ترامب كابوس للعالم وليس لأميركا وحدها.. لهذه الأسباب لن يواجه الملياردير مقاومةً عند اتخاذ القرارات المتهوِّرة

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
ASSOCIATED PRESS

لم يخطر على بال الكثيرين أن يقوم الأميركيون بتسليم أقوى منصب في العالم لشخص "عنصري ومعتدٍ جنسياً وكاذب بالطبيعة" كما يقول أحد كتّاب المقالات في صحيفة الغارديان؛ بل كان كل الثقة لدى الأميركيين بأن بلادهم ستبتعد عن الهاوية، وهو ما أكدته استطلاعات الرأي حتى قبل لحظات من انطلاق الانتخابات الأميركية.

جوناثان فريدمان، أحد كتّاب العمود بالصحيفة، يرى أن الولايات المتحدة لم تعد مصدر إلهام لبقية العالم؛ بل مصدراً للخوف. فبدل أن تفخر بأول امرأة تصل لسدة الرئاسة، يبدو أنها اختارت أن تضع النفوذ الكبير الذي يحمله هذا المنصب بيد رجل يبدي جهلُه كمّاً كبيراً من العنصرية وكراهية النساء.

وهذا نص المقال كاملاً:

"كنا نظن أن الولايات المتحدة ستبتعد عن الهاوية. وكنا نؤمن، وزادت استطلاعات الرأي من إيماننا بأن الأميركيين لن يسلموا أقوى منصب في العالم لشخص عنصري ومعتدٍ جنسياً وكاذب بالطبيعة.

راقب الناس حول العالم وترقبوا خلال الفظائع التي جلبتها حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية 2016، وظنوا أنهم سيفيقون من كابوس اسمه ترامب في نهاية المطاف. لكن، نجد اليوم أن الولايات المتحدة –الدولة التي اعتبرت نفسها منذ ولادتها منارة تلهم العالم ومجتمعاً يفتخر أنه "آخر أمل على كوكب الأرض"، الأمة التي بدا أنها تغير بوصلة التاريخ لتشير إلى العدالة، حسب ما قاله أوباما بطريقة لا تُنسى قبل 8 سنوات- قد سقطت في الهاوية.

في هذا اليوم، لا تعتبر الولايات المتحدة مصدر إلهام لبقية العالم؛ بل مصدراً للخوف. فبدل أن تفخر بأول امرأة تصل لسدة الرئاسة، يبدو أنها اختارت أن تضع النفوذ الكبير الذي يحمله هذا المنصب بيد رجل يبدي جهلُه كمّاً كبيراً من العنصرية وكراهية النساء. وصفه شخص يعرفه بشكل جيد بأنه "مختلٌّ اجتماعياً" خطير.

ويا له من نفوذ رائع سيحصل عليه عما قريب! لم يتحد الجمهوريون جميع التوقعات والاستطلاعات والبيانات وفازوا بالرئاسة وحسب؛ بل فازوا بمجلس النواب وأغلبية الشيوخ أيضاً. إذاً، فترامب لن يواجه مقاومة كبيرة عند اتخاذ القرارات المتهورة. سيكون من الصعب السيطرة على رجل، خارج عن السيطرة ويتصرف بانفعالية ودون تفكير، مثل هذا، وسيصبح جبروت قوة عظمى تحت أمره وأداة لاستعراض غروره.

ولعل التأثير الأكثر وضوحاً سيكون على الدولة التي يوشك على حكمها. تفكر لوهلة في الأشياء التي وعد بتنفيذها حال انتُخب. تشكيل قوة لترحيل 11 مليون مهاجر غير شرعي يشكلون 6% من مجموع القوة العاملة الأميركية؛ حظر شامل على دخول المسلمين لأميركا: حظر سرعان ما تم تخفيفه ليصبح "إجراءات أكثر صرامة عند التدقيق" على أي زائر يأتي من دولة مشبوهة؛ سور عظيم يغلق الحدود مع المكسيك؛ "عقوبة ما" للنساء اللاتي يلجأن إلى الإجهاض؛ وسجن المرأة التي تغلّب عليها للتو في الانتخابات.

سيقول البعض إن ذلك كان مجرد كلام. لكنهم كانوا يقولون ذلك خلال الحملة أيضاً، وأصروا على أن ترامب سوف يتبنى نهجاً أكثر اعتدالاً، وأن أسلوبه سيصبح "رئاسياً" أكثر. لكنه لم يتغير، ومن المؤكد أنه سيرى هذا النصر دليلاً على صحة أسلوبه من البداية، وأن غريزته سليمة ولا يجب التشكيك في آرائه. لا يوجد لديه أي مسوغ لأن يصبح معتدلاً؛ فقد أصبح المكتب الذي استخدمه رؤساء مثل توماس جيفرسون وأبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت وجون كيندي ساحة لعبه. يمكنه الآن أن يفعل ما يحلو له.

ستكون هذه هي المعضلة خاصة بالأميركيين، لكنها ستؤثر علينا جميعاً بشكل أو بآخر. سيكون الزر الذي يتحكم في الأسلحة النووية لعبة عند نجم تلفزيون الواقع الذي لا يفقه في الأمور السياسية أو العسكرية. وتذكروا، أن هذا هو الرجل الذي سأل مراراً خلال شرح عسكري عن السبب وراء عدم استخدام الولايات المتحدة الأسلحة النووية طالما تمتلكها. إنه الرجل الذي قال: "أنا أحب الحرب"، والذي اقترح حلاً لمشكلة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بأن "نقصفهم عن بكرة أبيهم" ونسرق النفط.

تخيل حجم القلق الذي اعترى ريغا [عاصمة لاتفيا] وفيلنيوس [عاصمة ليتوانيا] وتاللين [عاصمة إستونيا] هذا الصباح. في الصيف، قال ترامب متحدثاً لصحيفة نيويورك تايمز إنه لا يؤمن بالمبدأ الرئيسي لحلف شمال الأطلسي (الناتو): الهجوم على أحد أعضاء الحلف سيقابله رد من جميع أعضاء الحلف. كان يرى الحلف مجرد مافيا للحماية على ما يبدو: إذا لم يدفع الصغار فلن يحصلوا على الحماية. أما فلاديمير بوتين- الذي يراه ترامب بطلاً ونموذجاً للقائد- فلن يحتاج لتلميح أكبر من ذلك. من المؤكد أن ديكتاتور روسيا سينتهز الفرصة لغزو دولة أو أكثر من دول البلطيق ليوسع إمبراطوريته. ومن المؤكد أن تنال هذه الخطوة العنترية و"الرجولية" إعجاب الرئيس الأميركي المنتخب.

تلوح بوادر حرب تجارية مع الصين في الأفق بسبب تطبيق تعريفة قد تعرض نظام التجارة العالمي برمته للخطر. أميركا على وشك التوجه للداخل، أي لمبدأ الحمائية [حماية المنتجات المحلية ضد المستوردة]، وقد قالت الأسواق العالمية كلمتها في هذا الشأن، إذ انخفضت بشكل حاد.

وماذا عن كوكبنا؟ ترامب مقتنع بأن تغير المناخ محض خدعة اختلقها الصينيون، ولن يفعل سيئاً للتخفيف من الانبعاثات الضارة، فهو ببساطة لا يؤمن بأنها موجودة أصلاً.

لكن، بعيداً عن هذا كله، هناك عاقبة أخرى مظلمة لهذا القرار المروع. فنجاح ترامب أسعدَ الوطنيين والعنصريين البيض في بلده وخارجها. فقد أثنى على فوزه في الولايات الحاسمة كل من ديفيد دوك، وهو شخصية بارزة من جماعة كو كلوكس كلان العنصرية، الذي نشر تغريدة تقول: "فليبارك الرب دونالد ترامب"، "حان الوقت لاستعادة أميركا". ولم يكن النائب القومي الهولندي خيرت فيلدرز أقل سعادة، إذ قال: "الشعب يستعيد دولته، ونحن سنغزل على المنوال نفسه". ومن المؤكد أن مارين لو بين ستشعر بالغبطة ذاتها، شأنها شأن القوميين أو الشعبويين تجار الكراهية.

لكن، مَن الملام هنا؟ القائمة تطول، بدءاً من الحزب الجمهوري ووسائل الإعلام وصولاً إلى القائمين على استطلاعات الرأي وعباقرة البيانات الذين لم يحسنوا قراءة الشارع، مروراً بحملة كلينتون التي استهانت بمعاقل الحزب الديمقراطي، وحتى هيلاري كلينتون نفسها التي كانت مرشحة فاسدة على الرغم من قوتها.

يمكنك توجيه اللوم لهم جميعاً، لكن من يود أصلاً توجيه اللوم في يوم كهذا؟ فأقوى دولة في العالم على وشك أن يتحكم فيها أخطر قادتها على الإطلاق؛ شخصية يمكن أن تتواجد في الكتب المدرسية كجزء من أكثر القصص رعباً في القرن العشرين. وفي يناير/كانون الثاني، سيصبح المكتب الرئاسي ملكاً لترامب، عاشق الحرب، الذي قال يوماً للأميركيين: "لا شيء لنخافه سوى الخوف نفسه." هذا ليس باليوم العادي، فأميركا ونحن أيضاً لدينا الكثير لنخافه، بدءاً من الرجل الذي يوشك أن يحكم العالم.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.