جدارية بيئية سورية تدخل موسوعة "غينيس".. صُنعت من بقايا المجارير وأشياء لن تخطر ببالك

تم النشر: تم التحديث:
JDARYH
سوشيال

على مسافة طويلة من أوتوستراد المزة (في أطراف دمشق) تمتد لوحة غريبة الشكل لا ملامح محددة لها، تلمع في الليل كأنها ثريا معلقة في سقف، حينما تقترب منها تبدأ بتبيّن تفاصيلها لتكتشف أنها مكونة من زجاج مكسور وعلب قديمة وأيضاً عجلات دراجات، وزجاجات كولا، وغيرها من المواد التي عادةً ما ترمى في القمامة.

اللوحة نفذها فريق من الفنانين التشكيليين تابع لوزارة التربية السورية، على الجدران الخارجية لمدرسة تسمى "نهلة زيدان"، بدأوا العمل لتنفيذها في عام 2013، وانتهوا بعد 9 أشهر، مقدمين عملاً فنياً يمتد على ارتفاع يصل لنحو الـ5 أمتار، وبطول يبلغ 850 متراً، تمكن من دخول سجل "غينيس" (غينيس ريكورد) كأكبر لوحة جدارية للفن المعاصر مصنّعة من بقايا المخلفات البيئية.


ما الهدف من هذه الجدارية؟


الفنان موفق مخول - وهو المسؤول عن العمل - يقول لـ"هافينغتون بوست عربي" إنهم يوم بدأوا العمل على اللوحة لم يفكروا قط في "غينيس ريكورد" أو أي تكريم، كان هدفهم فقط زرع الجمال في المدينة ومنح الناس عملاً مليئاً بالألوان والحياة؛ لأن الألوان في رأيه تبعث على التفاؤل وتخفف الضغط وأيضاً تولد الإبداع.

مخول، يشعر بالسعادة اليوم حينما يرى لوحتهم وقد تحولت إلى محج يزوره غالبية سكان دمشق ويلتقط زوار هذه المدينة الصور أمامها، وهو يدرك أن جميع هؤلاء الناس متعطشون إلى الجمال في مدينتهم.

يوضح مخول أن الجهات الحكومية صبت جل اهتمامها على دمشق القديمة، ولم تهتم بالقسم الحديث أو المعاصر من المدينة التي بقيت - حسب رأيه - كئيبة من غير ألوان تضم جدراناً طويلة تمنح إحساساً بأنها سجن.

jdaryt1

ويتابع: "كنت أفكر في صنع شيء بالطرقات، وخاصة في المدارس التي تضم جدراناً طويلة صماء، ورغبت في تنفيذ عمل فني ذي ديمومة ليبقى سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه رغبت في الاستفادة من مخلفات البيئة ليكون عملاً فنياً له أهمية بالتوعية البيئية في الوقت ذاته".


مواد لن تخطر ببالك


عندما بدأت مجموعة العمل أعلنوا لمحيطهم أنهم بحاجة لمخلفات البيوت من زجاج مكسور وعلب معدنية فارغة وأي مواد أخرى لا يريدها أصحابها، وحينما بدأوا العمل طلبوا من الطلاب تزويدهم بهذه المخلفات من منازلهم. وبالفعل، تجاوب معهم الجميع، وفي كل صباح كانت تصلهم أكياس مليئة بمثل هذه النفايات، ويوضح مخول أن المواد التي استخدموها لا تخطر على بال البعض؛ إذ استفادوا من مجارير الصرف الصحي المكسورة وبقايا السيارات وأيضاً مخلفات المدافئ وغيرها من الأمور.


تجارب سابقة


ورغم أن الشهرة والشعبية حصلت عليهما مدرسة نهلة زيدان، لكن البداية لم تكن فيها؛ إذ بدأت الفكرة أولاً في منطقة أخرى تعرف باسم (القصور)، وهي أيضاً من المناطق الراقية في دمشق، يومها بدأ الفريق مشروعه على جدران مدرسة اسمها بسام حمشو، ورسموا لوحة امتدت على ارتفاع 300 متر وطول 200 متر، وهي أيضاً عمل لا يضم فكرة محددة وإنما هو عبارة عن كتل متناغمة من الألوان والحياة، حولت المكان إلى متحف فني بالهواء الطلق.

وبالقرب من هذه اللوحة أيضاً وفي المنطقة نفسها، سيصادف الزائر لوحة ضخمة أخرى تم تصنيعها من الإسمنت بالإضافة إلى تدوير المخلفات البيئية والصناعية، واختار الفنان لها اللون الأزرق لتقدم السكينة والهدوء للمارة، وليكتمل المشهد ووُضع على الرصيف المجاور لها تماثيل فنية.

يقع الجدار بجانب متحف العلوم المدرسي، الذي يضم مئات الحيوانات المحنّطة من مجاهل إفريقيا والهند، بالإضافة إلى وثائق أثرية، ومن الجهة المقابلة للجدارية تقع مكتبة ضخمة – قيد التحضير - ستضم آلاف الكتب القديمة.

يؤكد مخول أنهم ينوون الاستمرار في هذه الأعمال، خاصة أنها لاقت قبولاً كبيراً عند الناس، وقريباً سينفذون لوحة مشابهة في منطقة البرامكة، يخطط لها أن تقدم بشكل مختلف وبروح أخرى.