"نهاية النظام السوري من داخله".. كيف يلعب رافضو التجنيد الإجباري دوراً في هزيمة الأسد؟

تم النشر: تم التحديث:
E
e

يعتقد غالبية الناس بأن الحرب الأهلية السورية صراع مدمر بين خصمين متعصبين يأبيان الاستسلام حتى آخر جندي وهما: الجماعات الجهادية السنية من ناحية، وجنود الجيش السوري الأوفياء لنظام بشار من ناحية أخرى. لكن على الأرض، يبدو الواقع مغايراً بعض الشيء. فهناك العديد من السوريين الذين لا يرغبون في الانضمام إلى صفوف الجيش السوري، لكنهم مجبرون على فعل هذا لأسباب عديدة. وبمعنى آخر، فإن تولي أشخاص مناصب ضمن نظام بشار لا يعني بالضرورة دعمهم له.

ويرى أندريا جيولتي، الصحفي والمحرر والباحث الاستشاري المتخصص في قضايا الشرق الأوسط، أن مثل هذا الوضع يعد فرصة ضائعة؛ مبرراً وجهة نظره بقوله: "في الوقت الذي يكرر فيه المحللون الغربيون دعواتهم لتسليح جماعات المعارضة وفرض حظر جوي على بعض المناطق السورية، لم يلتفت كثيرون إلى أهمية تقديم حوافز تشجع عناصر الجيش السوري والميليشيات المناصرة للنظام على الانشقاق عنه. وقد تضعف هذه الانشقاقات، إذا ما كانت كبيرة، من قوة النظام السوري وقد تجعله أكثر مرونة في المفاوضات"، بحسب ما ذكرت صحيفة "فورين بولسي" الأميركية.

ويوضح جيولتي أن نظام التجنيد الإجباري في سوريا يطبق على كل رجل يبلغ سن الـ18 عاماً، ويمكن إرجاء الخدمة العسكرية للطلاب الذين يستأنفون دراستهم بعد الثانوية العامة وأكبر الأبناء الذين توفي والدهم وبعض الحالات الأخرى.

وتصل عقوبة المتهربين من التجنيد الإلزامي إلى السجن لمدة 15 عاماً، وكثيراً ما يعفو النظام عنهم ليعيدهم مرة أخرى إلى صفوف الجيش، وفقاً لمنظمة العفو الدولية. ونتيجة لهذا، باتت صفوف الجيش السوري معبأة بقصص لا حصر لها لشباب سوري أُجبر على الالتحاق بالجيش رغم معارضته للنظام. ويفضل بعض هؤلاء الشباب الانضمام إلى الميليشيات المسلحة لأسباب اقتصادية بحتة. ويجسّد أحمد، الطالب السابق في كلية الهندسة بمدينة اللاذقية، نموذجاً للشباب الذي يلتحق بالميليشيات لأسباب اقتصادية.

ويروي الصحفي المتخصص في قضايا الشرق الأوسط أنه مع اندلاع الثورة ضد حكم بشار في عام 2011، شاهد أحمد فيديوهات المظاهرات المنتشرة على الإنترنت وتمنى أن ينضم إلى صفوف المتظاهرين يوماً ما. لكن أمه التي توفيت أثناء ولادته، ووالده الذي يعاني من إعاقة دائمة وفقرهم حال دون تمكنه من الذهاب إلى كليته كل يوم وتحمل مصاريف الدراسة. وفي عام 2012، ترك أحمد دراسته وانضم إلى ميليشيات صقور الصحراء المناصرة لنظام الأسد التي تمنحه 125 دولاراً شهرياً ليغطى المصاريف الدراسية لأخته وتكاليف علاج والده.

ويؤكد جيولتي أنه عند إعطاء السوريين حرية الاختيار فإنهم يفضلون الانضمام إلى هذه الميليشيات، التي يمولها رجال الأعمال الأثرياء، بدلاً من الالتحاق بصفوف الجيش النظامي، مدفوعين بإغراءات الرواتب التي تصل إلى الضعف والسماح لهم بالقتال قرب مناطقهم. ولم يسعف الحظ أحمد للبقاء كثيراً في مدينته اللاذقية. ففي مطلع العام الحالي قُتل الشاب الصغير بالقرب من مدينة تدمر وهو يدافع عن النظام الذي يكرهه.

ويشير إلى أن التهرّب من الخدمة العسكرية أمر شائع بين الشباب السوري غير المستعد للموت في سبيل النظام الحالي والرافض لغالبية فصائل المعارضة التي تهيمن عليها نزعة إسلامية. ويعيش بعضهم مختبئين في أحيائهم سنوات؛ لتجنب دوريات الجيش. بينما يفضل بعضهم الهروب إلى المناطق الريفية؛ بعيداً عن نقاط التفتيش التي يقيمها النظام لتعقب الفارين من التجنيد الإلزامي بالمدن السورية.


الفقر والخيارات المطروحة


ويبين المحرر الصحفي أن أيمن، القادم من قرية ساحلية تتبع الطائفة العلوية الحاصل على شهادة البكالوريوس في عام 2011، تمكن من تجنب تجنيده إجبارياً لمدة عامين بعد تخرجه. ومع اندلاع الثورة، دأب على رسم شعارات مناهضة للنظام على الجدران في الوقت الذي كان يعمل فيه بمزارع الزيتون والتبغ المملوكة لعائلته. لكن في أبريل/نيسان 2013 نفدت جميع خياراته وقبض عليه الجيش.

حدَّ الفقر من الخيارات المطروحة أمام أيمن، فلم يتمكن من تحمّل تكلفة السفر إلى أوروبا أو رشوة مسؤول لمسح اسمه من قوائم التجنيد الاحتياطي أو حتى دفع 300 دولار لتأجيل خدمته العسكرية لمدة 6 أشهر فقط. وتظهر الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين هؤلاء القادرين على تجنب التجنيد الإجباري وهؤلاء المجبرين على الالتحاق بالجيش جليةً في شوارع مدينة طرطوس الساحلية التي تخلو أحيائها الثرية من صور الشهداء المنتشرة في العديد من المناطق السورية الأخرى.

ويؤكد جيولتي أن قصة أيمن تعد واحدة من هذه القصص الحزينة. فعلى مدار 3 سنوات من الخدمة العسكرية تدهورت صحته العقلية تدريجياً بينما يخدم جيشاً لا يؤيده. وفي نهاية المطاف قُتل أيمن في معركة للسيطرة على حلب في أغسطس/آب الماضي. إن قصته واحدة من روايات لا حصر لها لشباب سوري مات تحت مسمى التجنيد الإجباري.


عامر وحلم العزف على الغيتار


ويروي جيولتي قصة أخرى عن عامر سليمان (الاسم الوحيد الحقيقي في هذا التقرير) الذي جاء من قرية بستان الحمام القريبة من مدينة بانياس الساحلية، حيث حلمه أن يكون عازف غيتار، لكن كان للحياة خططٌ أخرى. أجبر سليمان على ترك دراسته الموسيقية والالتحاق بالجيش في عام 2011. أرسل للقتال في حي تسيطر عليه المعارضة في مدينة القصير، الموجودة في شمال مدينة حمص. لكنه عزم على إطلاق النار في الهواء كلما صدرت له أوامر باستخدام سلاحه. اعتقد رؤسائه أنه يعاني من اختلال عقلي وتم نقل إلى وظيفة إدارية.

التقط سليمان أنفاسه عندما حصل على إجازة في عام 2012. وعاد إلى مدينة بانياس وشرع في تدريس الجيتار، لكن هذا الوضع لم يستمر كثيراً. فسرعان ما استدعي مرة أخرى وأرسل إلى مدينة القصير. عندما سمع عن المجزرة التي ارتكبها النظام السوري في مدينة البيضا في مايو/ آيار 2013، طلب من عائلته التبرع بملابسه ومدخراته للنازحين. بعدها بأيام، قتل سليمان بقذائف المعارضة.

ويوضح المحرر الصحفي أن هذا لا يعني أن جميع جنود الجيش السوري أُجبروا على الالتحاق بالخدمة العسكرية. فلدى الجيش والميليشيات الكثير من المناصرين للنظام بين صفوفهم، فضلاً عن المجرمين والعصابات التي استغلت الصراع الدائر على مدار الخمس سنوات الماضية لمضاعفة ثروتها ونفوذها. لكن من المهم أيضاً تسليط الضوء على حالات التجنيد الإجباري الكثيرة، التي تمثل فرصة هامة لم تستغل جيداً حتى الآن.
ويرى أنه ينبغي على القوى الإقليمية والدولية، التي تدعي رغبتها في إنهاء الصراع السوري، بالإضافة إلى العديد من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في المنطقة، استهداف الشباب السوري كأحمد وأيمن وعامر عبر توفير الدعم النفسي والمادي لهم. ويمكن فعل هذا خفية في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري.


كيف نساعد الهاربين من التجنيد؟


ويؤكد جيولتي أن العديد من الهاربين من التجنيد الإجباري يرفضون الانضمام إلى صفوف المعارضة حتى وإن وُعدوا برواتب أفضل، لأسباب عديدة: أيديولوجية وسياسية وطائفية. لكن تزويدهم بالمساعدة المادية أو حتى مساعدتهم في الهروب من سوريا سيشجع كثيرين على الانشقاق عن صفوف الجيش النظامي، ما قد يضعف من قوة النظام ويقلص من عدد هؤلاء المستعدين للموت في سبيل الأسد. يمكن توصيل المال من لبنان للمناطق التي يسيطر عليها النظام بسهولة عبر وسطاء ويمكن توفير ممرات آمنة للهروب إلى لبنان عبر رشوة مسؤولين سوريين على الحدود.
ويضيف: "ويمكن أيضاً للمنشقين الهروب إلى تركيا، شريطة أن يضغط الغرب على أنقرة من أجل فتح حدودها وتوفير ممرات آمنة للهاربين عبر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة".
ولا ينبغي أن يتوقف الأمر عند حدود الدعم المادي واللوجستي. فلابد أن يمتد إلى رفع الوعي العالمي حول أزمة الهاربين من التجنيد الإجباري في سوريا لزيادة الضغط على النظام السوري، تماماً مثلما هي حالة رافضي التجنيد الإجباري في إسرائيل والمعروفين باسم "سارفانيم".

فقد شكلت مقاومتهم جدلاً بين الرأي العام ليس فقط في إسرائيل بل على المستوى الدولي. وفي المقابل يخشى الرافضون للتجنيد الإجباري في سوريا مجرد نشر أسمائهم. ومنذ اندلاع الثورة السورية، انشق حوالي 20 ألفاً إلى 100 ألف جندي عن الجيش النظامي البالغ عدده الإجمالي 300 ألف جندي. وانضمت قلة من المنشقين إلى صفوف المعارضة.

ويعترف جيولتي بأن هذه الانشقاقات لم تؤدِّ إلى انهيار صفوف النظام لأنها حالات فردية ولم تمتد إلى انشقاق كتائب كاملة. وحاجج البعض بأن هذه الانشقاقات جعلت الجيش السوري يحتفظ بأكثر الكتائب التزاماً وولاءً له. لكن الأمثلة التي ذكرناها تشير إلى شيء مغاير.

ويوضح أن الدعم الروسي العسكري لنظام الأسد، الذي بدأ منذ عام تقريباً، ساهم في تقوية شوكة النظام وطمأنة الأسد إلى أنه لا يحتاج إلى إبرام مساومات أو الانخراط في أي محادثات حقيقية للسلام. لكن إذا تبخر من حوله جزءٌ كبيرٌ من جيشه، ربما يعيد النظام السوري الوحشي حساباته بشأن انتصاره.

أندريا جيولتي صحفي ومحرر وباحث استشاري متخصص في قضايا الشرق الأوسط.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.