوات التظاهر اليوم، ومفيش حد نزل غير الإخوان في أماكن المنفى لمظاهراتهم".



egypt

وهنا كان آذان العصر قد بدأ يتردد في الجوامع المحيطة، وانتهاء الفترة الزمنية ما بين الجمعة والعصر ولم تحدث أي تجمعات في القاهرة تذكر، وتوقفت المشاهد عند وجود بعض الشباب الذين حملوا لافتةً بها صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي داخل ميدان التحرير مكتوب عليها "صورتك منورة ميدان التحرير يا ريس".