قصة كتب الإلحاد والإنجيل في مقهى "الراوي" بالرياض.. كيف تمت مصادرة إصدارات بناء على شكاوى من زوار لم يقرأوها؟!

تم النشر: تم التحديث:
ASSWDYH
sm

روى مصدر في وزارة الإعلام السعودية ما اعتبره خلفيات مصادرة الكتب من مقهى ثقافي بالرياض، فيما تحدث المسؤول عن مقهى "الراوي" باستفاضة لأول مرة عن طبيعة الشكاوى التي حدّثهم مسؤولو الوزارة عنها، مؤكداً أن كثيراً منها سببه سوء فهم مضمون الكتب.

وقال مصدر من وزارة الثقافة والإعلام -رفض ذكر اسمه- لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الوزارة تحركت بناء على بلاغ من أحد المحتسبين -الذي يقوم بالعمل الخيري تطوعا بغير مقابل- يفيد بأن "المكتبة تحوي كتباً للملحدين وروايات مخلّة"، وقامت الوزارة بمصادرة الكتب "لتتأكد من صحة الادعاء، ومن ثم تبين لها أن المقهى لا يحمل ترخيصاً إعلامياً".


شكاوى مستمرة


ورداً على تلك التصريحات، قال المسؤول عن المقهى خالد القديمي إن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جاءت للمقهى 4 مرات بالفعل بسبب شكاوى ضد كتب، إلا أن معظم تلك الشكاوى كانت من ناس بسطاء لا يعرفون مضامين الكتب، وهم يشكون ضد كتب مسموح بها وتُباع في المكتبات السعودية.

ويضيف: "بعض زوار المقهى اعترضوا على كتب علي الوردي وإدوارد سعيد، وذكرنا للهيئة أن تلك الكتب مفسوحة (مسموح بتداولها) وتباع بمكتبتي (العبيكان) و(جرير)، كما تباع في معرض الكتاب الذي يقام سنوياً بالرياض".

ويتابع: "أحدهم اشتكى كذلك من كتاب من إصدارات [الشبكة العربية]، عنوانه (أفول أهل السُنة.. التهجير الطائفي وميليشيات الموت وحياة المنفى بعد الغزو الأميركي للعراق)، وهو لباحثة أميركية اسمها ديبورا آموس، ويتحدث عن المجازر والتهجير الطائفي الذي يتعرض له أهل السنة في العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003!".

أما الأكثر إدهاشاً حسب خالد القديمي، فهو أن "أحد زوار المقهى قدم شكوى تدّعي وجود الإنجيل ضمن الكتب، وإذا به يقصد رواية (إنجيل الابن) للروائي الأميركي الشهير نورمان ميلر الصادرة عن سلسلة الجوائز في الهيئة العامة المصرية للكتاب!".

القديمي نفي كذلك أن تكون وزارة الثقافة قد تطرقت أصلاً إلى مضمون الكتب.. "لم يصلنا شيء منهم بهذا الخصوص، الإشكال كان فقط بوجود الترخيص".

‏ويتساءل القديمي: "حتى في حال وجود كتب يراها البعض غير ملائمة أو منحرفة -والناس تتفاوت في تقدير ذلك- فهل ممنوع على مقهى (الراوي) عرض نسخة واحدة من الكتاب للقراءة فقط، فيما يسمح ببيع مئات النسخ من ذات الكتاب في معرض الرياض؟!".


رواية الوزارة


وكانت وزارة الثقافة والإعلام قد قالت إن إجراءات "ضبط الكتب" في المكتبة التابعة للمقهى الأدبي "الراوي" (مصادرتها) قد تمت بطريقة نظامية من خلال لجنة مختصة، بعد أن تبين عدم وجود ترخيص لعرض الكتب، ولكون غالبية الكتب غير مسموح بها من الوزارة.

وأشارت إلى أنه تم توجيه إنذار لصاحب المقهى في وقت سابق، مؤكدة حرصها على نشر الثقافة ودعم المثقفين والمبادرات الثقافية، شرط توافقها مع الأنظمة واللوائح.


والقديمي يرد مجددا


وبدوره، يرد القديمي على مبررات الوزارة قائلاً: "الكتب المعروضة لا تمثل (مكتبة) وفق النظام القانوني التجاري؛ فنحن لا نمارس النشاط (التجاري) للمكتبة حتى نستخرج ترخيص مكتبة!‏ وما لدينا هو نسخة واحدة من كل عنوان، وهي ليست للبيع ولا حتى للإعارة، هي للاطلاع فقط".

وأكد أن المقهى استخرج التراخيص التجارية اللازمة كمقهى وليس الترخيص الإعلامي؛ لكونه مقهىً بالدرجة الأولى وليس مكتبة، ولكن وزارة الثقافة طلبت قبل 5 أشهر استخراج ترخيص إعلامي بما أن المقهى يحتوي على كتب معروضة، مضيفاً أن "القانون لا ينص على استخراج ترخيص لعرض الكتب.. هناك ترخيص للمكتبة فقط".

وأضاف أنه عمل على استخراج الترخيص منذ 5 أشهر، وحتى الآن لم يحصل عليه، متسائلاً: "ما الذي يدفع لمصادرة الكتب إذا كانت إدارة المقهى قد التزمت بما طالبت به الوزارة؛ وتأخُّر صدور الترخيص كان من جانب الوزارة وليس تسويفاً من إدارة المقهى التي بادرت للتقدم بطلبه!".

ويضيف: "‏لماذا يطلب من مقهى (الراوي) وحده أن يستصدر رخصة، فيما كثير من المقاهي الأخرى تعرض كتباً دون أن تستصدر الرخصة، وهي أقدم من مقهى (الراوي) بسنوات؟!".

وأكد أيضاً: "أبديت تعاوني مع الوزارة وأزلت جميع الكتب غير المفسوحة قبل 5 أشهر، وطُلب مني عدم التصرف في الكتب إلى حين اجتماع لجنة ذات طابع قضائي للبت في المخالفات الإعلامية المنسوبة، إلا أن اللجنة لم تجتمع ولم يتم استدعاؤنا، وانتهى الأمر بمصادرة الكتب".

وأشار إلى أن الوزارة صادرت عدة آلاف من الكتب، قيمتها تتجاوز 100 ألف ريال، دون تقديم مستند يفيد بوجود قرار بهذا الشأن. وتمنى القديمي أن يتم الوصول لحل وديّ مع وزارة الثقافة وألا يضطر إلى اللجوء إلى القضاء.


قرار غير قانوني


المحامي والمستشار القانوني السعودي محمد الوهيبي، علق على الحادثة معتبراً أن من حق الوزارة سحب الكتب شريطة أن تحرر محضراً يذكر جميع العناوين، لضمان حماية حقوق جميع الأطراف، وأن يتسلم مالك المنشأة نسخة من ذلك الإشعار.

واعتبر أن الوزارة ربما رأت المقهى "شبيهاً بالمكتبات، فاعتبرته مخالفاً لعدم استخراج ترخيص"، لكنه اعتبر أن ذلك القرار غير صحيح؛ "لأن المقهى لا يقوم بنشاط بيع أو إعارة الكتب"، مؤكداً أن من حق مالك المقهى التقدم باعتراض رسمي، مشدداً على أن "سحب الكتب دون خطاب رسمي يوضح الأسباب مخالفة، قد تصل لإساءة استخدام السلطة".


غضب المثقفين على تويتر


وجاء ذلك فيما تواصلت اعتراضات المثقفين السعوديين على مصادرة الكتب من المقهى والتي جاءت تحت هاشتاغ (وسم) "#مصادرة_كتب_مقهى_الراوي".

وعلق الكاتب جمال خاشقجي، قائلًا: "#مصادرة_كتب_مقهى_الراوي تبعث رسالة سلبية، أن انصرِف أيها الشاب عن التفكير والثقافة وكن بسيطاً وسطحياً، كان حرياً بالوزارة دعم مبادرة كهذه".

وأشارت الإعلامية إيمان الحمود إلى معاناة السعوديين في بلادهم التي تخلو من أي دار للعروض السينمائية، لتتم الآن مصادرة الثقافة، قائلة: "كنّا ننتظر أن تحصل السينما على فيزا لدخول السعودية.. فإذا بها (الثقافة) قد حصلت على تأشيرة خروج بلا عودة!".

واعتبر الكاتب فايد العليوي أن مصادرة الكتب أضحت لافتة في المطارات قائلاً: "‏حتى بالمطار، التشديد على الكتب أصبح لافتاً.. أقترح توقيع مذكرة تعاون مع كوريا الشمالية للاستفادة من خبرتها في هذا المجال #مصادرة_كتب_مقهى_الراوي".

ويرى السينمائي فهد البتيري أن وزارة الثقافة والإعلام تصادر الثقافة.

وقال نواف القديمي، الناشر وأحد القائمين على مقهى "الراوي"، أن "وزارة الثقافة والإعلام تضيق ذرعاً بأي مبادرات ثقافية".