الهاربون من الموصل: أطفال فقدوا آباءهم ونساء خرجن بملابسهن.. هكذا يعاني الرجال من وحشية "داعش"

تم النشر: تم التحديث:
FLEEING MOSUL
Getty Images

شهدت الأوضاع الإنسانية شرق الموصل تدهوراً يوم الخميس الماضي مع دخول القوات العراقية للمرة الأولى منذ عامين إلى المدينة التي يسيطر عليها تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) وانخرطت في معارك من قربٍ مع المسلَّحين.

وتحذر جماعات المساعدات الإنسانية، منذ شهور، من أنَّ حملة الموصل قد تؤدِّي إلى كارثة إنسانية. وكُشف يوم الخميس 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 عن لمحةٍ من المأساة المحتمَلة.

نزح بالفعل 18 ألف عراقي من منازلهم منذ إطلاق حملة الموصل يوم 17 من أكتوبر/تشرين الأول 2016، وفق منظمة الهجرة الدولية.


مزيد من النزوح


وتحذِّر المنظمة من أنَّ الأسابيع التالية ستؤدِّي إلى المزيد من النزوح، وخاصةً بعد أن انتقلت المعركة الآن إلى شوارع ثاني أكبر مدينة عراقية. ويُعتقَد أنَّ ما يبلغ مليوناً ونصف المليون شخص ما زالوا يعيشون هناك، وفق تقرير نشره موقع سي إن إن الأميركي، الإثنين 7 نوفمبر 2016.

تدفَّق العراقيون الفارّون من القتال الشرس في الموصل وما حولها على طريق سريع رئيسٍ متجه إلى الشرق، نحو الحدود مع المناطق الكردية بالعراق. لقد خاطروا بكلّ شيء من أجل الهروب من منازلهم، تحت الرصاص المتبادل وبين المصائد التي وضعتها "داعش".

قاد بعضهم سياراتهم الخاصة، وركب بعضهم على ظهور شاحنات النقل، وكانوا يلوِّحون برايات بيضاء مصنوعة من البوليستر الأبيض، رغم أنَّهم قالوا إنَّ هذا الرمز العالمي للاستسلام لا يضمن شيئاً في ظل هذه الحرب غير التقليدية على الجهاديين الوحشيين غير التقليديين، حسب تعبير الموقع.

جاؤوا من قريتي بازوايا وكوكجلي المحرَّرتين مؤخراً، وحيَّي انتصار وسماح شرق الموصل. قال الكثيرون إنَّهم كانوا محاصرين في مجتمعاتهم تحت حُكم "داعش" منذ عام 2014، عندما سيطر المسلَّحون على الموصل وعلى بلدات مقاطعة نينوى القريبة وقُراها.

جاء صباح الخميس الماضي لهم بفرحة معرفة أنَّ "داعش" تحارب الآن على الأرجح في وقفتها الأخيرة بالعراق، ولكنَّه جاء كذلك ببؤس الهروب من الحرب.

قبضت امرأة مغطّاة بالأسود على رضيعها الباكي بين إحدى ذراعيها، وحملت بالآخر حزمة صغيرة من المتعلّقات الشخصية الملفوفة في بطانية ذات رسومات مطبوعة.

كانت قدماها المتشققتان على وشك النزيف، حيث كانت قد سارت 6 ساعات متواصلة قبل أن تصل أخيراً إلى مخيم شاسع في الخازر، وهو مُنشَأ من أجل أمثالها من الناس الذين لم تعُد لهم منازل أو الحياة التي كانوا يقدِّرونها يوماً ما.


مذبحة


قال بعض ممن وصل أخيراً إلى راي هِلم، مسؤول اللوجيستيات في منظمة Samaritan's Purse الخيرية الأميركية، إنَّ جيرانهم وأصدقاءهم وأقاربهم خرجوا من منازلهم حاملين الرايات البيضاء، وقالوا له إنَّ "داعش" تركتهم يسيرون حتى اقتربوا من الوصول إلى جنود الجيش العراقي، ثم حصدت أرواحهم.

قال هِلم إنَّ صبياً صغيراً فقد أسرته بأكملها بتلك الطريقة. لم يتحدَّث الصبي عمَّا حدث، لم يُرِد سوى التسكُّع جوار خيمة المنظمة، حيث كان عاملو الإغاثة يوزِّعون الطعام والأفرشة.

وأضاف هِلم أنَّ الصبي ربما يكون قد نجا لأنَّه قصير بما يكفي للهروب من خط النار.

قال هِلم إنَّه يوجد آخرون كثيرون مثل هذا الصبي عانوا كرب الحرب وشهدوا وحشية "داعش" العلنية. ستتطلَّب مساعدة أولئك الناس على الشفاء أكثر من مجرَّد غذاء ومأوى.

قال رجلٌ آخر في المخيم -لم يرغِب في التصريح باسمه لأسبابٍ أمنية- إنَّه تحمَّل القصف الثقيل في كوكجلي، وأضاف أنَّه قد رأى كذلك أحد مقاتلي "داعش" يفجِّر نفسه عند اقترابه من جنود الجيش العراقي.

ألصق الرجل خدّه بسورٍ من الحلقات المتسلسلة، وهو السور الذي يفصل النساء والأطفال وسكّان المخيم القدامى عن الرجال والصبية الذين وصلوا الخميس الماضي.

اضطر الذكور إلى انتظار المعاينة قبل أن يستطيعوا الدخول، وامتدّ صفٌ طويل من الطريق إلى المدخل.

قام جنود البيشمركة الأكراد المسلَّحون بحراسة المخيم، وقال أحدهم إنَّهم كان عليهم أن يكونوا زائدي الحرص في عملية التدقيق؛ إذ ربما يوجد داعشيون مندسّون وسط المنهكين من الحرب.

كانت زوجة الرجل الآتي من كوكجلي وأبناؤه على الجانب الآخر من السور. لم يرَهم منذ يونيو/حزيران 2014. أمسكت الزوجة بيد زوجها اليُسرى عبر السور، ووضعتها على وجهها وقبّلتها، ثم قبّلتها ثانيةً.

ورفَع أحد أبناء الرجل طفلته الصُغرى، وقال: "لم ترَ ابنتي جدَّها قط".

بكى رجالٌ بالغون أمام ذلك السور يوم الخميس الماضي؛ دموع لمّ الشمل، ودموع الفقد.

قد يحتمل المخيم الموجود في الخازر ما يصل إلى 11.000 أسرة، وفق منظمة Samaritan's Purse، وكان يمتلئ بسرعةٍ.

قال هِلم: "لم نرَ الأسوأ بعد".


جوعى


إنَّ الكثيرين من العراقيين الفارّين من الموصل فقراء. وقالوا إنَّ الحياة تحت سيطرة "داعش" كانت صعبة صعوبةً لا تُطاق دون كهرباء ولا مدارس ولا خدمات أخرى. ودون عمل، ولم يكونوا يملكون مالاً، وكانوا جائعين.

وقال شاكر محمود أبو أحمد، راعي الأغنام في بازوايا، إنَّ حياته صارت صعبة بعدما رفضت "داعش" السماح له برعي أغنامه في الحقول الواقعة خارج المدينة. وقالوا له إنّه سيُقتل في غارةٍ جوية إن غادر.

كان هو وأغنامه الأكثر قليلاً من 40 من الغنم في حقل الأتربة الذي يبعد عن مخيم الخازر بضعة أميال. فرَّ من بازوايا بمجرد أن دخلتها القوات العراقية.

تمكَّنت زوجته وأطفاله من الوصول إلى مخيم الخازر، ولكنَّه عَلِق مع أغنامه في أرضٍ خالية، بين إقليم يسيطر عليه كلٌ من الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية.

وتابع أحمد: "ليس أمامي خيار سوى البقاء هنا. لا يمكنني ترك أغنامي"؛ فهُي سبيل رزقه. يمكنه بيعها بسعر 130 دولاراً للغنم الواحد.

بدورها، عَلِقت أم يونس، البالغة من العمر 40 عاماً، أيضاً مع أغنامها. كان زوجها ما يزال في الموصل ولم تكُن تعرف ما إذا كان حياً أم لا. عندما فرَّت وبقية أسرتها من المنزل في الثالثة فجر يوم الخميس الماضي، وأطلق قنّاص الرصاص على حميها. أخذته سيارة إسعاف عراقية بعيداً، ولكنّها قالت إنَّها لم تعرف إلى أين أخذته.

وقالت إنَّ "داعش" أجبرتها على تغطية كل بوصة من جسدها باستثناء عينيها، ممَّا صعَّب كثيراً رعي الأغنام، وخاصةً في الصيف، عندما ارتفعت درجات الحرارة إلى ما يزيد على 100 درجة (فهرنهايت).

سارت 7 ساعات بصحبة أغنامها التسعين للوصول إلى الأمان، ولكن لم تكُن لديها فكرة عن المكان الذي ستنام فيه الليلة، أو ليلة غد، أو الليلة التي تليها.

جلست على جانب الطريق السريع، على بُعد بضعة أقدام فقط من مركز تسوق تعرَّض للقصف حتى انطمس، ولم تعرِف إلامَ سيؤول حالها.

حمل بعض العراقيين الذين فرّوا يوم الخميس أواني ومقليات وأغطية فراش وأغراضاً أخرى من المنازل التي تركوها خلفهم. وبعضهم الآخر لم يحمل شيئاً سوى حياتهم والملابس التي يرتدونها.

ولكنهم قالوا إنَّهم، على الأقل، قد نجوا.