هكذا صنع أوباما دونالد ترامب.. 8 من سنوات حكمه أوصلت أميركا لهذه النتيجة

تم النشر: تم التحديث:
OBAMA
Kevin Lamarque / Reuters

باراك أوباما هو سبب وصول دونالد ترامب للرئاسة الأميركية. هكذا يرى الكاتب الصحفي سايمون هير في عموده بصحيفة التليغراف البريطانية.

فأول رئيس أسود لأميركا الذي علق عليه كثيرون الآمال لم يكن السبب في الأزمة الاقتصادية أو الكراهية الدولية التي ورثها عن سلفه جورج بوش ولكنه كان دائم التردد الذي اعتبره مؤيدوه ذكاء.

لم يعالج أوباما نتائج هذه الأزمة على المواطنين الفقراء وخاصة مؤيديه من السود، كما يقول الكاتب بل كانت الكراهية العالمية سبباً للانسحاب من الشأن الدولي تاركاً حلفاء أميركا بلا غطاء ومفسحاً المجال لسيطرة بوتين، فتحول أوباما لمعلق سياسي بدرجة رئيس.

وهذا نص المقال كاملاً كما نشرته صحيفة The Telegraph البريطانية:

في الصباح الذي تلا انتخاب باراك أوباما في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2008، شغّلت تلفاز غرفتي بالفندق في نيويورك كي أشاهد ردود الفعل. كانت محطّة فوكس الإخبارية تتظاهر بالشجاعة، رغم أنَّها بالكاد احتوت مرارتها وغضبها: بينما كانت شبكة MSNBC الليبرالية الصريحة في حالةٍ من النشوة التشنّجية تقريباً.

مع بزوغ النهار، ذرفت امرأة، أُجرِيت معها مقابلة خارج منزلها المهدوم في مكانٍ ما بشمال ولاية نيويورك، دموعها وهي تخبر المحاوِر بما يعنيه هذا الفوز لها.
قالت وهي تبكي "أعرف الآن أنَّ ملكيتي لن تُنزَع عن منزلي بسبب الرهن". آمل أنَّها كانت على حق، ولكن دليل الأعوام السبعة التي انقضت منذ تولَّى أوباما صانع المعجزات منصبه يشير إلى أنَّها قد تكون أصيبت بالإحباط.

كانت أميركا غاضبةً بعد فترتي رئاسة جورج دبليو بوش. ولذا فإنً مرشَّح حزبه الجمهوري كان يُعاقَب على الطريقة التي حوَّل بوش والمعتوهون المحيطون به أميركا إلى دولةٍ منبوذة عالمياً.
وكانت الأزمة المالية عام 2008 -وخاصة وقع انهيار بنك ليمان براذرز في الفترة الواقعة بين المؤتمرات الانتخابية وبين يوم الانتخاب- هي القشة التي قصمت ظهر البعير.

كنتُ قد رأيتُ أوباما في الانتخابات الأولية وفي مؤتمر الحزب الديمقراطي. انتظرتُ أن يتحدّث بذكاءٍ وعمليةٍ عن دولة أميركا وعن كيف سيُصحِّح مسارها، ولكنَّ انتظاري ضاع هباءً. كان التعبير المأثور آنذاك أنَّه يقود الحملة الانتخابية بالشِعر وإنَّما سيحكُم البلاد بالنَثر. قد يكون بعض النثر رائعاً، ولكن ليس هذا النثر.

كانت خَطابته في النهاية -وخاصةً الخطاب الذي ألقاه في المؤتمر الانتخابي من مسرحٍ يحاكي المسارح الإغريقية في دنفر- فارغة من المعنى. إنه ذكي وله أسلوب في التعامل مع الكلمات، ولكن كلماته لم تحتوِ على الكثير.

سحر الجماهير، في حزبه أولاً، وهذا سبب هزيمته لهيلاري كلينتون منافسته في الترشيح، التي كانت متغطرسة ومملة آنذاك بنفس قدر غطرستها ومللها الآن، ثم سحرها في الانتخابات الأوسع نطاقاً.

لم تكُن لجون ماكين -الجمهوري الأبيض المسنّ مع رفيقته في الترشُّح سارة بالين، رمز الكراهية في الإعلام- أي فرصة في الفوز.


الصمت الذكي


مع غرق ليمان، التقى الزعماء السياسيون، بمَن فيهم الرؤساء المحتملون، لمناقشة ما ينبغي القيام به. لم يقُل أوباما شيئاً: ومدحه الإعلام الليبرالي لصمته، مشيرين إلى أنَّه يظهِر حكمته بالاحتفاظ بحُكمه على مسألة معقَّدة كهذه.

ربما أظهر ذلك حكمة بالفعل، أو ربما أظهر أنَّه لم يكُن يدري من أمره شيئاً. يشير مسار أميركا البطيء المتعثّر نحو التعافي، ومستوى دينها المذهل -أقل من 19 تريليون دولار، أو 104 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي- إلى الاحتمال الثاني. اختفى الباعث الذي صنعه الديمقراطيون ولم يحقِّق شيئاً.

كانت المرأة الباكية في شمال ولاية نيويورك بيضاء وفي منتصف عمرها. ولأخذ لمحةٍ عن قلة ما فعله أوباما لجمهور ناخبيه -الفقراء من السود- من المهم قراءة هذا المقال الثري في أحدث عدد لمجلة New Yorker.

وهو عن الإخلاء من المنازل في ميلواكي، وهي مدينة يحتل السود نسبة 40% من سكّانها. تقوم صناعةٌ كاملة على خدمة عمليات الإخلاء -محاكم ومحامون وعمال إزالة وحُجَّاب المحاكم- وتعمل بدوامٍ كامل، وتتعامل مع جموعٍ لا يمكنهم دفع الإيجار أو أقساط الرهن العقاري.


البؤس


انتُخِب أوباما واعداً بإنهاء هذا البؤس، ولكنَّه لم يفعل، ولم يكُن ليفعل قط. تمتلك أميركا ثروةً مدهشة، وتمتلك كذلك حرماناً وقذارات مدهشة، لأنَّ ليس هناك ما يكفي من العمل ذي الأجور الجيدة ليسدّ حاجات الجميع.

لا أعرف ميلواكي، ولكنّني أتجول في مدن مثل بالتيمور ونيويورك وترينتون على الساحل الشرقي، وهي مدن تحتوي على أميالٍ مربّعة من القذارات بمقياسٍ لا تعرفه بريطانيا على سبيل المثال.

تتأرجح ديترويت على حافة الانقراض: وفي المدن المزدهرة مثل لوس أنجلوس وواشنطن (مقاطعة كولومبيا)، تجلس جيوب أصحاب النفوذ جنباً إلى جنب مع المناطق التي تعجّ بفقرٍ وجرائم مخيفة.

تبدو التوترات العرقية، التي كان من المفترض برئيسٍ أسود أن يعالجها، أسوأ من ذي قبل -تذكَّروا أحداث فيرغسون- وجاءت تدخلات أوباما خرقاء ومثيرة في أغلبها.

فقد فشل في التحكُّم في الهجرة، رغم أنَّ لديه السُلطة السيادية للتحكُّم فيها (على عكس الوضع في بريطانيا). ورفضت أميركا بدرجةٍ كبيرة نظام أوباما كير، الذي يوضِّح أنَّ كل شيء يمكن أن يفسد بتدخُّل الدولة الهائل.


بوتين


وإن كان إرث أوباما الاقتصادي فقيراً، فإنجازاته -أو إخفاقاته- الأخرى منذِرة بالخطر. فقد عزل أميركا بدرجةٍ كبيرة عن المحاورات الدولية.

بعد التدخُّلات الكارثية في العالم الإسلامي بعد عام 2001، فمن الصحيح نوعاً ما التفكير بعمقٍ أكبر في مثل هذه البعثات: ولكن لا يعني ذلك أنَّه من الممكن التخلِّي تماماً عن مسؤولية القوة العظمى العالمية.

كان تدخُّل كيري في سوريا للأسف وكالمعتاد، متأخراً. وأصبح إرث أوباما الدولي متمثلاً في مشهد منفر لسيطرة فلاديمير بوتين، الذي حطّ أوباما من قدره، على زمام الأمور، والوحشيين الداعشيين (والذين لم يمتلك أوباما أي استراتيجية للتعامل معهم) وأوروبا الغارقة في انطوائها على نفسها.

كان من المثير للاهتمام كيف أنَّ الكثيرين من ناخبي دونالد ترامب شكوا، بعد فوزه بالانتخابات الأولية في نيو هامبشير، من الشعور بأنَّ أميركا أصبحت لعبة يتقاذفها العالم.

أمة عظيمة مُجبَرة على مواجهة عجزها العالمي هي أمة يملك فيها ترامب المتحذلق جاذبيةً حتمية، وأميركا التي تعاني مشاكل اقتصادية واجتماعية راسخة هي أميركا التي ستتطلَّع كذلك إلى بيرني ساندرز. ففي النهاية، نحن جرَّبنا كل شيء آخر، لذا لمَ لا نجرِّب ما يطلِق عليه "الاشتراكية الديمقراطية"؟

لم يصنع باراك أوباما الفقر، ولا الارتياب والاشمئزاز الذي ينظر به العالم إلى أميركا بعد جورج دبليو بوش. ولكنَّه وعد بعلاج الفقر، ووجدنا أنَّه يريد ذلك، واستغل ذلك الارتياب والاشمئزاز الدولي ليكونا مبرِّراً لعدم فعل أي شيء سوى الانسحاب.

ودوره في الرئاسة الآن ليس أكثر من متحدِّث رسمي. عندما يمضي، لن يفتقده أحد، وخصوصاً الحلفاء الذين يشعرون أنَّه ترفَّع عنهم. لقد جعل أميركا أقل صلةً بالعالم.

منذ غادر جورج إتش دبليو بوش منصبه عام 1993، حكَم أميركا مدمن جنس مهووس وأحمق خطير وذكي غير كفء. حصل كلٌ منهم على تصريح حزبه.
كان باراك أوباما يمثِّل لمعظم أميركا القشة التي قصمت ظهر البعير. هو صانع دونالد ترامب وبيرني ساندرز. إذا أصبح أحدهما رئيساً ولم يعجب ذلك العالم، فليعرف على مَن يلقي باللوم.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Telegraph البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.