اعتنقت الإسلام بخصائص صينية.. أقلية تنجح في التعايش مع الحزب الشيوعي ودولته الملحدة.. كيف فعلت ذلك؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

سمح التكيف مع تعليمات النظام الصيني للإسلام بالاستمرار في مناطق الـ"هوي". لكن المؤمنين الحقيقيين يقولون إنه يبتعد عن صحيح الدين.

وإذا تجولت في محافظة لينشيا ذاتية الحكم لقومية "هوي" في مقاطعة غانسو شمال غربي الصين، ترى المآذن تلوح في الأفق كل بضع دقائق، بحسب ما ذكرت صحيفة "فورين بوليسي".

العديد منها ينتمي إلى مساجد تشبه معابد الداوية، تفاصيلها مزيج من الملامح المعمارية الصينية والإسلامية التقليدية: مطرقة الباب البرونزية منقوش عليها كلمة "الله" باللغة العربية، هلال فوق قمة سقف القرميد والحجر، الأعمدة الحجرية المنقوش عليها حديث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، باللغة الصينية. هذا موطن الـ"هوي"، وهي أقلية صينية قوامها نحو 10.5 مليون نسمة، تتميز عن الهان، عرق الأغلبية، بهويتهم الإسلامية.


علاقة الحزب الشيوعي الحاكم بالمسلمين


لطالما كانت علاقة الحزب الشيوعي الحاكم في الصين مع الدين مشوبة بالتوتر، فهو يفرض قيوداً قاسية بمناطق مثل شينغيانغ والتبت، حيث ينظر للهوية الدينية كمدعاةٍ إلى النزعة الانفصالية.

حساسية الرئيس الصيني، شي جين بينغ، الشديدة تجاه المجتمع المدني والتأثيرات الأيديولوجية الخارجية، بالإضافة إلى انتشار ظاهرة الإرهاب على المستوى العالمي، زادت من توجس الحكومة من المسلمين.

في الوقت نفسه، أصبح التيار العام في مجتمع الـ"هان"، خاصة على شبكة الإنترنت الصينية، يوجه انتقادات لاذعة للمسلمين على نحو متزايد.

شوفينية الـ"هان" والقومية الإثنية شائعة في منتديات الإنترنت، بما في ذلك تحذيرات معادية للمسلمين في بعض الأحيان، تزعم أن المساجد ستهمّش الحزب قريباً.


الإسلام يزدهر مقابل انتقادات إصلاحية


الإسلام يبدو مزدهراً بين الـ"هوي". يشكل مسلمو الـ"هوي" الغالبية العظمى من نحو 14 ألف حاج صيني يذهبون إلى الحج في مكة المكرمة كل عام. وقد قامت الصين ببناء حديقة ثقافة الـ"هوي" مترامية الأطراف في نينغشيا، تخليداً لإسلام الـ"هوي"، باعتباره النموذج المثالي للدين في الصين. أعلى الأصوات انتقاداً للـ"هوي" ليست أصوات مسؤولي الدولة، لكن أصوات الإصلاحيين من داخل مجتمع الـ"هوي"، أغلبهم من العائدين من الدراسات الدينية في الشرق الأوسط. فهم يسخرون من إسلام الـ"هوي"، ويعتبرونه سطحياً جداً، سواء بسبب اختلاط ممارسات المسلمين مع الممارسات الكونفوشيوسية والداوية؛ ولأنهم يعتقدون أن الكثير من المسلمين استسلموا للمادية والفساد.

من المثير للسخرية أن ازدهار الإسلام بين الـ"هوي" يعتمد، على وجه التحديد، على الخصائص التي يقول سكان محليون إنها صينية في الأساس: الوطنية اللا سياسية، والقدرة على التكيف، والاهتمام بالجوانب المادية للحياة أكثر من الجوانب العقدية.

وسط تصاعد مدّ القومية العرقية، يحافظ الـ"هوي" على الإسلام في الصين عن طريق تطبيق النموذج "الصيني" من الدين. فتعايشهم السلمي نسبياً مع الدولة والحزب يختلف عما يقدر بـ10 ملايين من اليوغور في الصين، وهي قومية ناطقة بالتركية، يعيش معظمها في منطقة شينغيانغ بأقصى غربي الصين (ويقدر عدد المسلمين في الصين بنحو 23 مليوناً).

وبينما ارتفعت هجرة الـ"هان"، التي تدعمها الدولة، إلى شينغيانغ على مدى السنوات العشر الماضية، انفجرت التوترات بين الـ"يوغور" والـ"هان" في اشتباكات عرقية عنيفة، فضلاً عن بعض هجمات الـ"يوغور" المسلحة على المدنيين. تسبب هذا في المزيد من العنف، وتنميط اليوغور كانفصاليين متطرفين، خاضعين لنفوذ أجنبي، على النقيض من الـ"هوي" الذين استطاعوا المزج بين الثقافة الصينية والإسلامية.


الإسلام بخصائص صينية


مارس الـ"هوي" الإسلام بخصائص صينية منذ القرن السابع، عهد سلالة تانغ، عندما هاجر التجار العرب وتجار آسيا الوسطى، وتزوجوا منهم، ونشروا دينهم على طول طريق الحرير القديم. أصبحت ذريتهم في نهاية المطاف أقلية عرقية متميزة، رغم أن معظم الـ"هوي" لا يتميزون من ناحية الشكل عن الـ"هان" الصينيين.

على مر التاريخ، حاول بعض الـ"هوي"، بنشاطٍ، دمج الثقافتين الإسلامية والصينية. في القرن الثامن عشر، على سبيل المثال، كتب الباحث ليو تشي، المنتمي إلى الـ"هوي"، كتاباً سمّاه "هان كتاب"، الذي يعد توليفة بين الإسلام والكونفوشيوسية، واعتبر فيه محمداً واحداً من الحكماء، وربط بين الشريعة الإسلامية والطقوس الكونفوشيوسية. وأعرب عن اعتقاده بأن الممارسة المشتركة للاثنين تنشر الفضيلة وتنتج الانسجام الاجتماعي.


انتقادات لتشويه الإسلام



لا يزال هذا المزيج بين التقاليد الصينية والإسلامية يظهر في مساجد الـ"هوي" حتى الآن. في محافظة لينشيا ذاتية الحكم، التي تقطنها عرقية الـ"هوي"، التقيت مشرف Zhongmuwang، أو "شبكة المسلم الصيني"، منتدى على شبكة الإنترنت، طلب أن يُذكر باسمه العربي "حسن". أخذني لزيارة عدد من الأضرحة التي بُنيت على قبور الأولياء الصوفيين. يوجد برج ثُماني الجوانب، يرمز إلى باغوا، أو "الرموز الثمانية"، نظام علم الكونيات القديم - فوق أحد القبور، وزين بالخط العربي ورمزي يين ويانغ. يشتعل البخور أمام مقام الرجل، وقال لي حسن إن بعض المصلين ينحنون أمامه.

وأضاف: "بعض الناس يعتبرون هذا تشويهاً للإسلام، لكنهم لا يفهمون التاريخ الصيني. الدين هنا يجب أن يتكيف ليظل على قيد الحياة".

أولئك الذين يعتبرون هذه القدرة على التكيّف تشويهاً، غالباً ما يكونون من طلاب "هوي" الذين يتعلمون الإسلام في الخارج ويتمسكون به.

في عام 1995، غادر الإمام ما جون، البالغ من العمر 23 عاماً آنذاك، مسقط رأسه في لانتشو عاصمة غانسو، لدراسة الشريعة الإسلامية واللغة العربية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. بعد 5 سنوات عاد عازماً على الإصلاح. يقول ما: "كدت أشتعل غضباً عندما عدت من المملكة العربية السعودية".


جدتي مثال ممتاز


"شعرت بمسؤولية قوية. لم يكن لدى المسلمين الصينيين ما يكفي من الإيمان. كانوا سطحيين جداً وملوثين". كما سخر ما شين، البالغ من العمر 24 عاماً، وهو طالب من الـ"هوي" عاد مؤخراً إلى لانتشو بعد إتمام دراسته بجامعة الأزهر في القاهرة، من اعتناق الـ"هوي" للتقاليد الصينية. "جدتي مثال ممتاز. فهي تعطي شيوخ الصوفية المال ليصلوا من أجلها، وتحرق البخور، وتجعلنا نشرب الرماد عندما نكون مرضى"، مشيراً إلى الممارسة الشعبية الصينية من حرق وشرب "الورق المبارك" للشفاء من الأمراض.

وأضاف: "لا يمكن أن أتقبل هذا. هذا تشويه للإسلام". رفض ما شين تقاليد عائلته الصوفية، وآثر ممارسة الإسلام على مذهب Yihewani (أو الإخواني)، وهي طائفة إصلاحية أسسها "ما وانفو" في غانسو بالقرن التاسع عشر، وهو مسلم صيني عقد العزم على تنقية الإسلام في الصين بعد أن درس بمكة المكرمة. (العديد من الألقاب لدى الـ"هوي" هي تحريف لأسماء المسلمين العربية والفارسية: "ما" يعني "محمد"، وهو شائع بشكل خاص).

لكن بكين تفضل الدين الذي يظهر الولاء السياسي والتكيف الثقافي، كما تعلم قادة الـ"هوي" بسرعة.

عندما عاد ما جون إلى الصين، أنشأ مدرستين دينيتين غير رسميتين. في عام 2000، أسس مدرسة عربية خاصة في غوانجي، وهي بلدة ذات أغلبية من الـ"هوي" لانتشو ولينشيا.

وفي عام 2008، بدأ في إعطاء الدروس الدينية من خلال برنامج للأقليات في المدارس المتوسطة العامة بلانتشو. يحظر القانون الصيني تدريس المواد الدينية في المدرسة، ولكن "ما" أدخل القرآن في دروس اللغة، وكذلك التفسير السلفي على الطريقة السعودية. بحلول عام 2010، كانت السلطات قد أغلقت كلا البرنامجين.


5 ديانات في بلد ملحد


رغم أن الصين دولة ملحدة رسمياً، تسمح الحكومة بممارسة 5 ديانات رسمية - البوذية والطاوية والكاثوليكية والمسيحية والإسلام - طالما تمارس في مواقع تعترف بها الدولة، وتظل مستقلة عن النفوذ الأجنبي ولا تعمل على نشر دعوتها بين المواطنين.

في مؤتمر العمل الديني المركزي - مؤتمر وطني عقدته الدولة لمناقشة الأديان في الصين في أبريل/نيسان الماضي - أكد شي أن الجماعات الدينية يجب أن "تدمج المذاهب مع الثقافة الصينية" وتنأى بالدين عن السياسة والشؤون الحكومية والتعليم.

من ثم، فإن الدولة تسمح ببعض المساحة لممارسة الشعائر الدينية، قد تكون مقيدة، لكن أولئك الذين يتعلمون تقديم التنازلات يمكنهم أن يمارسوا شعائرهم من خلالها. في عام 2010، قرر ما جون العمل من داخل النظام.

تخلى عن جهود الإصلاح الخاصة به وأصبح إماماً في مسجد Xinguan بلانتشو، وهو مسجد تقليدي داخل الحي الإسلامي في لانتشو، الذي يلتزم بالعقيدة وفقاً لمدرسة Gedimu، هو أقدم مذهب إسلامي في الصين. ارتقى بسرعة في التأثير، فكان إماماً لبعثة الحج التي ضمت نحو 3000 من الحجاج من الـ"هوي" في عام 2014، وهي عملية تقوم بالإشراف عليها الجمعية الإسلامية شبه الحكومية في الصين.

كانت اللقاءات مع الدولة في ذلك الوقت قد خففت من حدة تمسك ما جون بتوجهاته المذهبية. يقول ما: "مجرد أن تعيش في الصين كمسلم، صعب بما فيه الكفاية. الطريق ضيق. إن مشى شخص عليه، لا نقول له: أنت لست مثالياً، لا تسر من هنا. علينا أن نتدرج معه".


"أحب بلدك.. أحب دينك"


لا يبدو أن التباين بين الدين والحزب الملحد يضايق معظم القادة من الـ"هوي"، حيث يقول ما ينهوا، مالك مكتبة فنغكيو التي تعنى بدراسات الأقليات: "الشعب الصيني مرن. بعض التنازلات مقبولة. في الوقت الراهن، يعتبر شعار (أحب بلدك، أحب دينك) مناسباً. لكن (أحب الحزب) قد يكون مبالغاً فيه. حتى أعضاء الحزب لا يحبون الحزب بالضرورة".

وأضاف أن الكذب الخطابي أمر طبيعي في الصين. ثم أوضح قائلاً: "مثل وضعنا الاقتصادي: إنها رأسمالية، لكن يمكن أن نسميها اشتراكية. الدولة تكذب على نفسها. ماذا إذا كذب الناس على الدولة؟ الجميع يعلم. لا مشكلة".

تقديم التنازلات والفساد من أسباب ضحالة الإيمان، كما أوضح الإمام ما، والسبب في أن الـ"هوي" لا يشكلون تهديداً، مهما بدت عليهم علامات التدين. يقول: "لقد تم تهميش الدين في الصين. الجميع يركز على المال. نحن أكثر عرضة بكثير للتوجه نحو الفساد والتسييس من التطرف".

وأضاف أنه نادراً ما يذهب إلى اجتماعات الجمعية الإسلامية الصينية، لأن لا أحد هناك يريد أن يتحدث عن العقيدة. "الأئمة يسألون: هل لديك آيفون 6 أو 6S؟ ما نوع السيارة التي تقودها؟ مثل معظم الشعب الصيني، يهتم الـ(هوي) بالحاضر المادي أكثر بكثير من الحياة الآخرة. ليسوا مستعدين للتخلي عن حياتهم من أجل النضال الديني أو التضحية".



مرة أخرى في لانتشو، اصطحبني مسلم يسمي نفسه عبدالحليم، يمتلك مع أسرته سلسلة مطاعم تقدم لحم الضأن الحلال، لرؤية المسجد الذي افتتحوه مؤخراً، بالإضافة إلى المدرسة، ودار رعاية المسنين. وقال إن السلطات لم تعرقل فتح أي من هذه. ويؤكد: "سياسات الأقليات الدينية جيدة. تحاول الحكومة الحفاظ على الوحدة العرقية، دون أن تعكر صفو الأقليات. حتى عندما ترتكب بعض الطوائف أفعالاً سيئة، لا تعاقبهم الحكومة".

يقول عبدالحليم إن القيادات الدينية تقاوم محاولات الحكومة مصادرة الأراضي من خلال الزعم بأن ملكية الأرض جزء من وقف المسجد، على سبيل المثال. على الرغم من أن بعض أئمة المساجد يكذبون، تمتثل الحكومة عادةً.

كما تدعو الجمعية الإسلامية في كثير من الأحيان الزعماء الدينيين لجولات تمولها الدولة ورحلات إلى محافظات أخرى. عندما سألت ما إذا كان هذا فساداً، ضحك عبد الحليم: "الفساد مفيد للحكومة! إذا كان العدو واضحاً، سنتحد جميعاً للقتال من أجل ديننا وهويتنا. إذا كان العدو غير مرئي - الشهوة، والمال، والأنانية - فسنهزم أمامه بسهولة".


مزج الهوية


في لينشيا، أكد حسن أن لدى الـ"هوي"، كما هو الحال في المجتمع الصيني المعاصر، لا تعكس المظاهر دائماً الاعتقاد الداخلي. وأضاف: "هناك آلاف المساجد في لينشيا، لكن هذا أمر سيئ". قال لي ذلك حين مررنا في طريقنا على المنشآت الدينية السلفية، والإخوانية، والهياكل الصوفية والنساء يرتدين الحجاب على دراجاتهن النارية.

يقول حسن إن انتشار المساجد والأضرحة يعكس فقط التفرقة والطائفية. وأضاف: "الناس يقولون إن هذا هو التطرف الديني، أنا أظن أنها العلمنة. العلمانيون فقط هم من يعتقدون أن بناء المزيد من المساجد تعبير حقيقي عن الإيمان". قد يظن الغرباء أن هناك تعارضاً بين المآذن والأعلام الصينية من مناطق الصين التي يسكنها شعب الـ"هوي"، كما يرى حسن، لكن هذا لأنهم لا يرون سوى السطح فقط.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.