كارثة لا يراها إلا القليل في مصر.. وجبة كباب شهية وابتسامة وقليل من الجنيهات مقابل تهريب آثار "أم الدنيا"

تم النشر: تم التحديث:
S
s


حين يتعلق الأمر بالجمال والآثار العظيمة نجد مصر رائدة في هذا، دولة كمصر، مهد الحضارات وواحدة من الدول التي تمتلك أجمل الفنون الإسلامية والهندسة المعماريّة، كما تمتلك تلك الأهرامات الخالدة، لا بدّ أن تكون وجهةً سياحية رائدة.

لكن مع استمرار ارتفاع سعر العملة الأجنبية، تتراجع مصر كثيراً في قائمة الدول السياحية، ومع تحليلنا لأحداث الأيام الماضية، تبرز صورة مثيرة للقلق.

قبل أن تطغى الثورة على المناظر الطبيعية، سجّلت مصر أكثر من 14 مليون سائح عام 2010، العدد الذي تزايد بعد أن كان 12 مليون سائح عام 2009، ما يعني ارتفاعاً بنسبة 17.5 % في عدد الزوّار.


قتل السائحين المكسيك أوقف تدفق الزوار


تسارعت الأحداث بسرعةٍ كبيرة نحو الأسوأ؛ في البداية في سبتمبر/أيلول عام 2015، قتل الجيش المصري بالخطأ سيّاحاً مكسيكيّين في الصحراء، وأوقف بذلك تدفّق السيّاح في المستقبل المنظور، ثمّ تتابعت الأحداث الإرهابية بصورةٍ مروّعة؛ سقوط طائرة روسية في أكتوبر/تشرين الأوّل عام 2015، ثمّ حادثة الاختطاف لرحلة مصر للطيران في مارس/آذار، ثمّ هجوم إرهابي محتمل آخر على رحلة مصرية أخرى في مايو/أيار الماضي.

ليس من الغريب إذاً أن ينخفض معدّل السيّاح بنسبة 51% في النصف الأول من العام الجاري، قبل تلك الهجمات المدمّرة، تضاءل عدد السيّاح إلى 9.3 مليون سائح في عام 2015، ويمكننا بسهولة تخيل ما سينتهي عليه الحال مع نهاية عام 2016.


السيئ والأسوأ


سالي سليمان، 27 عاماً، تعرف الكثير عن تلك الكنوز العظيمة، هي حاصلة على شهادة البكالوريوس في علم الآثار والتاريخ وخبيرة في كلٍ من الفنّ الإسلامي والفرعوني؛ لذا حين تتحدّث سالي عن وضع الآثار المصرية وتقول: "نحن لا نتحرّك بين الجيّد والسيئ، بل بين السيئ والأسوأ"، علينا أن ننصت جيّداً، تصوّر أن تكون الكنوز الوطنيّة تحت تهديد التآكل والمياه الجوفيّة، ثمّ يأتي الإهمال الحكومي وضعف التعليم والفساد العام ليقضي على ما تبقّى.

حين تكون الآثار التاريخية بروعتها في متناول يدك، لا بدّ أن تكون التوقّعات أفضل من ذلك بكثير، ولكنّ الكنوز سرقت بكلّ سهولة، تروي سالي إحدى الوقائع المروّعة التي ترجع لعام 2010، في منتصف الليل، هرب اللصوص وبحوزتهم قطعة كبيرة سطوا عليها من مسجد قاني باي، وهي تحديداً المنبر الذي كان الإمام يؤمّ المصلّين من فوقه.

هل كانت تلك القطعة أصغر من أن تُلاحظ؟ كان ينبغي لقطعةٍ بوزن 100 كيلوغرام وارتفاع أكثر من 5 أمتار أن تلفت الأنظار، من الواضح أنّه علينا أن ننظر للأمر من زاويةٍ أخرى، فالمجرمون لم يتمّ القبض عليهم حتّى يومنا هذا.

من المسؤول إذاً؟ حين سُئلت سالي قيل لها إنّ عمل الدوريّات الأمنية حول المسجد، ينقسم إلى مناوبتين؛ إحداها من الثامنة صباحاً إلى الثالثة عصراً ومسؤول عنها وزارة الأوقاف، بينما الثانية من الثالثة عصراً إلى الثامنة صباحاً ومسؤولٌ عنها وزارة الآثار. طرح مثل تلك الأسئلة على من يشغلون المناصب العليا في وزارتي الأوقاف والآثار، سوف يعرّضها للكثير من المشاكل.

التنصل من المسؤولية بمثابة رياضة وطنية تمارس هنا، وهاتان الوزارتان بمثابة الأفضل في هذه العملية الهزلية، تصوّر أن يقوم شخصان باتّهام بعضيهما ثمّ يأتي ثالث وينهب القطعة بسرعة.


بعض المال وبعض الكباب اللذيذ


يقول مفتّش الآثار، الذي سندعوه بالسيد "س" لحمايته، إنّ الكارثة ليست متمركزة في القاهرة؛ بل تمتدّ مثل تلك الكوارث من سيناء جنوباً إلى الأقصر ثمّ إلى أماكن مثل بنها في المنتصف. يرتعش صوته مبرزاً عاطفته الجيّاشة ثمّ يتابع سرد التاريخ عن كيف اكتُشفت الآثار اليونانية والرومانية في بنها قديماً في السبعينات.

بمجرّد أن تمّ اكتشافها تقريباً، تمّ توقيع الأوراق وفقدت وزارة الأوقاف اختصاصها على الموقع، وفي أسرع وقت، انتهى الترخيص للسماح باستخدام المبنى كملعب، وبعد سنواتٍ أثناء الإشراف على العمل هناك، رأى مفتشنا آثاراً تُستخرج من الأرض.


من المثير لإحباط المفتشين مثل السيد "س " الدور المحدود الذي يمكنهم لعبه للقضاء على الجريمة في هذا النطاق. على سبيل المثال، إن قابل المفتش من يحفر بشكل غير قانوني بحثاً عن القطع الفرعونية، فلا يمكنه فرض غرامة أو يُوقّف أحد، بل كل ما في يده هو الاتصال بالشرطة، وبمجرد تورطهم لا يُعتقل أي شخص، كما أن القانون مليء بالثغرات ويمكن لأي محام متوسط أن يُخرِج عميله من القضية، كما يقول السيد "س".

في القليوبية، كانت هناك حمامات يونانية رائعة التفاصيل، إلا أن مرورها تحت أيدي الترميم المصري أزال تفاصيلها "الآن لا يظهر ولا تفصيل واحد"، كما قال السيد "س" في حزن. كما يدفع غياب التدريب البعثات البحثية الأجنبية إلى عدم الثقة "في المفتشين المصريين ولديهم كل الحق". لا شك أن هؤلاء الباحثين الأجانب يذكرون أن العمال المصريين هم من تسببوا في الإضرار بقناع توت عنخ آمون في 2014.

يلعب غياب الخبرة والتدريب دوراً رئيسياً، كما كانت قصص الفساد المرعبة بين كبار المفتشين، الذين كانوا على صلة باللصوص في بعض الحالات كثيرة جداً على أن يُحصيها المفتش.

خلاصة القول بالنسبة إلى س "لا يستطيع أحد البناء إذا لم تتم إزالة القطع الأثرية من الأرض؛ لذا فإن بعض المال إلى جانب وجبة كباب شهية للعشاء، سوف تتكفّل بهذه المشكلة".


"مفزعة بكل بساطة"


تنخر أعمال النهب في الآثار المصرية، عبر استخدام بيانات الأقمار الصناعية، وجد العلماء في جامعة ألاباما أن سرقة الآثار زادت أعدادها عن الضعف بين عامي 2009 و2010، ثم تضاعفت مرة أخرى بعد الثورة.

يعتبر الأساتذة وعلماء الآثار بالجامعة أن معدلات الجريمة "مفزعة بكل بساطة"، وما اكتشفه الباحثون في ألاباما من آلاف الكيلومترات في السماء، رأتها سالي بعينيها. "عشرات القطع الأثرية كانت تُنهب"، كما أخبرتني سالي.

بعض من القطع المسروقة ذهبت إلى أوروبا والولايات المتحدة، لكن كثيراً من قطع الفن الإسلامي التي عُثر عليها وجد طريقه إلى منطقة الخليج المجاورة، وكان نصيب الأسد منها ضمن مجموعات خاصة في المملكة العربية السعودية، وقطر، والإمارات العربية المتحدة، لكن بدون وجود أدلة قوية في متناول اليد، لا تستطيع مصر أن تأمل في استرداد الكنز الذي تم الاتجار به بعيداً عن الأعين إلى ملاكه الخاصين الجدد.

بدون وجود فريق مدرَّب للاعتناء بها، لا يكون التخلي عن مواقع الآثار تلك أقلل ضرراً. يقول المسؤولون لعلماء الآثار المصرية أمثال سالي: "بدون السياحة، لا يوجد المال"؛ بل إن أحد المسؤولين أخبرها بصورة شخصية: "أتمنى أن تختفي بعض تلك القطع الأثرية حتى يخف عبء المسؤولية الملقاة علينا".


خفة يد.. جنيهات قليلة وابتسامة


لا تُساعد مصر نفسها، إذا جرّبت حماية مقراً للآثار الإسلامية، مثلما يفعل أحياناً علماء وباحثون لأغراض أكاديمية، فسوف تجد الإيجارات اليومية المروعة تصل حوالي 30,000 جنيه مصري، كما تقول سالي.

إنه نفس المنطق الخاطئ الذي تسبب في إفشال قناة السويس، زيادة التعريفات من أجل تعويض الخسارة في العائدات. والنتيجة؟ تجد المزيد من السفن طرقاً بديلة وتكلف مصر خسارة مزيد من العائدات التي تحتاج إليها، وهو نفس الشيء بالنسبة للسياحة والآثار: كيف لك أن تُصر على وضع أسعار باهظة كتلك في الوقت الذي يتراجع فيه الطلب لأقل معدلاته وتنعدم الخدمات في كثير من تلك المواقع؟

سمحت العلاقات الشخصية، وخفة اليد، وجنيهات قليلة مع ابتسامة لسالي بالوصول للكثير من المواقع حتى تتمكّن من توثيقها، لكن في ظل الظروف السياسية القاسية، قد يعني تصوير المواقع المتداعية من أجل جذب الانتباه للفساد والبيروقراطية المصرية البطيئة أن تقضي وقتك في السجن.

قالت سالي: "أفكر 9,000 مرة قبل الذهاب للتصوير.. عليّ أن أكون ذكية"، لكنها تعرض نفسها لخطر الاعتقال من أجل مدوّنتها، تراث البصّارة، حيثُ توثّق كل ما تراه مع مساعدها الأمين، محمد سليمان، الذي لا يربطها به قرابة، لكنه باحث عاشق للتاريخ.

ثورة آثار

تواجه مصر موقفاً اقتصادياً لا تُحسد عليه، فقد تراجع دخل البلاد من السياحة، الذي وصل أكثر من 12.5 مليار دولار عام 2010، إلى 5.9 مليار دولار في عام 2013.

كان من شأن استعادة هذا الدخل المفقود أن يساهم بشكل كبير في اقتصاد يفقد حلفاءه في كافة الدول الخليجية الهامة، مع انسحاب المملكة العربية السعودية بصورة ملحوظة لدرجة أن السيسي قال، على تويتر، في وقت مبكر من هذا الأسبوع: "كفانا اعتماداً على أشقائنا العرب".

وتقول "سُليمان" إن هناك 3 أمور تحتاج للقيام بها من أجل أن يزدهر القطاعان التوأمان، الآثار الفرعونية والفن الإسلامي:

1. الاعتراف بوجود مشكلة.
2. التخلص من الفساد "في كل زاوية وكل نفس".
3. خطة قصيرة وطويلة المدى للإدارة الشاملة للآثار المصرية.

سالي على حق، لكن هناك أكثر من ذلك يحتاج للتغيير، فمصر ليست دولة تواجه ركوداً فحسب، بل إنها أيضاً تمضي بخطواتٍ قوية إلى الوراء في كنف ثورة مضادة، في بيئةٍ مثل هذه، يُلقى الحكم القديم بالشباب جانباً لأنهم يمثلون التغيير، والتغيير لا يتماشى مع الثورة المضادة.

هناك البعض بداخل هاتين الوزارتين الهامتين يريد حماية هذه الكنوز، وتوثيق وجودها والقضاء على الفساد، لكن صفاء نيتهم سرعان ما يسقط أمام وزارات تنفر إجراءات التشغيل القياسية بداخلها على نحو كبير من التغيير.

عندما تصل قيمة الدولار إلى 17 جنيهاً مصرياً، يُمكن استخدام الكارثة الاقتصادية في إعادة السياح مع دولاراتهم القيمة، في بلدٍ يشهد قدراً هائلاً من رُهاب الأجانب الناجم عن قومية السيسي وأتباعه المُفرطة، تغدو تلك المهمة مستحيلة تقريباً، إذا كان العدو هو الأجنبي، كيف يمكن أن يكون هو المُنقذ أيضاً؟

ولكي نأمل في العودة إلى حيثُ يطمح علماء الآثار، لا بُد من وجود تغيير، ينتظر عالم القطع الأثرية ثورة من أجل حماية وجوده بالأساس، بنفس القدر الذي ينتظره البلد نفسه.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني؛ للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.