فريق "داعش في مولينبيك".. سكان حي بلجيكي يستعينون بكرة القدم لتحسين سمعتهم "المشوهة"

تم النشر: تم التحديث:
FRYQ
الفريق | sm

توفر قبعة البيسبول الحمراء لأزماني رضوان حمايةً طفيفة من شمس الخريف الساطعة، بينما يتجول في ملعب كرة القدم الاصطناعي لمتابعة التدريبات التي يقوم بها لاعبوه عن كثب.

مثل أي مدرب يحترم نفسه، ليس لديه وقت للكسالى، فينفخ في صافرته بقوة للمخطئين، بينما يصيح: "فوالا" -تعبيراً عن رضاه- حين يرى تلك الجهود التي تستحق التقدير. حين تنتهي التدريبات الروتينية، مثل الركض والقفز والسيطرة على الكرة، ينقسم الشباب الأربعة والعشرون إلى مجموعتين ليلعبا مباراة تدريبية مكثفة، تتوقف بشكل متقطع كلما صاح رضوان باللاعبين، الذين يكافحون للتكيف مع تشكيل تكتيكي جديد.

إنه أسلوب صارم، لا يقبل الهزل، قد يراه البعض قاسياً، خاصة مع حداثة سن اللاعبين، لكنه يؤتي ثماره. فالفريق تحت سن 12 عاماً في أكاديمية شباب مولينبيك هو حامل اللقب ومتصدر الدوري، ورفعوا الكأس في بطولة تضمنت 24 فريقاً في إسبانيا الموسم الماضي، تنافس فيها أطفال من ريال مدريد وبرشلونة وغيرهما من بلاد أوروبية أيضاً.

يأذن رضوان بإنهاء التدريب، فيغادر لاعبوه الملعب بقمصان يبللها العرق، بينما يقابلهم بكلماته الشهيرة: "الانضباط في الملعب يعني الانضباط خارجه، ركّزوا على دروسكم وأحسنوا اختيار أصدقائكم. وتذكروا: أنتم تلعبون باسم مولينبيك".


لا بد أن يكونوا أقوياء



بينما يذكرهم بوقت بدء المباراة القادمة، يبرر رضوان، وهو مهندس يبلغ من العمر 46 عاماً، أسلوبه الصارم.

يقول: "إنهم صغار ولا يفهمون المشاكل التي سيواجهونها كلما تقدموا في السن، لأنه في بلجيكا من الصعب أن تكون مقبولاً إذا كنت مسلماً. نريدهم أن يحصلوا على تعليم جيد، ويكونوا أقوياء، حتى يتغلبوا على أي عقبات بطريقة إيجابية".

يشق الشباب المتعبون طريقهم إلى بيوتهم، بينما يتجاذبون أطراف الحديث ويتقاذفون الكرة، عبر الشوارع التي تصدرت عناوين الصحف لأول مرة في العام الماضي عندما قُتل 130 شخصاً بهجمات إرهابية في باريس.

نشأ قائد المجموعة، عبدالحميد أباعود، و3 من المهاجمين الآخرين المشتبه بهم في مولينبيك، بما في ذلك صلاح عبدالسلام، الذي اعتقل في الحي الذي يسكن فيه، بعد مطاردة دامت 4 أشهر، على بعد 5 دقائق فقط من استاد سبيلبرغ حيث يتدرب لاعبو الأكاديمية.


"الدولة الإسلامية في مولينبيك"


للأسف، لم تنتهِ سمعة مولينبيك السيئة عند هذا الحد. فقد وجد أن بعض الانتحاريين الذين شاركوا في الهجمات على مطار بروكسل ومحطة المترو في مارس/آذار الماضي، ما أسفر عن مقتل 32 شخصاً، لهم علاقة بالمنطقة. أيوب الخزاني، وهو مواطن مغربي يشتبه أنه أطلق النار على قطار بين بروكسل وباريس في أغسطس/آب الماضي، كان أيضاً من مولينبيك، في حين اتهم مهدي نموش، الذي كان يسكن في المنطقة في وقت سابق، بقتل 4 أشخاص في متحف يهودي في بروكسل في عام 2014.

أظهرت أرقام نشرت في وقت لاحق أن 47 من البلجيكيين الـ543 الذين ذهبوا للقتال في سوريا -وهو المعدل الأعلى في أوروبا بالنسبة لعدد السكان- هم من سكان مولينبيك، البالغ عددهم 100 ألف نسمة.

في غضون أيام من هجمات باريس، انتشرت قوات الشرطة والجنود وجيش من الصحفيين من جميع أنحاء العالم في المنطقة ببروكسل. وقد أطلقت ألقاب مختلفة غير مرغوب فيها على المنطقة "الدولة الإسلامية في مولينبيك"، "عاصمة الجهاديين في أوروبا" و"جنة الجهاديين في أوروبا،" على سبيل المثال لا الحصر.

في الأشهر الاثني عشر التي تلت هجمات باريس، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015، حاول شعب مولينبيك إعادة بناء سمعتها المشوهة، والسيطرة على المشاكل الأساسية التي يقولون إنها دفعت ببعض الشباب نحو الأصولية الإسلامية العنيفة؛ وأصبحت كرة القدم هي الحل الرئيسي لتلك المشكلات.


كرة القدم مهرباً


أسس عمر تزغين، سكرتير النادي، أكاديمية شباب مولينبيك في عام 2004، مع مجموعة من الأصدقاء الذين شعروا بأنهم يتعرضون للتمييز من قبل فرق بروكسل الأخرى بسبب أصولهم المغربية.

تضاعف عدد أفرادها خلال العام الماضي ليصل إلى أكثر من 500 لاعب، حين تدفق اللاعبون للانضمام إلى صفوفها، مدفوعين من قبل الآباء والأئمة والمجتمع ككل، الذين يصرون على أن الجنوح، وضعف التعليم والاغتراب الاجتماعي هي الأسباب التي أدت بأمثال صلاح عبدالسلام وشقيقه إبراهيم، الذي فجر نفسه في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلى الانسياق وراء تنظيم الدولة الإسلامية المعروف باسم (داعش).

تقدر نسبة المسلمين في مولنبيك، وهي على مسافة قصيرة من مركز مدينة بروكسل، بنحو 41٪، (مقارنة مع 6٪ لبلجيكا ككل)، أغلبهم من أصل مغربي. تعاني المنطقة من البطالة بنسبة 30٪، مقارنة مع المعدل الوطني البالغ 8.5٪، في حين أن نسبة البطالة بين الشباب هي أعلى من ذلك، إذ تصل إلى 40٪.

على الرغم من المستويات العالية من الحرمان والجرائم الصغيرة، سيصاب الذين يدخلون منطقة يطلق عليها الكثيرون "الجيب العدائي المسلم" بخيبة أمل إذا كانوا يتوقعون استقبالاً عدوانياً من المتهورين الأصوليين.


مشاهد غير متوقعة



تصطف المقاهي على جوانب شوارع مولينبيك، تقدم للزوار الشاي بالنعناع، والأصناف المغربية الشهية، مع ابتسامة دافئة. أي نقاش محتدم يكون في الغالب عن كرة القدم. انتشرت فيها المطاعم الراقية، وافتتح فيها فندق صغير راقٍ، بين المباني السكنية، والجزارين الذين يبيعون اللحم الحلال، وتجار الخضراوات، ما يشير إلى قدر من التطور.

mwlynbyk

خلال مأدبة فطور مغربي تقليدي من القهوة الحلوة باللبن وخبز -يشبه الخبز الشامي- ممتلئ بالجبن والعسل، تمعّر وجه تزغين من الغضب، بينما كان يروي ما يسميه هو والسكان المحليون الآخرون بـ"العقاب الجماعي" الذي يتعرضون له. يقول: "صورونا على أننا وحوش إرهابية ووصمنا من قبل السياسيين ووسائل الإعلام. أنا معترف بأن لدينا مشاكل، ولكن هناك الصالح والطالح في كل مجتمع".

ويضيف: "ظل الصحفيون يسألونني لمدة شهر كامل بعد هجوم باريس إذا ما كنت قد ذهبت إلى سوريا، أو فكرت في الذهاب إلى هناك أو أعرف أي شخص من الذين ذهبوا إلى هناك. يظن الناس أننا جميعاً أعضاء في تنظيم الدولة الإسلامية. ولكني أجعل كرة القدم تتحدث بالنيابة عني، ونحن نستخدمها لجعل مجتمعنا مكاناً أفضل للعيش".

استخدام هذه اللعبة الجميلة للتغلب على الصورة النمطية السيئة لمولنبيك أصبح أمراً أساسياً للنادي. ينبه على جميع اللاعبين بمصافحة لاعبي الفريق المقابل قبل وبعد المباريات، ويحظر الجدال مع حكام المباريات، وغالباً ما تدعى الفرق الزائرة إلى الطعام والمشروبات. والنتيجة هي أن جميع الفرق العشرة في أكاديمية شباب مولينبيك، من الذين تتراوح أعمارهم بين 7 سنوات إلى فوق 12، لديها أفضل سجل تأديبي في بطولات الدوري لكل منها، وحازت الموسم الماضي على لقب "أكثر الأندية ودية".


متابعة رياضية وسلوكية


جميع لاعبيها تقريباً مسلمون ويعيشون في المنطقة. كجزء من حملة النادي لمعالجة المشاكل المستوطنة التي يواجهونها، يجب على كل لاعب إظهار تقريره المدرسي وسجل حضوره بالمدرسة مرة على الأقل كل 3 أشهر لإثبات متابعته لدراسته، في حين يلتقي المدربون بانتظام مع أولياء الأمور لمناقشة التنمية الاجتماعية للمتدربين والتعامل مع أي مشكلات سلوكية.

قال تزغين: "أولويتنا ليست كرة القدم، بل الانضباط وإبقاء الأطفال بعيداً عن الشارع. الكثير من الأولاد في مولينبيك لم يحصلوا على قدر عالٍ من التعليم، أو هم عاطلون عن العمل، يختلطون بصحبة سيئة، ما يجعلهم عرضة للخطر. نحن نوضح لهم أنه إذا كنت لا تركز على المدرسة وتسيء التصرف في جميع مجالات حياتك، لا يمكنك أن تكون جزءًا من هذا النادي".

وأضاف محمد تبكلت، المدير الرياضي للنادي: "منذ هجمات باريس، والآباء يخافون على أبنائهم ويريدون إشراكهم في نشاط إيجابي. نحن نكافح لمواكبة الطلب، لأن الكثير من الأولاد يريدون الانضمام إلينا".


نماذج مرفوضة


لكن سمعة مولنبيك "الإرهابية" أرهقتها كثيراً خلال العام الماضي. فقد فشلت محاولات إشراك لاعبي كرة قدم من البيض من خارج المنطقة، في محاولة لإنشاء فريق أكثر تنوعاً، بينما غادر اللاعبون البيض الموجودون بسبب مخاوف من أن المكان خطر عليهم. في وقت سابق من هذا العام، اعتذرت جميع فرق الفتيات الـ26 التي كان من المقرر أن تشارك في بطولة سنوية لنفس السبب، في حين أن بطولة فرق الأولاد لم تنظم من الأصل. كما يتعرض لاعبو أكاديمية شباب مولينبيك للإساءات اللفظية على أرض الملعب، وينعتون بـ"الإرهابيين" و"أعضاء العصابات".

وكان على النادي أيضاً إجراء بعض المحادثات الصعبة مع اللاعبين على مدار العام الماضي، معظمها لا علاقة لها بكرة القدم. وعقدت اجتماعات لمعالجة المخاوف التي أثارها الشباب الفضوليون، الباحثون عن تفسيرات لارتباط مولينبيك مع باريس وبروكسل وغيرها من الهجمات، والأثر الذي تركته على حياتهم. وقد تم تقديم أمثال صلاح عبدالسلام، الذي ينتظر محاكمته في باريس، كنماذج مرفوضة.

تدعم عمل النادي فرانسواز شبمان، رئيس بلدية مولينبيك، التي أطلقت خطة واسعة النطاق للتركيز على التعليم والرياضة، في محاولة لمكافحة بعض مشاكل الشباب التي تواجهها المنطقة.

مثل العديد من ناخبيها، تعتقد هي أيضاً أن الانحراف وضعف التعليم في مولينبيك، وليس التعاطف المتأصل مع التطرف الإسلامي العنيف، يفسر تطرف عبدالسلام وزمرته.


أسباب التطرف



وقد تجلى ذلك في الآونة الأخيرة في نتائج مسح شامل استغرق شهرين وشمل سكان مولينبيك من جميع الخلفيات الدينية، أجراه المعهد الأوروبي للسلام. رأى الأغلبية أن نقص الفرص والعزلة الاجتماعية وضعف التعليم هي الأسباب الرئيسية للتطرف. وكانت المشكلات الثلاثة الأولى التي ذكروها، هي البطالة وضعف التعليم والسلوك المعادي للمجتمع، كما دعت الأغلبية إلى وجود قوى الشرطة لجعل المجتمع أكثر أماناً. وقال نحو 90٪ منهم إنهم لا يثقون بالسياسيين ولا الصحفيين بسبب الطريقة التي أظهروا بها حيّهم.

وقالت شبمان: "إذا نظرتم إلى شخص مثل عبدالسلام، الذي كان جزءًا من مجموعة من صغار المجرمين، لم يكن لدينا أي وسيلة لمعرفة أن هؤلاء الجانحين سيصبحون متطرفين".

وأضافت: "الكثير من الشباب في مولينبيك يتلقون تعليماً رديئاً، ما يؤثر على فرص عملهم ويدفعهم إلى السلوك المنحرف. يجوبون الشوارع، ويرتكبون جرائم صغيرة، ويمكن استدراجهم بسهولة. التعليم أولوية بالنسبة لنا، ولكن للرياضة دور هام أيضاً، لأنها تحفزهم في مجالات أخرى من حياتهم، وتساعد على معالجة الجنوح وتحقق الفخر للفرد والمنطقة".


هل جاءت متأخرة؟



وقد أضيف 50 ضابطاً إلى شرطة مولينبيك للتعامل مع الجرائم الصغيرة، ما أدى إلى زيادة بمقدار 3 أضعاف في القبض على مرتكبي الجنح، في النصف الأول من هذا العام. كما سيجري توفير المرافق والبرامج الجديدة لكرة القدم وغيرها من الألعاب الرياضية على مدى الأشهر المقبلة، وذلك بتمويل من مؤسسة كرويف، التي أسسها قائد فريق هولندا السابق يوهان كرويف، لمساعدة الشباب في المناطق المحرومة.

تلك المساعدة المالية أتت في وقتها المناسب لأكاديمية شباب مولينبيك. فإدارة النادي تكلف ما يعادل 158 ألف دولار أميركي، لكنه لا يتلقى سوى ما يعادل 36 ألف دولار تقريباً كمنح مقدمة من السلطة المحلية. ومن المفترض أن يجمع النادي الفَرق من اشتراكات اللاعبين السنوية البالغة 356 دولاراً لكل لاعب، ولكن نصف لاعبيه فقط يستطيعون دفع المبلغ كاملاً.

وغالباً ما ينفق المسؤولون من أموالهم الخاصة للحفاظ على النادي واقفاً على قدميه والتأكد من أنه لا يزال يتطور. ولأنهم يخوضون معركة استعادة سمعة مولينبيك في عيون العالم، تعهدوا بعدم رفض أي صبي يتقدم للالتحاق بالنادي.


- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.