ليست الكمبيوترات وحدها.. تفاصيل "الزرجنة" والفوضى والخوف في كواليس مؤتمر شرم الشيخ للشباب

تم النشر: تم التحديث:
KWALYS
سوشيال

3 أيام من الفوضى و"الزرجنة" والغضب والخوف كانت هي السمات الرئيسية لكواليس مؤتمر شرم الشيخ للشباب، الذي حضره الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بصحبة 3000 آلاف شاب معلناً أنه سيكون حدثاً سنوياً.

"الزرجنة" لمن لا يعرف المصطلح المصري، تشير إلى حالة التعطل عن العمل المفاجئة وغير واضحة الأسباب، وهو ما أصاب أجهزة الكمبيوتر خلال حفل افتتاح المهرجان وأثناء تلاوة القرآن، ما اضطر السيسي إلى إعلان بدء المؤتمر متجاوزاً هذه الفقرة التقليدية، وقائلاً بابتسامة "الكمبيوتر زرجن".

الكمبيوترات لم "تزرجن" فقط في حفل الافتتاح، ففي الكواليس كانت معظم الترتيبات تمر بحالة "زرجنة"، والشباب الذين كانوا عنوان المؤتمر عجز معظمهم عن الدخول، بعد أن اختفت تصاريح دخولهم، والصحفيون أصابهم مثل ذلك، ولم يسلم من الأمر إلا كبار المسؤولين والمدعوين.

إضافة للزرجنة، كان هناك انطباع أن هدف المؤتمر كان خلق حالة تلفزيونية، فما يحدث داخل القاعة هو المهم، وما يجري في الكواليس يمكن أن يستمر بلا حل، أما الشباب الذين سيشاركون بسؤال أو تعليق، فقد تم توزيع مشاركاتهم عليهم وتدربوا على نصها وأدائها قبل الحفل حسب ما قال لنا عدد من المشاركين الذين أكدوا أنه تم منعهم من الحديث للصحافة.


ليلة "البروفة"


اصطحبنا في رحلتنا إلى كواليس المؤتمر "مايسة" وهو اسم مستعار لصحفية قبلت أن تحكي لـ"هافينغتون بوست عربي" تفاصيل ما دار معهم، ابتداء من ليلة وصولهم إلى شرم الشيخ، حيث تم توزيعهم على فنادق المدينة والتي تتنوع في عدد نجومها حسب أهمية الضيف.

وحسب مايسة فقد تم توزيع الذكور من الشباب على بعض الفنادق، وتم تسكين الفتيات في فنادق أخرى وجميعها من فئة الأربع نجوم، ولكن كبار المسؤولين والصحفيين والشخصيات المعروفة تم تسكينهم معا في فنادق أكثر فخامة، بعضها سبع نجوم.

الليلة السابقة للمؤتمر كانت ليلة "البروفة" فقد تم استدعاء جميع المشاركين للقاء أحد مسؤولي مكتب الرئيس، وأجرى معهم "بروفة" على كلمات سيلقيها الشباب أمام الرئيس، والأسئلة التي سيوجهونها إليه، وتلقى المشاركون في برنامج تأهيل الشباب في تلك الليلة تعليمات واضحة بعدم الحديث مع الإعلام بكافة أنواعه، ولاحقاً كانت هذه التعليمات مبعث خوف واضح للشباب منعتهم من الكلام.


فجر اليوم الأول


في الخامسة فجراً صبيحة المؤتمر، كانت "مايسة" تستمع في الفندق المخصص للمشاركات والصحفيات، لأصوات أحذية الكعب العالي تزحم الممرات، كلهن يتوجهن لتناول الإفطار ومنه إلى الحافلات التي تقلهن إلى قاعة المؤتمرات.

الشابات بالغن في التأنق للمناسبة، وقد تجمعن أمام بوابة التفتيش لاستلام تصاريح دخول قاعة المؤتمرات، ولكن ها هي الساعة السابعة وما زال المنظمون يحاولون البحث عن التصاريح التي اختفى كثير منها، وقد طلبوا من المشاركات الصعود إلى الحافلات للحاق بموعد الدخول واستلام التصاريح أمام البوابة.


أين تصاريح الدخول؟


بدا بعد ذلك أن مشكلة التصاريح لن يكون لها حل في الأفق، فمنظمو المؤتمر غائبون والأمن يطلب من المشاركات اللواتي لم تظهر تصاريحهن الابتعاد عن البوابة.

إحدى عضوات البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب هتفت "المؤتمر مهم لنا وللبلد ولا بد أن ندخل ونشارك ونتكلم"، وقالت زميلتها الغاضبة: "وزارة الشباب مسؤولة عن هذا الفشل، خالد عبدالعزيز وزير فاشل ولا يعرف كيف ينظم مؤتمرا".

ظهر متطوعون من المنظمين يحملون بعض بطاقات الدخول لشرائح مختلفة، احتد الشباب عليهم، وكادت تتحول لمشادة.

مرت ساعة، و5 من المشاركات ما زلن يبحثن عن مكان يحتمين فيه من أشعة الشمس. قالت إحدى الصحفيات: "التنظيم فاشل والبلد ستظل كما هي لأن المنظومة (بايظة). ردت واحدة من فتيات البرنامج الرئاسي مبرأة الرئيس ومتهمة من حوله: "الريس طوال الوقت يعمل برة وجوة.. هيعمل إيه أكتر من كده؟ اللي حواليه وحشين وحشين أوي".

أخرى اشتكت من كعب الحذاء الذي يؤلم ظهرها، وثالثة كانت تفكر في سعر كريم الحماية من الشمس الذي يكلف 270 جنيهاً (نحو 17 دولاراً)، ورابعة كانت تنعي ماكياجها الذي تعبت عليه بعد الفجر و"باظ".

لم يسفر التبرم والسخط عن شيء فقد امتدت الصحبة الإجبارية بين الفتيات لعدة ساعات، في كل الأحوال.


الدكتورة جهاد لا تملك حلاً


ظهرت الدكتورة "جهاد عامر" المشرفة الأولى على تنظيم المؤتمر بعد أن طالب العالقون الذين زاد عددهم كثيرا بحضورها.

والدكتورة جهاد عضوة في مجلس النواب المصري كما أنها مديرة مكتب وزير الشباب المسؤولة عن التنظيم ولها خبرات سابقة في تنظيم مؤتمرات، وقد حاولت تهدئة الغاضبين غير أنها لم تملك حلاً سحرياً فقد بدا الارتباك عليها ولم تكن تستطع حل الموقف.

طلبت من الحاضرين الوقوف في صف ثم تجميع الأسماء في قوائم مختلفة، واحدة لأعضاء البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، وواحدة للصحفيين، وواحدة لأوائل الطلبة، وواحدة للمتفوقين من حديثي التخرج، وواحدة لمندوبي الأحزاب، وواحدة لممثلي مديريات الشباب والرياضة.

بقيت جهاد مع العالقين على البوابة نحو ساعة، لكنها لم تصمد أمام صراخهم وتهديدهم بالوقوف أمام البوابة بالتزامن مع دخول الشخصيات العامة وكبار رجال الدولة، وأخيراً تقرر إدخالهم ببطاقات الرقم القومي فقط، لكن الأزمة تجددت أمام البوابة الداخلية المؤدية للقاعات، إذ رفض الأمن السماح بدخول المشاركين دون بطاقات المؤتمر، وتجددت مرة أخرى مطالبات الوقوف في صف وتجميع أسماء كل فئة في ورقة.

بعد العاشرة صباحاً بدأ المنظمون في توزيع البطاقات على عدة فئات، ولكن استمر العشرات من دون تصاريح أمام البوابة، و"مايسة" منهم، فبدأ بعضهم بالمطالبة بوسيلة انتقال لتعيدهم لمقر إقامتهم، وهو ما رفضه آخرون.

في تلك الأثناء، رأت "مايسة" رئيس الوزراء الأسبق كمال الجنزوري، ورئيس حزب التجمع رفعت السعيد، والديبلوماسي السابق مصطفى الفقي وآخرين يمرون مبتسمين عبر بوابة التفتيش ببطاقات الدعوة فقط.

مع اقتراب لحظة الافتتاح وترقب وصول السيسي، دب شجار بين العالقين عندما طلب أحدهم إعطاء أولوية الدخول للصحفيين، رد شاب: "هذا المؤتمر للشباب، نحن من حضرنا تدريبات ومنتديات ونحن من يجب أن يدخل".


انسحاب العشرات


ومع تحليق المروحيات لتأمين دخول الرئيس، واقتراب صافرات الموكب، أدرك البعض أن دخول القاعة أصبح مستحيلاً رغم تخطيهم البوابات، "ستشاهدون الرئيس عبر شاشة داخلية في قاعة جانبية، هكذا أبلغونا"، تقول مايسة، موضحة أنها وزملاءها عندما فهموا ذلك انسحب بعض الشباب من ممثلي المحافظات والصحفيين.

قالت مشاركة من المنصورة: "جئت بترشيح من المتحدث الرئاسي، واسمي في الكشوف، كيف لا أدخل؟ لدي رغبة في المشاركة والكلام وأنا الآن محبطة جداً".. أنهت عبارتها، وعبرت الطريق لتستقل تاكسي إلى مكان إقامتها.

في الحادية عشرة والنصف، أعلن الرئيس السيسي بدء المؤتمر، لكن ارتباك التنظيم ظهر أيضاً في حفل الافتتاح والبث التلفزيوني، وعندما أعلن الإعلامي رامي رضوان الذي كان يتولى التقديم، عن استقبال أسئلة المشاركين الشباب، انتهى الافتتاح بعزف السلام الجمهوري دون تلقي الأسئلة التي كانت أساساً معدة بالتنسيق مع مكتب الرئيس.

وعندما كان الرئيس يعلن في المؤتمر أنه سيكون مناسبة سنوية للشباب، كان العشرات منهم قد قرروا الانسحاب بعد عجزهم عن الدخول.

إحدى المشاركات قالت لـ "هافينغتون بوست عربي" إنها تشعر أن هناك من يخططون لإفشال الحدث المهم، موضحة "شكلها فوضى مدبرة بقصد إفشال الرئيس. كل ما يهمهم أن تكون القاعة ممتلئة، وغير ذلك لا يهم".

أخرى ممن حالفها الحظ ودخلت رأت أن المؤتمر لم يتح للشباب مساحة كافية للتعبير ولطرح الأسئلة وتبادل التجارب، حيث قالت إنها لا تشكو من مشكلات تنظيمية، وإن المؤتمر بشكل عام جيد، لكنها كانت ترغب في إتاحة مساحة أكبر أمام الشباب ليطرحوا الأسئلة على الرئيس، ويتبادلوا التجارب، وتحولت ورش العمل فيه إلى محاضرات تلقيها مجموعة مختارة من الشخصيات العامة مع تمثيل محدود للشباب على المنصة.


السيسي اشتكى


الطريف أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نفسه تبرم من التنظيم، فقد كان يتوقع أن يشارك 3 آلاف شاب معه في سباق الجري الذي شارك فيه بنفسه في اليوم الثاني للمؤتمر في شوارع المدينة، لكنه فوجئ بقلة عدد المشاركين.

شباب البرنامج الرئاسي انقسموا بين الحماس والإحباط من الشكل الذي خرج به المؤتمر، فقد كان البعض راضياً عن الحدث بشكل عام، بينما قال بعضهم إن البروفات كانت تعد بأجواء أكبر من المشاركة وتبادل الآراء، لكن هذا لم يحدث.

وانطلقت فعاليات المؤتمر الوطني الأول للشباب -والذي وعد السيسي أن يكون عادة سنوية- أمس الأول؛ الثلاثاء 25 أكتوبر/تشرين أول 2016، واختتم فعالياته اليوم الجمعة 27 أكتوبر/تشرين أول 2016.