إيرانيون يحيون تاريخهم قبل الإسلام.. الآلاف يتحدَّون السلطات ويحتفلون بـ"يوم قورش"

تم النشر: تم التحديث:

تحدى آلاف الإيرانيين السلطات بقيامهم بمسيرة للاحتفال بما أطلقوا عليه "يوم قورش" وهو ملك فارس القديم الذي يتردَّد أنه أول من أصدر إعلاناً عالمياً لحقوق الإنسان في ما يعرف باسم "أسطوانة قورش" ويرجع تاريخها للقرن السادس قبل الميلاد.

ردد المتظاهرون، المحتشدون حول قبر كورش في باسارغاد القريبة من مدينة شيراز الجنوبية، شعارات قومية رغم محاولات الشرطة غلق الطرق وتحويل مسارات المرور عن الموقع الأثري القديم بحسب تقرير لـ"بي بي سي".

ويحيي القوميون الإيرانيون هذا اليوم منذ سنوات عديدة، ولكن ليس بهذه الأعداد الكبيرة.

المتظاهرون الذين بدوا وأنهم يحاولون إحياء تاريخهم لفترة ما قبل الإسلام التي ينظر لها البعض على أنها كانت بمثابة عصرهم الذهبي رددوا شعاراتٍ معادية للعرب "كل شيء بيد الله ولكن كل البلاء من العرب" و"نحن آريون لا نعبد ما يعبده العرب" بحسب تقرير نشرته "العربية".


إحياء التاريخ الإيراني


فشين مرعشي، مدير برنامج الدراسات الإيرانية والأستاذ بقسم الدراسات الدولية بجامعة أوكلاهوما الأميركية، ناقش الكيفية التي تم بها إحياء التاريخ الإيراني وبشكل خاص فترة الملك قورش وتاريخه الكبير على مدار الـ200 عام الأخيرة وذلك خلال لقاءات شهرية بمدينة مور.

وقال مرعشي بحسب موقع Red Dirt Report الأميركي إن قورش كتب أول إعلان لحقوق الإنسان في عام 539 قبل الميلاد على أسطوانة تحمل اسمه.

وتساءل مرعشي: "كيف أصبح لهذا الأمر معنى في وقتنا هذا؟ لدى الإيرانيين ذاكرة حديثة حول قورش الكبير".

وقال مرعشي إن لافتات قورش كانت موجودة في كل مكان ومنتشرة في الثقافة الإيرانية خلال الفترة من خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي، أي خلال حكم آخر شاه إيراني محمد رضا بهلوي. لكن قبل العام 1950 لم يكن هناك ذكر له. ويأتي أقدم دليل حول التاريخ الإيراني من الحضارة الإغريقية القديمة التي كانت في عداء وحروب أغلب الوقت مع الفرس.

وأضاف: "لم يكن لدى الإيرانيين أي قدرة على الوصول إلى مصادر التاريخ اليوناني القديم خلال حقبة العصور الوسطى. فقط بحلول خمسينيات القرن الماضي، بدأت أول ترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة الفارسية".

iran cyrus
الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد يشاهد "أسطورة قورش"

ويأتي المصدر الثاني للتاريخ الإيراني من كتاب عنوانه "كتاب الملوك" للشاعر الفارسي الفردوسي والذي كتبه في الفترة من عام 977 وحتى 1010م، لكن لم تتم الإشارة إلى قورش الكبير في هذا الكتاب.

وقال مرعشي: "إن الإيرانيين في العصور الوسطى وعصر ما قبل الحداثة، أي الذين استمدوا ذاكرتهم التاريخية من كتاب الفردوسي، لم يستوعبوا تاريخ قورش الكبير".

وأضاف بأن القرآن وغيره من المصادر الإسلامية التي ذكرت الإسكندر الأكبر وغيره لم تتحدث عن قورش الكبير.


قورش واليهود


وقال مرعشي إن المصادر الأساسية التي تتحدث عن قورش الكبير تأتي من كتاب العهد القديم أو التوراة والذي يصف تحرير قورش لليهود بعد فتحه لمدينة بابل وتابع "حتى إذا علم اليهود الإيرانيون عن قورش، فإن هذه المعرفة لم تنتقل إلى أصحاب الديانات الأخرى في إيران".

وبالإضافة إلى ما ورد بالتوراة، ورد ذكر قورش الكبير عدة مرات في كتاب تاريخ الطبري أو "كتاب تاريخ الرسل والملوك" لمحمد بن جرير الطبري، وهو شاعر فارسي ألف هذا الكتاب بالعربية في عام 915. وترجم الكتاب إلى الإنجليزية فقط في عام 1850.

ويقول مرعشي: "تتناقض كتابات الطبري مع ما ورد في التوراة. لم يتضح من أين جاء الطبري بمعلوماته. ويتضح لنا أن قورش كان يعامل كشخصية هامشية أو ثانوية في التاريخ الإيراني حتى حلول العصر الحديث".

ويتابع مرعشي بقوله إن الإيرانيين بدأوا منذ عام 1800 في قراءة كتب عن تاريخهم لمؤرخين بريطانيين وفرنسيين وألمان وروس مثل جون مالكوم الذي كتب كتاب "التاريخ الفارسي: من العصور الأولى إلى الوقت الحالي في 1829".

وأضاف: "هذا واحد من أكثر الكتب أهمية حول التاريخ الإيراني والذي بدأ يؤثر في الطريقة التي ينظر بها الإيرانيون لتاريخهم. كلما أقبل الإيرانيون أكثر على تعلم اللغات الأوروبية، زادت معرفتهم بقورش الكبير".

وأضاف مرعشي أن مصادر الكتب الأوروبية عن التاريخ الإيراني استندت إلى التاريخ اليوناني القديم، والعهد القديم، وعلماء الآثار المقيمين بإيران. بينما يرجع الفضل لرجل بريطاني، وهو السير هنري راولينسون، في حلّ رموز الكتابة المسمارية الفارسية القديمة في منتصف خمسينيات القرن التاسع عشر.

وقال مرعشي: "عندما فهمنا رموز الكتابة المسمارية الفارسية، قدّم لنا هذا كمّاً كبيراً من المعلومات عن التاريخ الإيراني لم تتوفّر لأحد من قبل".


ما قبل الإسلام


وأدى فهم اللغة الفارسية إلى بحث أثري أكثر توسعاً عن التاريخ الإيراني، وأدّى في النهاية إلى اكتشاف أسطوانة قورش عام 1878 في العراق.

وقال مرعشي: "أيّدت بعض الكتابات على أسطوانة قورش ما ورد عنه في نص العهد القديم. وفي نهاية القرن التاسع عشر، أعاد الإيرانيون اكتشاف مواقعهم الأثرية القديمة في ضوء يبعث على الفخر بماضيهم".

ألهم الكشف عن التاريخ الإيراني القديم في نهاية القرن التاسع عشر جيلاً جديداً من الكتّاب، والمفكّرين، والمؤرخين الإيرانيين للكتابة عن تراثهم.

وقال مرعشي: "رأى الإيرانيون تاريخ بلادهم لأول مرة خارج إطار الدولة الإسلامية وبدأوا بإبراز التاريخ الإيراني ما -قبل- الإسلامي، وهي خطوة جديرة بالتذكر"، وأضاف مرعشي أن الإيرانيين اتجهوا إلى اعتبار عهد قورش الكبير والفترة ما قبل الإسلامية بمثابة العصر الذهبي لإيران، والذي أُعلنت فيه أول وثيقة لحقوق الإنسان (أسطوانة قورش). بالنسبة للإيرانيين، يبدو ذلك العصر أكثر عدلاً من واقعهم الحالي.

وقال مرعشي إن هذا الأثر امتد إلى القرن العشرين، فقد مُنح اهتمام أكثر لتاريخ قورش الكبير من خلال جيل آخر جديد من الكتّاب والسياسيين الإيرانيين، مثل حسن بيرنيا وشجاع الدين شفا.


قورش لخدمة أغراض سياسية


وأخيراً، استخدم محمد رضا شاه بهلوي شعار قورش الكبير خلال فترة توليه للسلطة حتى يرتبط حكمه بسَلَفه، وفرض التأكيد على هذا التشابه في الكتب المدرسية والاحتفالات الرسمية في إيران.

وقال مرعشي: "اتخذ محمد رضا شاه من قورش الكبير قدوةً. وكانت تلك وسيلة لإقرار شرعيته في السلطة التي استولى عليها بانقلاب على الحكم عام 1953"، وأضاف مرعشي أن محمد رضا شاه، في سعيه لتقليد قورش الكبير، دافع عن حرية الدين وعن حقوق الأقليات غير المسلمة في إيران آنذاك.

وأضاف أن استخدام شعار قورش الكبير كان يخدم أيضاً أغراض السياسة الخارجية، بالإشارة لإسرائيل، أن قورش الكبير كان صديقاً للمجتمع اليهودي في عصره. وفي المقابل لتذكير العراق أن إيران هزمت بابل (بغداد الآن) من قبل وأنها على استعداد للقتال مرة أخرى في حال حدوث اعتداء عراقي.

وقال مرعشي "والآن، عندما عُرضت أسطوانة قورش في جولة حول العالم، حجّ إليها الكثير من الإيرانيين المقيمين خارج إيران، ورأوا في ذلك طريقة للارتباط مجدداً ببلادهم. ويستمر تطوّر الرمزية المرتبطة بقورش الكبير".