فخ التعويم "أول الشهر".. لماذا تجمع البنوك المصرية الدولار ولا تبيعه رغم قرار البنك المركزي بتحرير سوق الصرف؟

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN POUND
تعويم الجنيه | KHALED DESOUKI via Getty Images

"يا افندم مفيش دولار حتى ولو من حسابك الدولاري".. بتلك الكلمات رد محمود، موظف بنك مصر (فرع الهرم)، على أحد العملاء الذين توجهوا إليه قبل الساعة 12 ظهراً بتوقيت القاهرة لصرف جزء من حسابه الدولاري، مؤكداً أنه ليس لديه دولار لتغطية السحب الشخصي داخل الفرع، وأن من يرغب في سحب الدولار من حسابه من الأفضل له أن يتوجه إلى مقر البنك الرئيسي وسط البلد.

هذا كان أحد المشاهد التي رصدتها "هافينغتون بوست عربي"، في جولة على 10 فروع لبنوك مختلفة، بينها بنكا مصر والأهلي الحكوميان، التي كشفت عن توجيهات مصرفية بعدم إخراج أي مبالغ بالدولار إلى المواطنين، حتى لمن يمتلك حساباً دولارياً ويوجد به رصيد شخصي له، وأن تكتفي البنوك بإجراء عمليات شراء وفقاً للسعر الجديد الذي تم إعلانه اليوم بعد تحرير سعر الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية.

وقالت مصادر بنكية إن التعويم جاء في بداية الشهر ليتواكب مع تحويل المصريين بالخارج نحو مليار و500 مليون جنيه شهرياً، الأمر الذي أدى إلى ارتباك السوق الموازية للدولار في الأيام السابقة للقرار.


بنك مصر: نشتري فقط والإقبال ضئيل


البداية كانت مع أحد فروع بنك مصر بمنطقة الهرم، فعند دخول فرع البنك كان السؤال المكرر من نحو 10 عملاء من المتواجدين داخل الفرع، وهو: "فيه (هل هناك) دولار؟"، فيما كانت باقي التعاملات بالفرع طبيعية بعيداً عن العملات الأجنبية.

وهنا، تروي السيدة حنان -وهي في العقد الخامس من عمرها- أن هذا هو الفرع الثالث الذي تمر عليه من فروع بنك مصر، في محاولة لصرف حوالة أرسلها ابنها من الخارج على حسابها الشخصي الدولاري، ولكنها فشلت منذ الساعة 9 صباحاً في صرف أموالها.

وذكرت حنان لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الموظفين نصحوها بعدم البحث كثيراً، وأن عليها الانتظار حتى يوم الأحد 6 نوفمبر/تشرين الثاني، خاصةً أن البنوك في حالة ارتباك مع قرار البنك المركزي المصري صباح اليوم بتعويم الجنيه المصري.

وفي سؤال لأحد موظفي البنك عن سبب وقف عمليات صرف الدولار، قال إن "التعليمات التي جاءت لنا أن يكون التعامل البنكي، فيما يخص الدولار طوال اليوم، هو الشراء فقط، وفقاً للأسعار الجديدة، وإبلاغ أي عميل يرغب في صرف جزء من حسابه الدولاري أنه لا تتوافر كميات من العملة اللازمة لعملية الصرف".

وعن إمكانية شراء الدولار من البنك، أوضح الموظف أنه ليس هناك أي تغيير في التعليمات الخاصة بعملية بيع البنك للدولار لراغبي الشراء، وأن التعليمات السابقة هي بيع حد أقصى 500 دولار لمن يمتلك جواز سفر وتأشيرة بموعد محدد للسفر، وهذا الأمر أيضاً متوقف، ولكن منذ أكثر من 3 أسابيع!


البنوك الخاصة على خطى تعليمات "المركزي"


ومع التحرك سريعاً لرصد واقع عمليات شراء وبيع الدولار قبل العطاء المقرر لتحديد سعر بيع الدولار الجديد قبل الواحدة ظهراً بتوقيت القاهرة، توجهنا إلى بنك أجريكول مصر (فرع الهرم)، وعند دخول البنك كان عدد المتواجدين لا يزيد عن 5 أشخاص.

وبالتوجه إلى أحد موظفي خزينة البنك للسؤال عن إمكانية شراء الدولار، قال: "لا، والله، يا افندم معنديش دولار إحنا بنشتري فقط، والأسعار زادت رسمياً".

ولكن الموظف أكد، أنه في حال امتلاكي حساباً شخصياً تابعاً للبنك نفسه، فإنه يمكنني صرف الدولار وفقاً لحدود ما هو موجود داخل الحساب، وأضاف: "يا افندم الدنيا لسه ضبابية وسوق الصرافة شبه متوقفة منذ يومين تقريباً، وإن ما يقال عن إمكانية بيع وشراء الدولار من البنوك بشكل مباشر وسهل لا يمكن توقع حدوثه إلا بعد عدة أيام".


تعليمات جديدة في الطريق


ولم يختلف الحال عند التوجه إلى أحد فروع البنك الأهلي، حيث توقفت عمليات إخراج الدولار، ولو واحداً من البنك، ولكن كان الاختلاف في حديثنا مع نائب رئيس فرع البنك الذي قال إن ما نعلمه أن هناك عدة قرارات تم اتخاذها، سوف يتم الإعلان عنها تباعاً بعد قرار تعويم الجنيه.

وأكد نائب رئيس فرع البنك، الذي فضل عدم ذكر اسمه، في حديثه مع "هافينغتون بوست عربي"، أن قيادات البنك المركزي تنتظر نتائج قرار تعويم الجنيه وارتفاع سعره عن السعر المتاح في السوق السوداء، بعد انخفاضه أمس نتيجة عدة إجراءات اتخذتها الحكومة بخصوص الاستيراد، مشيراً إلى أن الجهود المبذولة الآن هي جمع أكبر كم من العملات الأجنبية عن طريق البنوك.

ونوه إلى أن القرار كان متعمَّداً أن يكون في بداية الشهر حتى يتواكب مع موعد تحويلات المصريين بالخارج إلى أهاليهم داخل مصر، والتي تصل إلى أكثر من مليار و500 مليون جنيه شهرياً، ومنع توجه تلك الكمية إلى السوق السوداء للمساهمة في الحد من سعر الدولار عند عودة حركة التصدير إلى طبيعتها.


"لو عاوز تصرف دولار بيعه داخلياً للبنك"


وفي محاولةٍ أكثر لمعرفة ردود الفعل على قرار تعويم الجنيه، توجهنا إلى فرع آخر لبنك مصر بالجيزة، وهنا وجدنا أزمة بين أحد العملاء بالبنك (حسين أحمد) وهو في العقد الثالث من العمر، مع أحد موظفي خدمة العملاء داخل الفرع؛ وذلك لإصرار الأول على صرف التحويل الدولاري الذي يرسله أخوه إليه من الخارج، ورفض الموظف ذلك تنفيذاً للتعليمات بعدم صرف الدولار بحجة أنه لا توجد سيولة.

وفي أثناء حديث الطرفين، قال حسين للموظف: "يا بيه، دي فلوس هتروح لعيال أخويا وهما محتاجينها ولازم أصرفها.. قولي أعمل إيه وأنا من الصبح بلف على البنوك! ومش هينفع أنتظر إلى يوم الأحد!".

وهنا، رجع موظف خدمة العملاء إلى رؤسائه داخل البنك وجاء إليه بالحل الوحيد لإمكانية صرف أموالٍ هذا اليوم، حيث قال له: "الحاجة الوحيدة المتاحة الآن هي موافقتك على إجراء عملية بيع داخلي للتحويل الدولاري في حسابك مع البنك، وأن هذا الأمر متاح لأي قيمة من الدولارات، وكذلك سوف يكون التحويل بسعر أفضل من المتاح لعمليات البيع المباشر؛ حيث إن البيع الداخلي من الحسابات يكون بزيادة تقدر بـ25 قرشاً عن السعر المحدد للبيع اليوم".

ومع الرفض التام لجميع محاولات حسين لصرف تحويله بالدولار، وافق على إجراء عملية البيع الداخلي وقام بأخذ أموال تحويله بالجنيه المصري.


ارتفاع السعر 50 قرشاً رغم قلة عمليات البيع


وفي أثناء توجهنا إلى فرع بنك ABC، ومع دخول البنك كان أحد الموظفين يمسك بالريموت كونترول الخاص بشاشة عرض أسعار العملات ويقوم بإجراء تعديلات على سعر العملة، ووجدناه رفع سعر بيع وشراء الدولار تقريباً 50 قرشاً، ليصبح سعر الدولار مقابل الجنيه 13.75 للشراء.

ومع توجهنا إلى مسؤول الفرع ومعرفة أسباب تلك الزيادة، قال: "هناك محاولات حثيثة لتشجيع المواطنين على بيع الدولارات التي بحوزتهم للبنوك، وزيادة السعر تهدف إلى تشجيع عمليات البيع مع شبه انعدامها في الكثير من أفرع البنوك".

وأكد مسؤول الفرع في حديثه مع "هافينغتون بوست عربي"، أن هناك إجراءات تشجيعية أخرى ضمن مستهدف البنك المركزي لجمع أكبر كمٍّ من أموال تحويلات المصريين بالخارج، وهناك أنباء عن قرارات تشجيع التحويل من الخارج للمصريين.

ولم يمر أكثر من نصف ساعة على انتهاء حديث مسؤول بنك ABC عن إجراءات تشجيعية للمصريين بالخارج لإجراء عمليات تحويل للعملة الأجنبية، حتى نشرت وسائل الإعلام المصرية توجيهات طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، بعدم اقتطاع أي عمولات على تحويلات المصريين في الخارج؛ لتحفيز المصريين العاملين بالخارج على تحويل أموالهم عبر البنوك.


شلل في السوق السوداء مع توقف الاستيراد


ولمعرفة أوضاع سعر الدولار في السوق السوداء، توجهنا إلى أحد تجار العملة الأجنبية، وذكر أن ما يقوله الإعلام منذ أمس عن انخفاض أسعار الدولار مبالغ فيه ومتعمّد من الدولة لتمهيد عملية تحرير سعر الدولار، والواقع أن هناك شللاً وتوقفاً تماماً في البيع والشراء منذ أمس، خاصةً مع الإجراءات التي اتخذتها الدولة ووقف معظم عمليات الاستيراد من الخارج منذ 4 أيام.

وأكد تاجر العملة، لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن التجار ومكاتب الصرافة يقومون بشراء الدولار بالسعر المعلَن عنه في البنوك، وليس هناك عمليات مضاربة على الأسعار في ظل توقف الطلب على العملة الأجنبية من المستوردين، مع تعطيل الاستيراد، والتلويح بأن هناك قراراً سوف يصدر قريباً يُلزم البنوك بعدم توريد أي دولار من التجار إلا مع تحديد مصدر الحصول عليه.