أحمق عند العرب وحكيم عند الأتراك.. قصة شخصية جحا في الثقافات المختلفة

تم النشر: تم التحديث:
NASREDDIN HOCA
Statue of the Turkish Folkloric Figure Nasreddin Hoca (Photo by Chris Hellier/Corbis via Getty Images) | Chris Hellier via Getty Images


نصر الدين خوجا أو هوجا (بالعربية يسمونه جُحا) ويبدو في الثقافة العربية شخصية فكاهية كوميدية ساخرة تُنسب لأشخاص عديدين بينهم رجل عربي عاش في العصر الأموي لكنه على الغالب يعود للشيخ نصر الدين خوجا الرومي الذي عاش في قونية (مدينة مولانا جلال الدين الرومي) معاصراً الحكم المغولي للأناضول وتكثر لذلك طرائفه ومواقفه مع تيمور لنك ومنها أنه دخل يوماً هو وتيمورلنك إلى الحمام فسأله تيمورلنك: لو كنتُ عبداً فكم كنت أساوي؟ فقال له: خمسين درهماً. فصاح تيمورلنك بوجهه: ياقليل الإنصاف إن الفوطة التي بوسطي تساوي هذه القيمة. فأجابه جحا: وأنا حسبت سعر الفوطة أيضاً.

ويوصف نصر الدين جحا غالباً بالذكاء وسعة الحيلة وسرعة البديهة وقد كان فقيهاً ساخراً يعلق على الأحداث التي يعيشها بطريقته ويترك مواقف تروى عنه وقصصاً مشهورة يتناقلها الناس عنه.


لكل شعب "جحا"ـه


وملا نصر الدين في إيران وكوردستان. ومن الشخصيات التي شابهت جحا بالشخصية إلا أنها لم تكن به فنذكر غابروفو بلغاريا المحبوب، وأرتين أرمينيا صاحب اللسان السليط، وآرو يوغسلافيا المغفل، بينما ينسبه العرب أيضاً لأبي نواس البغدادي مرافق هارون الرشيد وشاعره، لكن الروايات أغلبها تكاد تشبه شخصية نصر الدين خوجا الرومي الذي عاش في الأناضول (تركيا الحالية)، وقد ذكر في بعض كتب التراث الإسلامي شخصية قديمة لجحا في كتب السيوطي، والذهبي، والحافظ ابن الجوزي الذي قال: ".. ومنهم (جُحا) ويُكنى أبا الغصن، وقد روي عنه ما يدل على فطنةٍ وذكاء. إلا أن الغالب عليه التَّغفيل، وقد قيل إنَّ بعض من كان يعاديه وضع له حكايات"


جحا التركي أو نصر الدين خوجا


الشيخ نصر الدين جحا الرومي، تركي الأصل من أهل الأناضول، مولده في مدينة "سيوري حصار" ووفاته في مدينة "آق شهر"، تلقى علوم الدين في آق شهر وقونية، وولي القضاء في بعض النواحي المتاخمة لآق شهر، ثم ولي الخطابة في "سيوري حصار" ونصب مدرساً وإماماً في بعض المدن، وساح في ولايات "قونية" و"بروسة" وملحقاتها. كان واعظاً مرشداً صالحاً، يأتي بالمواعظ في قلب النوادر، وله جرأة على الأمراء والقضاة والحكام، وكثيراً ما كانت الحكومة تستقدمه من "آق شهر" إلى العاصمة يومئذٍ "قونية"، وكان عفيفاً زاهداً يحرث أرضه، ويحتطب بيديه، وكانت داره محطاً للواردين من الغرباء والفلاحين، ويذكر أن وساطته أنقذت بلدته من تيمور الجبار.

يروي الأتراك رواية مختلفة للشيخ نصر الدين خوجا إذ أنه تعلم علوم الدين وحفظ القرآن وتولى القضاء في "آق شهير" كما عمل مدرساً وإماماً ومن هنا جاء لقبه (خوجا وتعني المعلم أو الأستاذ) كما يخلعون عليه صفات الزهد والتواضع والشجاعة والجرأة خاصة على الحكام والأمراء، وكان خطيباً في مدينة "سيوري حصار" التي كان فيها مولده وتوسط لأهلها عند تيمور لنك بعد أن حاصرها فجنب أهله الدمار والنهب وكان إلى غير نوادره وطرائفه واعظاً استقدمته الحكومة إلى العاصمة في قونيا ويروى أنه كان زاهداً يحرث أرضه ويستقبل الفقراء ويكرمهم، وكان جحا من الذكاء والفطنة بحيث استطاع تحويل المأساة لملهاة ساخرة وتحويل الظروف القاسية لطرفة إنسانية تحمل قدراً من السخرية من الحمقى والظالمين.


جحا العربي


في كتاب د. محمد رجب النجار (جحا العربي) يعتبر أن شخصية جحا أدت دوراً مهماً في النقد السياسي والاجتماعي فهو يسخر من السلطة كما فعل مع تيمور لنك ويسخر من القضاء الظالم ويترك نوادر ترتبط بحياة الناس وتنتقد السلبية والغباء ويقول الكاتب "أجمع الدارسون على أن النوادر المنسوبة لجحا التركي ليس هو قائلها كلها، بل أضيف إليها ما وصل الأتراك من نوادر فارسية أو عربية، وتقطع المصادر العربية القديمة بأن النوادر المنسوبة لجحا الأتراك عربية الأصل دون شك. فالعلاقة إذن بين النموذجين أخذ وعطاء مستمران كان خلالها «جحا الفزاري» بنوادره التي تزخر بها كتب التراث، النموذج الذى احتذاه الترك في انتخاب جحاهم نصر الدين خوجا، فنسجوا على منواله وأضافوا إليه تجربة الأمة التركية، وحكمتها الشعبية حتى صار نصر الدين خوجا النموذج الأخير للنمط الجحوي الذائع في الثقافة العربية الإسلامية الشعبية بوجه عام.

وعن جحا المصري يقول الدكتور رجب النجار: «لعل النموذج الجحوي لم يلق من الذيوع والانتشار في العالم العربي مثلما لقي في البيئة المصرية، بالرغم من أنه شخصية غير مصرية وإنما عرفته البيئة المصرية رمزاً فنياً منقولاً إليها، له أسلوب فني مميز في الحياة والتعبير، في إطار فني أثير لدى الشخصية المصرية والمزاج المصري، إطار التندر والفكاهة اللاذعة والتهكم ضد قوى القهر والطغيان، وضد الأنماط البشرية السلبية اجتماعياً وإنسانياً فصار نموذجاً فنياً وشعبياً موصولاً بالحياة، وعلماً من أعلام الفكاهة الساخرة، ونمطاً من الإبداع الشعبي في مصر"


من نوادر جحا:




الحمار المثقف


كنت جالساً ذات يوم في مجلس أحد الملوك فأراد أن يسخر مني فقال لي: هل تستطيع أن تعلم حماري القراءة والكتابة؟

فأخذتني الحمية وقلت: أعلمه على أن تمهلني عشرين عاماً. فوافق الملك على التحدي وقرر صرف راتب لي في هذه المدة.

فلما خرجت من مجلس الملك اقترب مني أحد الأصدقاء وقال لي: يا أحمق كيف توافق على هذه المهمة؟

فقلت له: في هذه السنوات العشرين إما أن أموت أنا أو يموت الملك أو يموت الحمار.. فمن منا الأحمق أيها الذكي؟!


جلس جحا يوماً على منصة الوعظ فى أحد الجوامع، وقال:

- أيها المؤمنون، هل تعلمون ما سأقوله لكم؟

- كلا، لا نعلم.

- لو كنتم لا تعلمون، فما الفائدة من الكلام؟!

ثم نزل، وعاد فى يوم آخر، وألقى عليهم نفس السؤال، فقالوا:

- أجل، نحن نعلم.

- ما دمتم تعلمون ما سأقوله، فما الفائدة من الكلام؟!

فتحير الحاضرون، ثم اتفقوا فيما بينهم أن ينقسموا إلى فريقين:

أحدهما يقول: نعلم، والآخر يقول: لا نعلم.

فلما جاء فى المرة الثالثة طرح عليهم سؤاله الأول، وهنا انقسمت الأصوات، فقال:

ـــــــ حسن جداً، من يَعلم يُعلم من لا يَعلم!




جحا مؤذناً:


· كان يؤذن، ثم يجري مسرعاً، فسألوه عن السبب، فقال:

- أريد أن أعرف إلى أين يصل صوتي!

والمغزى هنا أن بعض المؤذنين يتم تعيينهم في هذه المهمة الدينية على أساس ارتفاع أصواتهم فقط، دون أن تكون لهم حصيلة دينية كافية ، وخاصة في باب العبادات من علم الفقه، حيث يتطلب وجوده الدائم في المسجد تلقى أسئلة المسلمين المتعلقة بشروط الوضوء والصلاة والإجابة الصحيحة عليها. لكن جحا هنا يزيد الأمر سوءاً فيصور المؤذن بأنه شخص ضعيف العقل، فمن من العقلاء يجري بعد رفع صوته لكي يعلم المدى الذي وصل إليه؟!



جحا قاضياً:

عندما كان قاضياً جاءه رجل وقال:

- إن ثوركم الأحمر نطح بقرتنا فى بطنها فقتلها.

- وما دخل صاحب الثور؟ هذه دعوى دم، لا يطالب بها حيوان.

- عفواً أيها القاضي.. لقد أخطأت فى عرض القضية.

فالحقيقة أن بقرتنا هي التي نطحت بطن ثوركم فمات؟

عندئذ اعتدل القاضى جحا، وقال:

- إذن لقد أشكلت المسألة. فهات هذا الكتاب ذا الجلد الأسود من على الرف، لأنظر فيه حول تحديد الضرر، وتقييم الغرامة، وعقوبة عدم دفعها؟

فى إحدى القرى، ادعى جحا الولاية الصوفية، وعندما سألوه:

- ما هي كرامتك؟

- أن أدعو هذه الشجرة فتأتي إلي.

- إذن افعل ذلك لنشاهد..

وبعد أن همهم ببعض الكلمات لم تتحرك الشجرة، فذهب إليها وقال لهم: - إذا لم نحضر الشجرة للولي، يذهب هو إليها!



· أحد القرويين ترك التكسب بعمل يده، واحترف التسول، وكان يلح فى طلباته من أصحاب البيوت، ولا يتركهم حتى يأخذ شيئاً من طعامهم أو ملابسهم.

وذات يوم، دق باب جحا، ففتحت له زوجته، فسألها: أين زوجك؟

قالت: إنه فوق السطح. فقال لها: نادي عليه لينزل. فلما فعلت، نزل جحا متضرراً وسأل الرجل: من أنت؟ قال: أنا ضيف الله. فأمسك جحا بيده، وسار به حتى بلغا الجامع الكبير، وعند الباب، التفت إليه قائلاً: يا أخي لقد طرقت بابنا على سبيل الخطأ، وهذا بيت الله يا ضيف الله!


تنازع شخصان وذهبا إلى جحا –وكان قاضياً– فقال المدعي: لقد كان هذا الرجل يحمل حملاً ثقيلاً، فوقع على الأرض، فطلب مني أن أعاونه، فسألته عن الأجر الذي يدفعه لي بدل مساعدتي له، فقال (لا شيء) فرضيت بها وحملت حمله. وها أنذا أريد أن يدفع لي اللا شيء

فقال جحا: دعواك صحيحة يا بني، اقترب مني وارفع هذا الكتاب. ولما رفعه قال له جحا: ماذا وجدت تحته؟ قال: لا شيء. قال جحا: خذه وانصرف.


ضاع حمار جحا فأخذ يصيح وهو يسأل الناس عنه: ضاع الحمار. والحمد لله. قيل له: فهل تحمد الله على ضياعه؟! قال: نعم، لو أنني كنت أركبه لضعت معه، ولم أجد نفسي..!