اليهود البريطانيون ينسون محرقة أجدادهم ويبحثون عن الجنسية الألمانية بعد خروج لندن من اليورو

تم النشر: تم التحديث:
SSS
AP

يتذرع عشرات الآلاف من أحفاد اليهود الألمان الذين فروا من النازية الألمانية إلى بريطانيا بحقهم القانوني في أن يصبحوا مواطنين ألماناً، بعد التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

السلطات الألمانية ذكرت أن عدد الطلبات المقدمة من أجل استرداد الجنسية الألمانية قد ازداد 20 ضعفاً، وهو حق مكفول لأي شخص تعرَّض للاضطهاد بسبب السياسة، أو العرق، أو الدين خلال عهد الديكتاتورية النازية، بالإضافة إلى أحفاد هذا الشخص.

وقدمت سلطات المملكة البريطانية حوالي 400 طلب، كما يتم الاستفسار للحصول على معلومات من أجل 100 طلب آخر، الذين "من المرجح" أن يتحولوا لطلبات رسمية بدورهم، في حين أن الرقم السنوي المعتاد كان حوالي 25 طلباً، بحسب ما ذكر تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، الأحد 30 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

وقال مايكل نيومان، رئيس اتحاد اللاجئين اليهود إن منظمته قدمت مئات الاستفسارات، لكن عملية التقديم للحصول على جنسية دولة عاملت أجدادهم بمنتهى البشاعة أمر يُعد "تحدياً نفسياً ليس هيناً" بالنسبة للكثير.

ويضيف نيومان الذي قام بتقديم طلب لنفسه: "إن الأمر يدعو للسخرية، إنه تم تأسيس الاتحاد من أجل مساعدة الناس في أن يصبحوا مواطنين بريطانيين طبيعيين بعد الحرب، وها نحن نجد أنفسنا بعد 70 عاماً نساعد الناس للحصول على الجنسية الألمانية والنمساوية، إثر التطورات الأخيرة ببريطانيا".

وصلت جدة نيومان إلى رصيف ميناء ساوثهامبتون هروباً من كولونيا بغرب ألمانيا وعمرها 27 عامًا، قبل نشوب الحرب العالمية الثانية بيوم واحد، كما قُتلت والدتها في معسكر شيلمنو للإبادة بعام 1942.

يقول نيومان: "عرف الكثير منا أشياء لم يعرفوها من قبل، كما أُجبر البعض على تدقيق النظر في ماضيهم، وكان الأمر مريعاً بالنسبة للبعض، وتجلِّياً للحقيقة بالنسبة للبعض الآخر".


"صدمة كبيرة"


ss

كان التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي في 23 من يونيو/حزيران الماضي بمثابة صدمة كافية لمحو تاريخ من العداوة يمتد لأجيال، حتى إن أوليفر مارشال المؤرخ المختص بالهجرة الدولية، والبالغ من العمر 58 عاماً اتصل بشقيقته وأولادها الثلاثة في 24 من يونيو/حزيران، لتنبيههم بأحقيتهم في الحصول على جواز السفر الألماني.

واستقر أجداد مارشال بالنهاية في بريطانيا، بعد فرارهم إلى أميركا عام 1941، وكانوا من اليهود الألمان ويعملون بتصنيع الخمر من التفاح بالقرب من فرانكفورت.

قال مارشال: "أَغلق الخروج من الاتحاد الأوروبي الأبواب في وجوهنا وسيفتح لنا الحصول على جواز السفر الألماني الأبواب مرة أخرى، فجزء من هويتي اليهودية –كما أظن- أن أحاول ترك جميع الأبواب مفتوحة، لأنك لا تعلم ما يمكن أن يحدث لك في أي لحظة".

فقدت جدة مارشال –كلارا روزنبرغ- الكثير من أفراد أسرتها في الهولوكوست، ويقول مارشال إنها "ظلت تكره الألمان طوال حياتها، ولم تكن لتفهم أبداً لماذا نفعل ذلك الآن".

لكن والدته ليزوليت التي تناهز 93 من العمر، وحصلت على الجنسية البريطانية عام 1953 تتفهم جيدًا ورحبت برد فعل ابنها، ويقول مارشال: "استشرتها في الأمر فرفعت حاجبيها وقالت: "إنها عجلة التاريخ" لأنها كانت على وشك فعل ذلك أيضاً، بسبب غضبها من توني بلير إثر حرب العراق".
قال سام بوورز –ابن أخت مارشال- البالغ من العمر 28 عاماً، الذي يعمل كعالم متخصص بالبيئة الاستوائية بجامعة إدينبورغ إن حصوله على الجنسية الألمانية من سفارة ألمانيا بلندن في 14 من سبتمبر/أيلول كان بمثابة سياسة تأمين لنفسه بعد خروج إنجلترا من الاتحاد الأوروبي، ويتمنى أن يساعده ذلك على العمل واستكمال أبحاثه في مجاله التخصصي بمكان آخر بأوروبا.

أضاف بوورز: "يوجد قلق كبير في المجال الأكاديمي الذي أعمل به من حيث تمويل البحث العلمي في المستقبل، لأن معظم التمويل كان يأتي من أموال الاتحاد الأوروبي، أما بالنسبة لي فإن القدرة على المنافسة في أوروبا على وظيفة من دون عقبة جواز السفر غير التابع للاتحاد الأوروبي أمر مهم جداً".

اعترف بوورز أنه لم يكن مرتبطاً بتراثه اليهودي الألماني قائلاً: "ربما يتطور ذلك مع الوقت، فبرغم كل شيء أنا لم أصبح ألمانياً إلا منذ شهر واحد فقط".


التخلي عن الجنسية البريطانية


sss

وأضاف بوورز أيضاً أن القرار كان سيصبح صعباً للغاية إن كان سيتحتم عليه التخلي عن جنسيته البريطانية قائلاً: "لا يعجبني ما يحدث ببريطانيا الآن، لذلك كان استرداد حقي في الجنسية الألمانية التي سُرقت من عائلتي بمثابة اعتراض ولو صغيراً على ما يحدث ببريطانيا".

ساهم توجه البعض للحصول على الجنسية الألمانية في اتصالهم بماضٍ مؤلم لم يعرفوا عنه غير القليل.

قالت جوديث وولف ذات الخمسة وأربعين عاماً، وهي طالبة بكلية التمريض من بروملي –بجنوب شرق لندن- إن تعقُّب الأوراق جعلها تقترب أكثر من جذورها، كما قالت: "أستطيع أن أتخيل نفسي ذاهبة للعيش بألمانيا رغم أنني لا أتحدث الألمانية".

هرب فرانز والد وولف من برلين عام 1939 عندما كان عمره 18 عاماً، وحصل على وظيفة بفندق راسل بلندن، لكن بمجرد نشوب الحرب تم تصنيفه هو و80 ألفاً من اللاجئين من ألمانيا والنمسا باعتباره مواطناً لدولة عدو.

خُـيـِّر فرانز وولف حينها ما بين قضاء فترة الحرب بمعسكر اعتقال بجزيرة مان أو الانضمام للجيش البريطاني، واختار الاختيار الثاني وانتهى به الأمر بالمخابرات، ثم انضم لوظيفة حكومية بعد الحرب، حيث أصبح موظفاً بالجمارك ببلدة بيرويك أبون تويد.

ثم اكتشف بعد الحرب أن عمه وعمته ماتا في معسكر اعتقال أوشفيتز، وقال معلقاً على ذلك: "لا أعلم كيف أثَّـر ذلك على والدي، لأنه لم يتحدث عنه مطلقاً، لكني أتمنى الآن لو أنني سألته".

تُـوفي فرانز وولف عام 2001، وتقدم جوديث وولف ابنته الآن طلباً من أجل الحصول على جنسيتها الألمانية، قائلة: "أنا صُدمت من نتائج الاستفتاء، فلقد عشت وعملت بفرنسا، لكني فوجئت بالأبواب توصد بوجهي في أوروبا، حينها علمت أن الحصول على الجنسية الألمانية سيمنع ذلك من الحدوث، واتصلت بالسفارة الألمانية بليدز، وكانوا متعاونين جداً، وأخبروني بالأوراق والمستندات المطلوب تقديمها".

ss

ساعد وولف في البحث عن شهادات الميلاد والزواج أحفاد أسرة من هامبورغ كانت راعية لجد جوديث، وهو جوستاف هاينريش وولف الذي كان فناناً صنَّف النازيون أعماله على أنها أعمال مُفسدة، وقالت جوديث: "كل ذلك جعلني أشعر أني أصبحت أقرب لجذوري اليهودية الألمانية".

يُعد أحفاد الأشخاص الذين اضطهدهم النازيون الألمان مؤهلين للحصول على الجنسية الألمانية بموجب الفقرة الثانية من المادة 116 من القانون الألماني.

أخبرت وزارة الخارجية الألمانية صحيفة "الغارديان" بأن "سفارة ألمانيا بلندن تلقت عدداً كبيراً من الاستفسارات وطلبات التقديم فيما يخص الجنسية الألمانية، بناءً على المادة 116 منذ الرابع والعشرين من يونيو/حزيران".

ويقول هاري هيبير الذي يناهز الـ85 عاماً، والذي وُلد بإنسبروك بالنمسا ووصل إلى بريطانيا على متن قارب هارويتش في ديسمبر/كانون الأول عام 1938 عندما كان في السابعة من عمره إنه شعر بشعور مروع لمجرد التفكير في اقتراح استرداده لجواز سفره النمساوي.

لكن حسب القانون النمساوي فالناجون فقط من النازية هم من لهم الحق في استرداد جنسيتهم وليس أحفادهم.

قال هيبير الذي لا يزال يحفظ ذكريات تقدُّم القوات الألمانية داخل النمسا بعد ضمها لألمانيا في مارس/آذار من عام 1938 عن ظهر قلب إن "مجرد اقتراح اللجوء للاحتماء بنفس المكان الذي قتلت فيه عائلتي أمر مروع بالنسبة لي، وأيضاً لأن انتمائي أصبح لبريطانيا خلال الثمانية والسبعين عاماً الماضية".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.