قوائم للضيوف وقصص جاهزة وأشياء أخرى: هكذا يستعد الإعلام المصري لـ 11/11

تم النشر: تم التحديث:
AHMED MOUSSA
أحمد موسى | David Degner via Getty Images

"النزول إلى الشارع ونقل نبض الناس ممنوع".. قالتها بوضوح نانسي الصحفية المصرية التي تعمل بإحدى المؤسسات الصحفية المستقلة في تعليقها عن أوضاع وسائل الإعلام المصرية في تلك الفترة، خاصة في الأيام الأخيرة.

تقول نانسي "موضوعان يسيطران حالياً على وسائل الإعلام المصرية"، "الدعوة للتظاهر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وقرارات الخميس والجمعة 10 و 11 نوفمبر /تشرين الثاني بتحرير سعر الدولار وزيادة أسعار الوقود فقط لا غير".

خبراء سياسيون وإعلاميون اعتبروا أَن تجنيد الإعلام للدفاع عن القرارات المثيرة للسخط شعبياً، يؤشر لقلقها، والأهم أن المبالغة الإعلامية قد تأتي بنتيجة عكسية لما تريده السلطة.

"هافينغتون بوست عربي" تلقي في هذا التقرير نظرة على الإعلام المصري، بعد قرارات الخميس والجمعة بتعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود، وقبل يوم الجمعة 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 الذي يعرف ب- 11/11، للكشف عن أهم الرسائل التي ينقلها لجماهيره ولماذا يبدو هذا الخطاب الإعلامي متقارباً، وهل هذا انعكاس لرؤية الإعلاميين أم استجابة لأوامر عليا.


قوائم محددة للضيوف


الصحافة، في رأي الصحفية الشابة نانسي، "فقدت القدرة على نقل نبض الناس عكس ما كان يحدث في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك أو بعد سقوطه، وأصبحنا غير قادرين على مواجهة التوجيهات العليا داخل المؤسسات الإعلامية بعدم المساس بالحكومة"، حسب قولها.

معظم الصحفيين أصبحوا مجبرين على الالتزام بمحاذير المؤسسات التي يعملون بها بشأن التواصل مع أي مصدر لديه رأي مخالف للحكومة، أو محاولة نقل نبض الناس، "وإلا يتعرض لما حدث مع الزميل بالمصري اليوم الذي قُبض عليه منذ أيام في الشارع"، كما تقول نانسي.

لم يكن كلام نانسي سوى تأكيد لما كشفه رئيس تحرير أحد برامج التوك شو بالقنوات المصرية، من وجود قائمة مصادر محددة تم توزيعها على كافة المؤسسات الإعلامية المصرية من جهة سيادية تشرف على ملف الإعلام.

وذكر رئيس التحرير الذي فضل عدم ذكر اسمه، في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن القائمة تضمنت أسماء خبراء في العديد من المجالات، تتم الاستعانة بهم كضيوف والخروج عن تلك القائمة يشكل خطراً على استمرار المعد في العمل بالبرنامج، بل أن هناك أيضاً رسائل يومية تأتي من تلك الجهة السيادية تحدد أهم الموضوعات التي يجب أن تتصدر المشهد في الإعلام، مع تحديد آلية تناول كل موضوع.


الإرهاب لاحتواء غضب الشعب من الغلاء


وتكشف واقعة للزميل الصحفي محمد زين المتخصص في شئون الإسلام السياسي، عن كيفية استخدام السلطة للإعلام، حيث يروي أنه في صباح اليوم التالي لقرار تعويم الجنيه المصري وزيادة أسعار الوقود، نشبت أزمة بينه وبين إدارة التحرير حول تفجير سيارة أحد القضاة في القاهرة، إذ أنه رفض أن ينسب مسئولية التفجير لأحد التنظيمات طالما أنه لم يعلن بشكل رسمي عن تبنيه العملية.

زين، وهو اسم مختلف عن اسم شهرته الصحفية، تابع حديثه مع "هافينغتون بوست عربي" قائلاً: وهنا تحدث الزميل المتخصص في الملف الأمني معلناً أنه جهز تقريراً صحفياً يتهم جماعة الإخوان المسلمين بالمسئولية عن التفجير، من خلال الزعم بأن إحدى التنظيمات الجديدة هي التي نفذت التفجير والقول بأن هذا التنظيم يتبع الجماعة".

ويقول زين إنه فوجئ في مانشتات الجرائد الأخرى في اليوم التالي تتحدث عن نفس المعلومة، بل ونشرت جميعها رواية مخطط الإخوان لجمع الدولار واستغلال أزمة الاقتصاد لتعبئة الشعب قبل 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016، وهي نفس المضمون الذي جاء كذلك في برامج التوك شو بالمساء، وأيضاً في بيان وزارة الداخلية المصرية حول المجموعات الإرهابية التي تم القبض عليها، وبتلك الأخبار تمت التغطية عن أزمة قرارات الحكومة، حسب قوله.


11/11 تؤدي إلى انهيار الدولة



وحديث زين عن كيفية التغطية على أزمة القرارات الاقتصادية تدعمه حملة التخويف من دعوات التظاهر الجمعة 11 نوفمبر/تشرين الأول تحت شعار "ثورة الغلابة"، وهو ما ظهر في لغة التخويف الموحدة التي استخدمها أبرز إعلاميي السلطة.

فقد خرج الإعلامي المقرب للسلطة أحمد موسى، منذ أيام ليعلن أن الجماعة "الإرهابية" حددت 3 مناطق في مصر وهي سيناء ووسط الصعيد ومنطقة الفرافرة لإعلان انفصالها عن مصر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016.



وادعى موسى، أن عناصر جماعة الإخوان تلقوا تدريبات في السودان وتركيا وماليزيا لتنفيذ مخطط لتقسيم مصر وهناك فرض عين على كل إخواني برفع السلاح في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 للجهاد المسلح، معقباً: "كل واحد إخواني جارك أو في شغلك هو عنصر إخباري للإخوان"، حسب قوله.

وفي نفس اليوم خرج الإعلامي المقرب للسلطة أيضاً مصطفى بكري، في برنامجه الفضائي زاعماً أن هناك مخططات لتدمير مصر والشعب المصري، يقودها الإخوان وتسعى لحرق البلاد يوم 11-11، مضيفاً أن الشعب سيرد على كل تلك المخططات رغم الفقر والألم.


وفي محاولة للتخويف من دعوات التظاهر قال بكري: "مصر هتعيش عشان الـ90 مليون مصري والناس عارفة لو خرجوا يوم 11 / 11 البلد هتضيع".


نتائج عكسية


ويحذر الدكتور محمد شومان عميد كلية الاتصال والإعلام بالجامعة البريطانية، من مخاطر تهويل الإعلام لمخاطر 11 نوفمبر/تشرين الثاني المعروف ب11/11، والإفراط في استخدام الخطاب التخويفي الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية كما حدث من قبل في عهد مبارك، قائلاً "الاهتمام الزائد من الإعلام بمهاجمة أي دعوة معارضة يزيد من اهتمام الناس بها".

كما نبه شومان في حديث خاص لـ"هافينغتون بوست عربي" إلى أن القرارات الصعبة في التوقيت الخطأ قد تفيد أصحاب تلك الدعوات للتظاهر كما حدث مع اتخاذ قرار تعويم الجنيه وزيادة أسعار الوقود، وهي القرارات التي كان يجب تأجيلها لما بعد موعد التظاهر، حيث أنها قد توفر لأصحاب تلك الدعوات فرصة لاستقطاب بعض القطاعات الشعبية التي أغضبها تلك القرارات.

وأوضح عميد كلية الاتصال والإعلام بالجامعة البريطانية، أن الخطاب الإعلامي المصري يفتقد إلى الموضوعية، وخلال الفترة الماضية ركز على أولوية الإصلاح الاقتصادي مع تجاهل الإشارة للسبب الذي أدى إلى تلك الحالة والتغاضي عن سوء الإدارة بدءاً من عصر مبارك نهاية إلى أخطاء السيسي.

واتهم هذا الخطاب الإعلامي بتجاهل الحديث عن العدالة الاجتماعية، وتحجيمه فيما وصفه ببطاقات العدالة الاجتماعية فقط.

وقال شومان إننا أمام موجة من الخطاب الإشادي أو الإنجازي، مع تجاهل بأن هناك غياباً للرؤية وغياباً للأوليات وكذلك غياباً للسياسة وتغليب الحلول الأمنية.


معركة الخداع الكبرى وإعلام غسيل العقول


من جانبه، اعتبر عمار علي حسن الباحث والمفكر السياسي، إن السلطة الحالية تستخدم الإعلام للتمهيد لقراراتها، وإقناع القطاع الشعبي بها، بل تستخدمه لتسويق الفشل الكبير لها إلى نجاح، وهو ما حدث مثلاً مع الملف الاقتصادي، حسب قوله.

وأكد عمار في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن النظام يتوهم أن المعركة أغلبها يتم في الإعلام وليس في الشارع، ولذلك ينشغل بتلك المعركة ويحشد كل من يسانده، ويقصي كل من له رأي مخالف لها.
وقال إننا نعيش في مصر حالة كبيرة من الخداع المستمر للجمهور من قبل النظام، ويتعرض قطاع كبير من الشعب لغسيل العقول.


هكذا نجحت السلطة بعكاشة وموسى وبكري


واعتبر عمار علي حسن أن النظام يسعى عن طريق ما وصفه -"بمعركة تغييب الوعي" لدى القاعدة الشعبية لفصلها عن النخبة المثقفة التي بوسعها أن تحرك الشارع، وذلك منذ أن أدرك بعد إسقاط مبارك أن التغيير يحدث عندما تنضم القاعدة الشعبية الكبيرة إلى تلك النخبة، مؤكداً أن النظام نجح في ذلك.

ولفت في هذا الإطار إلى أنه رغم ما يقوله إعلاميو السلطة من السهل تفنيده والسخرية منه كونه خارج المنطق والحقيقية، إلا أن السلطة تبقي عليه وتستريح له رغم سطحيته، فهو يجعلها مطمئنة أن هناك انفصالاً بين الشعب وبين القادرين على التغيير من الذين يمتلكون الوعي.

ورأى أنه رغم نجاح تلك السلطة في استخدام أمثال توفيق عكاشة ومصطفى بكري وأحمد موسى وعبد الرحيم علي، حسب تعبيره ، إلا أنها لن تنجح على المدى البعيد، وهي مسألة وقت.
وقال إن هذه الطريقة استخدمها مبارك من قبل، ولكن مع الوقت تأتي أحداث تعيد الالتحام بين الشعب ونخبته وهنا يحدث التغيير، حسب تعبيره.

وأضاف "بعض هذه التطورات تحدث ببطء كما حدث مع مبارك، وبعضها يحدث سريعاً وهو الأمر المتوقع مع هذا النظام إن لم يتدارك الأمر ويتراجع عن الغبن الشديد في اتخاذ قراراته. حسب قوله

ويشير عمار إلى وجود تقارير أمنية تم رفعها إلى السلطة تفيد بحالة الغضب في الشارع، خصوصاً بعد القرارات الأخيرة، وهو ما جعل رموزها يخرجون في مؤتمرات صحفية لمحاولة التهدئة منها، وتعطي تلك التقارير مؤشراً على أنه من الممكن أن تخرج القاعدة الشعبية عن حالة التأثر بأبواق السلطة الإعلامية.