كيف شكّل المسلمون ثقافة إنكلترا وأدبها وأنماط استهلاكها لعدة قرون!

تم النشر: تم التحديث:
ENGLAND LONDON
Blend Images - Jeremy Woodhouse via Getty Images

"من دون مسلمين، ما كان سيصبح هناك سكر أو شكسبير في إنكلترا"، تتناول رواية جيري بروتون بعنوان "السلطان والملكة" تأثير الإسلام الهائل على الثقافة الإنكليزية خلال نصف الألفية الممتدة بين الحروب الصليبية وظهور الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط.

عانت الملكة إليزابيث الأولى من تدهور حالة أسنانها، لتناولها كميات كبيرة من السكر الذي بدأ في التدفق إلى إنكلترا من المغرب خلال القرن السادس عشر الميلادي، وكانت الثمار المحلاة أكثر ما تفضل تناوله بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، بحسب ما ذكرت "وول ستريت جورنال" الأميركية.

ولا تمثل قصة ابتسامة إليزابيث التعيسة سوى أحد أوجه تاريخ العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية الهامة بين الجزيرة المهملة التي تحكمها الملكة وسلطان المغرب والعالم الإسلامي بالغ الثراء الذي كان يسيطر على نصف البحر المتوسط ويتحكم في مدخل أوروبا الشرقي.

ويكشف كتاب جيري بروتون الرائع عن هذا التاريخ الثري لإنكلترا البروتستانتية وتفاعلها وتعاملاتها مع الإسلام، ويوضح كيف شكّل المسلمون ثقافة إنكلترا وأنماط الاستهلاك فيها وأدبها خلال نصف الألفية الثانية فيما بين الحروب الصليبية وظهور الإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط.

كان البابا هو من ساعد على إقامة هذه العلاقة المثمرة بين البروتستانتية والإسلام، حيث قام البابا بيوس الخامس بحرمان إليزابيث من رعاية الكنيسة عام 1570. وأدى قرار حرمانها من رعاية الكنيسة الكاثوليكية إلى فصل إنكلترا عن معظم أنحاء أوروبا. وحينما حُرمت الملكة إليزابيث من دخول أسواق إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، لجأت إلى ما وراء القارة بحثاً عن شركاء تجاريين.

وحاولت في البداية التعاون مع روسيا. ونجح ذلك لبعض الوقت، لكن حال تجمّد البحر الأبيض لمعظم أنحاء العام دون تلك الشراكة. وامتدت رؤيتها إلى ما وراء ذلك، حيث تعاونت مع المغرب ثم إيران، وأخيراً مع الإمبراطورية العثمانية، أكبر دولة إسلامية في العالم. وبدأت الملكة إرسال التجار والدبلوماسيين إلى مراكش لشراء السكر والملح الصخري، وإلى إسطنبول لشراء القطن والنيلة، وإلى حلب لشراء الحرير الإيراني والتوابل الهندية. وتناول بروتون القصص المروعة للعديد من هؤلاء التجار والدبلوماسيين والجواسيس الإنكليز (لم يكن الفاصل بينهم واضحاً تماماً) الذين كانوا يسعون وراء السلع والمال والأسواق. واستناداً إلى ما كتبه هؤلاء عن سفرياتهم، يتجول بروتون بنا في الأماكن التي أصبحت مألوفة فيما بعد مثل مدينتي الرقة والفلوجة، اللتين كانتا مركزين للثراء خلال القرن السادس عشر.

أداة مالية جديدة


وأدت التجارة مع الشرق في النهاية إلى ابتكار أداة مالية جديدة، وهي الشركات المساهمة. وكان نقل الأموال والسلع لمثل هذه المسافات الطويلة من خلال أشخاص مشكوك في مدى موثوقيتهم والتزامهم الديني يحمل الكثير من المخاطر أمام الملكة إليزابيث والتجار الآخرين.

وسمحت الشركة المساهمة لهم بمشاركة المخاطر والحوافز. ومع تزايد حركة التجارة بين الشرق والغرب في ظل حكم إليزابيث، ظلت إنكلترا شريكاً صغيراً. وسرعان ما تدفق الحرير والراوند والزبيب والتوابل والنبيذ والسكر إلى إنكلترا، ما أدى إلى تغير الأذواق وظهور العديد من الموضات وثراء الكثير من التجار.

ووفقاً لما ذكره بروتون، أصبح هناك شغف لدى إنكلترا لتحقيق التبادل التجاري مع أعدائها من أتباع المسيحية. وقام كل من الكاثوليك والبروتستانت بتطويع كافة التعاليم اللاهوتية لتبرير علاقاتهم المتعمقة مع الإسلام.

ومن وجهة نظر لوثر، قتل البابا الروح المسيحية الخالدة، بينما لم يستطع الأتراك سوى تدمير الجسد فقط. ومن ثم، يستطيع الشخص البروتستانتي تبرير علاقاته الاقتصادية مع المسلمين بصورة أبسط من تبرير علاقاته بالكاثوليك الذين كانوا يمثلون العدو اللدود للبروتستانية. وعلاوة على ذلك، يشترك الإسلام والبروتستانية في التمرد ومناهضة رجال الدين الذي يفرق كلا العقيدتين عن الإفراط المبالغ به في الالتزام الكاثوليكي.

ويرى الكاثوليك أن كتابات لوثر حول الأتراك والكاثوليك والتوافق المتزايد بين المصالح التجارية للإنكليز والمسلمين ومحاباة البروتستانية لسلطة العثمانيين تعد خطراً يتهددهم جراء توجه إليزابيث نحو الشرق.


أكثر من مجرد الحلوى


ولم تكن القوى الكاثوليكية خاطئة. وكانت إليزابيث تريد من العثمانيين المسلمين أكثر من مجرد الحلوى: كانت تريد السفن والأسلحة لمساعدتها في حربها ضد القوى الكاثوليكية. وسعت إليزابيث قبل وبعد تدميرها للأسطول الحربي الأسباني عام 1588 إلى إقامة تحالف عسكري مع العثمانيين كي توجه ضربة قوية لإسبانيا. وكان لدى إنكلترا أسطول بحري قوي، لكنه ليس بالقوة الكافية. ولسوء حظ إليزابيث، غادر كافة السفراء الذين أرسلتهم إلى اسطنبول في 1680 و1690 بلاط السلطان العثماني خاوي اليدين. ومن المنظور العثماني، لم تكن المشاحنات البسيطة للقوى الأكثر ضعفاً بأوروبا الغربية تستحق تضييع الوقت أو الجهد من جانب العثمانيين. فقد كان لدى العثمانيين اهتمامات أكثر إلحاحاً مع إيران وعلى الجبهة المجرية تجاه الغرب.

ويصحبنا بروتون خلال النصف الثاني من كتابه بعيداً عن عالم المكائد الاقتصادية والعسكرية إلى لندن ليوضح لنا التأثير الثقافي للإسلام، أو بصورة أكثر دقة، التأثير الثقافي للأفكار الغربية بشأن الإسلام.

وقد يبدو هذا التحول من عالم الحرب والتجارة إلى المسرح الأدبي بمثابة مفاجأة للوهلة الأولى؛ ويثبت بروتون كفاءته في تتبع السبل التي جلبت علاقات إليزابيث بالعالم الإسلامي من خلالها السلع الجديدة إلى إنكلترا، فضلاً عن سيل الأفكار والشخصيات والروايات الجديدة مثل شخصيات كريستوفر مارلو وجورج بيل وروبرت جرين، وبالطبع وليام شكسبير.

وكانت ذروة افتتان إنكلترا في عهد إليزابيث بالأعمال الأدبية المستوحاة من الإسلام تتمثل في مسرحية "عطيل" التي اتخذت من السفير المغربي محمد الأنوري الذي زار إنكلترا عام 1600 نموذجاً لها.

وقد استعرضت شخصية شكسبير التناقض الهائل بين الهويات الحديثة المبكرة واستحالة تحقيق التوافق فيما بينها. فقد كان عبداً سابقاً لم يحصل على حريته بعد وكان مسلماً تحول إلى المسيحية لكن ليس بصورة كلية وتزوج من امرأة بيضاء مسيحية تدعى ديدمونة.

ويقول ياجو لعطيل: "لست ما أبدو عليه". ويتعين عليه الاختيار: إما أن يكون مسيحياً أو مسلماً، حراً أو عبداً، أبيض أو أسود، أوروبياً أو عثمانياً. وكان عطيل، الزوج الأسود والمسلم السابق الذي يحارب من أجل فينيسيا الكاثوليكية، يضم كل هذه التناقضات ويخفق في تحقيق التسوية بينها، حيث يخضع في النهاية إلى القرار الوحيد المحتمل. فيقوم بقتل نفسه أمام جمهوره.

وتوفيت إليزابيث ذاتها قبل عرض المسرحية. وتفاوض الملك جيمس الأول الذي خلفها حول تحقيق التقارب مع إسبانيا، حيث أعاد إنكلترا مرة أخرى إلى مظلة أوروبا الكاثوليكية.

وفي السنوات اللاحقة، استمرت استحالة تحقيق التسوية بين تناقضات عطيل بين اعتناق المسيحية والإسلام وبين النزعة نحو الشرق والغرب، بينما طوى النسيان دور الإسلام في تاريخ إنكلترا ودروس التفاعل البناء بين المسيحية والإسلام إلى حد كبير.

- ­هذا الموضوع بتصرف عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلي اضغط هنا.