هل تُصبح روسيا مثل جنوب أفريقيا؟.. مجلة أميركية تفند أسباب وعواقب تدخل بوتين بالانتخابات الأميركية

تم النشر: تم التحديث:
VLADIMIR PUTIN
Mikhail Metzel via Getty Images

"أخشى أن تُصبح روسيا مثل جنوب أفريقيا"، هذا ما قاله أحد كبار البرلمانيين السابقين في روسيا لمجلة فورين بوليسي، معرباً عن قلقه لتصاعد الضغوط على بلاده بسبب تدخلها في شؤون الدول الخارجية والتي كان آخرها التدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

مارك غاليوتي هو زميل باحث في معهد براغ للشؤون الدولية وزميل زائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، وأحد كتاب مجلة فورين بوليسي، قال في مقال له بالمجلة إن ما تحققه روسيا اليوم من نجاحات على كافة الأصعدة سيعود عليها غداً بكوارث منهكة.

وأوضح في مقاله عن أسباب تدخل بوتين في الانتخابات الأميركية، مرجعاً ذلك لسببين رئيسيين، أولهما إضعاف قوى كلينتون حتى لا تفوز بالانتخابات الرئاسية، والهدف الثاني هو تقويض شرعية وديمقراطية الولايات المتحدة. إذ يسعى القراصنة الروس إلى إضعاف شرعية الولايات المتحدة في الخارج.

ويرى غاليوتي أن أحد مشاكل الكرملين، هو أن بوتين يركز على ما يمكن تحقيقه غداً، دون التفكير جدياً في العواقب التي قد تكون في المستقبل.


وهذا نص المقال كاملاً:


في شهر مارس/آذار الماضي، قبل بدء الانتخابات الرئاسية الأميركية، وقبل أن نسمع عن قراصنة فانسي بير "Fancy Bear" وكشفهم لوثائق تخص حملة هيلاري كلينتون الانتخابية، كنت في موسكو وتحدثت مع مسؤول روسي سابق كان يعمل في الكرملين، ودار النقاش بيننا حول شخصية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واتفقنا على صفة واحدة وهي "معضلة بوتين".

جاءت هذه الصفة بناءً على "غريزة بوتين التكتيكية في اقتناص الفرص السانحة لكن تأتي النتائج مُخيبة للآمال دائماً." وبعد مرور 7 أشهر من هذا النقاش ظهرت "معضلة بوتين" بشكل واضح من خلال التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

ويمكن أن يثور هنا نقاش جاد حول التدخل الروسي الأكيد في الانتخابات الرئاسية الأميركية، على الرغم من شكوك دونالد ترامب وأجهزة الاستخبارات الأميركية التي اتهمت مجموعة من القراصنة الروس باختراق رسائل البريد الإلكتروني لحملة هيلاري كلينتون واختراق موقع اللجنة الوطنية الديمقراطية ونشر هذه الوثائق على موقع ويكيليكس. يأتي ذلك بالإضافة إلى التدخل السافر لوسائل الإعلام الروسية الرسمية وشبكة تليفزيون RT (روسيا اليوم) ووكالة سبوتنيك الإخبارية التي تعمل على تحفيز الأحزاب المناوئة لكلينتون ونشر مزاعم تزوير الانتخابات وغيرها من الادعاءات.

(لكن هذا شيء مألوف مقارنةً بالخطاب المبالغ فيه للتليفزيون الروسي المُضيف والدعاية الترويجية لديمتري كيسليوف، الذي ادعى أن المؤسسة الأميركية ستقتل ترامب حتى لا تسمح له بالفوز في الانتخابات الرئاسية (لكن الغرض من هذا الكلام الرنان هو توجيهه إلى المشاهدين المحليين وليس بغرض التأثير في أصوات الأميركيين). وهناك مخاوف غير مؤكدة تُشير إلى احتمال اختراق الروس لأنظمة التصويت الإلكترونية يوم الانتخابات.

وحتى الآن ما الذي حققه هذا الجهد؟ هناك بعض النجاحات التي تحققت لكنها كانت مُكلفة للغاية.

لكن يجب أن يُقاس نجاح تدخل روسيا بأهدافها. فعلى الرغم من ضعف احتمالية فوز ترامب في الانتخابات الأميركية، إلا أن هناك سبباً قوياً يدعو إلى التفكير في الأهداف التي تصبو إليها روسيا. ويبدو لنا الآن أن المرشح الجمهوري حليف لروسيا –إلا أنه لُوحظ بشدة في المناظرة الثالثة أن ترامب كان ينأى بنفسه عن بوتين– لكنه لن يكون الرئيس المحتمل للولايات المتحدة الأميركية.

واعتاد بوتين على تنفيذ خططه بوحشية على الساحة الجيوسياسية، وهذا يشير إلى أن فشل نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية يمكن أن يُصيب حسابات بوتين الاستراتيجية وخططه بشلل تام.

وكان تدخل روسيا في الانتخابات الأميركية لهدفين اثنين، أولهما إضعاف قوى كلينتون حتى لا تفوز بالانتخابات الرئاسية، لأنه في حال فوزها ستنشغل بمواجهة اليسار الديمقراطي الساخط والديمقراطيين الذين يشعرون بالمرارة، والبلد المنقسم لتكريس جهوده لمواجهة بوتين وإسقاطه. ومن السابق لأوانه أن نتأكد من قيام القراصنة الروس بفعل أي شيء غير مُتوقع بهدف جذب الديموقراطيين والجمهوريين لحالة من السخط والغضب المتبادل في موسكو.

والهدف الثاني هو تقويض شرعية وديمقراطية الولايات المتحدة. إذ يسعى القراصنة الروس إلى إضعاف شرعية الولايات المتحدة في الخارج، حتى تفقد ثقة حلفائها، من خلال إطلاق الشرر لحملة دعائية عالمية.

تٌحاول الحملة الدعائية التي تتبناها روسيا إقناع العالم بأن النظام الروسي أفضل من الأنظمة الأخرى وأنه ليس بهذا السوء الذي يُشاع عنه. وتردد صدى تلك الدعاية بعض الشيء، لكن من الصعب الجزم بأن ما يفعله الروس أكثر ضرراً مما تفعله حملة ترامب.

لكن تدخلات روسيا لا تعود عليها إلا بمزيد من الأزمات مثل ضمها لشبه جزيرة القرم (الأمر الذي أدى إلى فرض عقوبات مشددة على روسيا مما كلف خزينة الدولة أموالاً ضخمة) وتورط روسيا في مغامرة ضم منطقة دونباس (التي نتج عنها فرض مزيد من العقوبات وشوهت سمعة روسيا في حرب مكلفة، وغير معلنة) وتدخل روسيا في سوريا، (ويبدو أن دعم بوتين للأسد في سوريا لن يسمح له بالانسحاب المبكر، وهذا سيجعل روسيا عالقة في حرب أخرى مفتوحة). ويبدو أن ما تحققه روسيا اليوم من نجاحات على كافة الأصعدة سيعود عليها غداً بكوارث منهكة. وشعر الروس بالارتياح جراء الفوضى الناتجة عن التسريبات التي تسبب فيها القراصنة الروس، لكن الروس يُعبرون اليوم عن مخاوفهم من احتمالية انتقام الولايات المتحدة من روسيا، والأهم من ذلك هو مدى تأثير ذلك على العلاقات الأميركية الروسية في المستقبل. وقد وصف أحد الروس ما يجري على الصعيد الروسي قائلاً "دعونا نعتاد على العقوبات حتى نسقط في الهاوية".

ومن المعروف أن كلينتون ليست صديقة لبوتين، لكنها مشغولة بتصفية الصراعات القديمة أكثر من الدخول في حرب صليبية جديدة. ويبدو أن بوتين سينتظر حتى تنصيب كلينتون لكي يطرح عليها بعض الاتفاقات بشأن سوريا أو ربما بشأن أوكرانيا أيضاً، لكن من المرجح أن تنظر كلينتون في امر هذه القضايا على الأقل. ويبدو أن التسريبات والتصرفات الغريبة التي يقوم بها بوتين قد أقنعت كلينتون والمحيطين بها أن الكرملين يُشكل خطراً كبيراً يُحدق بالديمقراطية الأميركية والوحدة الغربية. كما قال مصدر مطلع في واشنطن لمجلة "فورين بوليسي" الأميركية: "نتوقع الآن أن نرى بوتين في الكوابيس" –ويُشاع منذ فترة طويلة استعداد الولايات المتحدة لتقديم الدعم اللازم لتغيير النظام الروسي– "ويمكن أن يتحقق ذلك حال دخول هيلاري كلينتون البيت الأبيض".

في موسكو يبدو أن الشماتة الروسية المتزايدة خلال الأشهر التي جرت فيها حملة الانتخابات الأميركية لن تجلب لروسيا إلا عواقب وخيمة. وتخشى النخبة السياسية الدولية قيام واشنطن بخداع روسيا في الشرق الأوسط وأوروبا ودفع الاتحاد الأوروبي بتصعيد الضغوط على روسيا. وتخشى النخبة السياسية والتجارية من موقف الولايات المتحدة غير الواضح تجاه روسيا. وإذا لم تُفكر الولايات المتحدة في العمل على تغيير النظام الروسي، فحتماً ستتخذ إجراءات صارمة على السفر والاستثمار في روسيا. وأعرب أحد كبار البرلمانيين السابقين في روسيا عن قلقه لمجلة فورين بوليسي قائلاً "أخشى أن تُصبح روسيا مثل جنوب أفريقيا". مُشيراً إلى فترة الثلاثين عاماً التي عاشتها جنوب أفريقيا في عقوبات ومقاطعة؛ إذ عُزلت البلاد آنذاك إبان حكم البيض الذين مارسوا نظام الفصل العنصري.

ويبدو أن القلق طال العملاء الروس الذين كانوا خلف أعمال التجسس. إلا أن رعاية بوتين لهم وتأكده من أنهم قادرون على إثارة المشاكل في الخارج لا يزال في صالحهم حتى الآن. وبالرغم من ذلك فإن أساليب وقدرات هؤلاء العملاء مازالت تحت المجهر بشكل غير مُعلن منذ الحرب الباردة، ويبدو أن استراتيجية الانتقام الجديدة للولايات المتحدة بدأت تؤتي ثمارها الآن.

وأعرب أحد المحللين المُقربين من المخابرات الروسية عن قلقه من "إهدار إمكانيات التجسس الإلكتروني التي تُعتبر أصولاً حقيقية وتعريضها للقيل والقال".

وحتى نفهم سبب تدهور الأوضاع بين بوتين والولايات المتحدة – وحتى نفهم سبب توضيح فكرة "معضلة بوتين", لأن هذه الفكرة تُساعد في النظر إلى سياق السياسة التي يتبناها بوتين؛ فهو يلعب على الساحة العالمية مُستغلاً الأحداث الجارية ومخاوف الآخرين. ولدى بوتين بعض الوقت لتقمص دور "وحش الجغرافيا السياسية" من خلال قيامه ببعض الأعمال المثيرة التي تتجاوز كل الخطوط وتخلق نوع من التغطية الإعلامية اللاهثة لفترة طويلة".

والمثال على ذلك هو إرساله قاذفات بعيدة المدى حتى تلتف على المجال الجوي للناتو، كما أطلق مؤخراً صواريخ نووية قادرة على دخول الحصار الروسي في كالينينغراد، لكن ذلك ليس له أي معنى ولا فائدة سوى أنه يثير قلق الجانب الغربي. وقد تكون أعماله الفوضوية محفوفة بالمخاطر مثل تدخله في سوريا. وكان الهدف من التدخل الروسي في سوريا من أجل دعم آخر حلفاء روسيا، وكان ذلك بمثابة تحد لجهود واشنطن الدبلوماسية لعزل موسكو. ولكن ذلك زاد أيضاً من احتمالات الزج بقوتين نوويتين إلى حيز الصراع العسكري المباشر.

أما بالنسبة للتدخل في الانتخابات الأميركية، فبدأ بوصفه نوعاً غير منطقي من التَّصيد الروسي، ولكن عندما استسلم بوتين إلى موقفه المعتاد لمضاعفة أهدافه في هذه اللحظة، مما جعل من التدخل أمراً غير منطقي، ليُشكل تحدياً صريحاً لنزاهة الديمقراطية في الولايات المتحدة.

ولا يقدر بوتين على مقاومة إغراء التدخل في السياسة الداخلية الأميركية. والأجهزة السياسية الضخمة والمنتشرة، التي تعتمد بشكل كبير على المتطوعين، هي بطبيعتها غير آمنة، وتُعتبر أهدافاً سهلة المنال لأجهزة الاستخبارات الروسية الواسعة، والعدوانية. ونتج عن المشهد السياسي المرير انقسام أميركا من خلال الحملات الرئاسية العدائية، والذي وسع من تأثير التسريبات الاستراتيجية وغيرها التي سربها العملاء الروس واستغلها بوتين لرصد نقاط الضعف داخل النظام السياسي في الولايات المتحدة. وقد عانت الديمقراطية الأميركية بالفعل من هذه التدخلات لكن بوتين قد نجح في جعل دور روسيا واضحاً بالشكل الذي يتطلب رداً من الولايات المتحدة.

وأحد مشاكل الكرملين، من بين أمور أخرى، هو أن بوتين يركز على ما يمكن تحقيقه غداً، دون التفكير جدياً في العواقب التي قد تكون في المستقبل. كما أنه يفترض أنه قادر على السيطرة بسهولة على نتائج أفعاله غير المحسوبة وهذا ما رأيناه من قبل عندما قرر الكرملين التدخل في منطقة دونباس في أوكرانيا، وتسليح المعارضين المحليين وإرسال القوات والأسلحة لدعمهم، اعتقد بوتين أن هذا تكتيك ماكر منه. أما في كييف اعتقد بوتين أنها ستضطر إلى الاستسلام، وقد تدعي موسكو عدم التورط. وبعد مرور أكثر من عامين، روسيا ما زالت غارقة في صراع داخل حلقة مفرغة، بالإضافة إلى تمويلها لقطاع الطرق في دولة نوفوروسيا الاتحادية (كيان فيدرالي غير معترف به) الأمر الذي أدى إلى تقلص ميزانية الدولة.

وقصة غزوة بوتين في السياسة الأميركية تتبع المسار نفسه. وهناك خطة لاستخدام الأصول المُسربة لإثارة المشاكل في الخارج حتى تضع الخصم في موقف ضعيف. إن ادعاءات بوتين بأنه ذو يدٍ بيضاء هي ادعاءات واهية لا أساس لها. وحتما ما ستدور الدوائر على صاحبها في أحد الأيام.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.