مجلة أميركية: السيسي فقد القدرة على الإصلاح وأغرق نفسه بملفات خارجية بسبب "هوسه" بالإخوان

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN PRESIDENT ABDEL FATTAH ALSISI
Adam Berry via Getty Images

نشرت مجلة Foreign Affairs الأميركية مقالاً للباحث السياسي الأميركي المتخصص في قضايا الشرق الأوسط ستيفن كوك، رأت فيه أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لم يعد يبدي أي بوادر لرغبته أو قدرته على تنفيذ إصلاحات في بلده الذي يعاني من أوضاع سيئة في شتى المجالات.

وسلط الكاتب الضوء على العديد من المواقف الذي تبناها السيسي تجاه عدد من الملفات الدولية أهمها سوريا وليبيا والقضية الفلسطينية (غزة)، وذلك على حساب الوضع الداخلي المصري، واختزلت الدولة المصرية وظيفتها في شيء واحد هو تدمير جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس الأسبق محمد مرسي.

ويرى الكاتب أن حكام مصر " لم يفعلوا سوى القليل من أجل إنعاش الاقتصاد، وبدلاً من ذلك، يستمرون في التركيز على شيء واحد يحسنون فعله ألا وهو قمع المواطنين. ومنذ استيلاء السيسي على السلطة في يوليو/ تموز 2013، ألقت قواته الأمنية القبض على أكثر من 40 ألف شخص، وقتلت الآلاف.

إن السياسات الحالية لمصر لا تدع لواشنطن خيارات كثيرة - وفقاً لكوك - وقد تنهار دون دعم واشنطن وصندوق النقد الدولي أو دول الخليج. وسيكون فشل مصر له أثر مدمر على المنطقة التي تواجه بالفعل تفتت 4 دول فيها هي: العراق وليبيا وسوريا واليمن، كما تواجه عنفاً غير مسبوق. وحتى الآن - على الأقل - لا تستطيع الولايات المتحدة التخلي عن مصر.

ويضيف " ليس هناك الكثير بيد الولايات المتحدة الأميركية، أهم ممولي مصر الخارجيين، لتغيير مسار البلاد. سوف يكون على مصر أن تحل مشكلاتها وحدها. ومع ذلك، فإن السيسي لم يظهر، حتى الآن، أية بوادر تشير إلى رغبته أو قدرته على تنفيذ إصلاحات".

ليست مصر دولة مارقة، لكنها تصدر صراعها الداخلي المركزي، المتمثل في قمع الإخوان المسلمين، لجيرانها، مع ما يشتمل عليه ذلك من آثار مدمرة وفقاً لكوك.

وهذا نص المقال كاملاً:

خرج عشرات الآلاف من المصريين في الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، مطالبين بإنهاء فترة حكم الرئيس حسني مبارك التي استمرت قرابة 30 عاماً. تنحَّى مبارك بعد ذلك التاريخ بـ18 يوماً. قال جمال حشمت، وهو عضو سابق في البرلمان المصري، لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية: "هتف الناس في ميدان التحرير: "ارفع راسك فوق، انت مصري". نستطيع الآن أن نتنفس هواءً نقياً وأن نشعر بالحرية. لقد عادت مصر بعد 30 عاماً من الغياب".

الآن يبدو ذلك الفخر والأمل كذكرى بعيدة. مرة أخرى يحكم البلاد عسكري سابق تحول إلى ديكتاتور. لقد أنشأ الرئيس عبدالفتاح السيسي نظاماً سلطوياً أشد قسوة حتى من نظام مبارك. إن مصر الآن أسوأ بكل المعايير مما كان عليه الحال قبل الثورة. لا يزال النمو الاقتصادي راكداً. وتناقص مخزون مصر من العملة الأجنبية إلى مستويات خطيرة، فقد انخفض، في شهر يوليو/تموز الماضي إلى ما تحت 16 مليار دولار، وهو أقل مستوى له في عام ونصف تقريباً، وهذا المخزون الحالي يكفي بالكاد لتغطية 3 شهور من الاستيراد. كما انهار الجنيه المصري، وبدأت الحكومة في تقنين الدولار.

أما قطاع السياحة المصري، وهو مصدر حيوي للعملة الصعبة والاستثمار، فقد ذبل هو الآخر. كان عدد السياح الذين يزورون مصر شهرياً، في 2010، حوالي مليون سائح. أما في شهر مايو/أيار 2016 (آخر شهر تتوافر إحصاءاته)؛ فقد تناقص هذا العدد إلى أقل من النصف. تداعت البنية التحتية في مصر، وتدهورت أنظمة التعليم والصحة العامة. أكثر من ربع المصريين، حوالي 22.5 مليون نسمة، يعيشون في الفقر، بينما تجاوزت نسب البطالة بين الشباب نسبة 40%.

ومع ذلك فلم يفعل حكام مصر سوى القليل من أجل إنعاش الاقتصاد. وبدلاً من ذلك، يستمرون في التركيز على شيء واحد يحسنون فعله: قمع المواطنين. منذ استيلاء السيسي على السلطة في يوليو/تموز 2013، ألقت قواته الأمنية القبض على أكثر من 40 ألف شخص، وقتلت أكثر من 3000 (منهم ما بين 800 إلى 1000 شخص في يوم واحد في شهر أغسطس/آب 2013)، و"أخفت" مئات آخرين، ووضعت آلافاً من الناس في الحبس الاحتياطي المستمر التجديد، وجرحت عدداً لا يحصى غيرهم.

بعد أكثر من 3 سنوات على إطاحة السيسي بالرئيس محمد مرسي، في انقلاب عسكري، اختزلت الدولة المصرية وظيفتها في شيء واحد: تدمير جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس الأسبق محمد مرسي. لم يبال حكام مصر كثيراً بتبعات سعيهم المهووس ذلك على المواطن العادي. ومع ذلك، فالمصريون يعانون بشكل ضخم. وليس المصريون وحدهم من يعانون، فقد بدأ أهل غزة والسوريون والليبيون في دفع الثمن، حين أصبح سعي الحكومة المصرية الوحيد لتدمير جماعة الإخوان، أو أية جماعة إسلامية أخرى تشبهها أقل شبه، هو المبدأ التوجيهي لسياسة مصر الخارجية والداخلية على حد سواء.

حالياً، ليس هناك الكثير بيد الولايات المتحدة الأميركية، أهم ممولي مصر الخارجيين، لتغيير مسار البلاد. سيكون على مصر أن تحل مشكلاتها وحدها. ومع ذلك، فإن السيسي لم يظهر، حتى الآن، أية بوادر تشير إلى رغبته أو قدرته على تنفيذ إصلاحات.


"مصدر كل شيء"


يعود خوف القاهرة من الإخوان المسلمين إلى ما قبل صعود السيسي بسنوات عديدة. فقد حلت الحكومة المصرية الجماعة عام 1948، بتهمة التخطيط لثورة، وسجن الزعيم المصري جمال عبدالناصر الآلاف من أعضائها بعد نجاته من محاولة اغتيال عام 1954. أما السادات، خليفة عبدالناصر، فقد صور نفسه على أنه "الرئيس المؤمن" وجرب طريقاً آخر، فتسامح مع الجماعة لفترة من الزمن، حتى ساءت علاقته بها بعد توقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979.

وأظهر مبارك، خليفة السادات، تساهلاً مع الجماعة في البداية، آملاً أن نسخة الجماعة الأكثر اعتدالاً من الإسلاموية ستقوض من جاذبية البدائل العنيفة الأخرى. فسمح، مثلاً، للجماعة أن تعمل في الجامعات، ولم يسع أبداً إلى تعطيل شبكة الخدمات الاجتماعية المتطورة جداً للجماعة، وإن كانت حكومته قد حاولت السيطرة عليها. ومع ذلك، فعندما أحس مبارك أن الجماعة قد حازت على الكثير من السلطة، شدد الخناق عليها. من ذلك أنه سجن المئات من الإخوان بعد أن فاز مرشحوها بنسبة غير مسبوقة من المقاعد البرلمانية، وصلت إلى 20%، في انتخابات 2005.

اليوم، يريد السيسي وحلفاؤه سحق الجماعة والانتهاء من أمرها للأبد. بالنسبة لهم، لا فرق بين الإخوان المسلمين والدولة الإسلامية (داعش)، حتى مع تصنيف داعش للإخوان بأنها جماعة "مرتدة". فقد قال السيسي لمجلة "دير شبيغل" أوائل 2015: "كلاهما يتشاركان نفس الأيديولوجية. إن جماعة الإخوان المسلمين هي مصدر كل ذلك. كل تلك التنظيمات الإرهابية الأخرى انبثقت منها".

أعلنت حكومة السيسي، في ديسمبر/كانون الأول 2013 جماعة الإخوان منظمة إرهابية، ومنذ ذلك الوقت، أجبرت قادة الجماعة وقيادات الصف الأوسط، ممن نجوا من الإجراءات القمعية، إلى الفرار إلى الدوحة أو لندن أو إسطنبول، بعد اعتقالات بالجملة في صفوفهم. كما أغلقت الحكومة حوالي 500 منظمة غير حكومة، كثير من هذه المنظمات ذو صلة بالإخوان.

لدى الكثير من المصريين أسباب جيدة للغضب من جماعة الإخوان، الذين أثبتوا، في فترتهم الوجيزة في الحكم، أنهم بديل غير كفء وسلطوي وطائفي. ومع ذلك، فإن لجماعة الإخوان جذوراً في المجتمع المصري. فقد قدمت الجماعة، منذ أنشأها حسن البنا عام 1928، رؤيةً للأصالة والقومية والإصلاح الديني، وجدها الكثير من المصريين جذابة. اجتذب الجماعة أعضاءً بسبب معارضتها للصهيونية في الثلاثينات من القرن الماضي، ومعارضتها للملكية في الأربعينات، ومعارضتها للحكم البريطاني في الخمسينات، وأخيرا لمعارضتها للولايات المتحدة، كما أن توفيرها لخدمات اجتماعية لآلاف المصريين الفقراء كان مصدراً شديد الأهمية للدعم السياسي.

كل هذه الأمور تجعل من غير المرجح أن أي رئيس سيستطيع القضاء على الجماعة قضاءً مبرماً. ومع ذلك، فإن ما نجح السيسي في فعله هو زيادة الاستقطاب في مصر، ومفاقمة العنف، الذي أصبح شيئاً عادياً فيها منذ سقوط مبارك. لقد جعلت حرب السيسي على الإخوان أي دعوة للوحدة أو التعقل أو التسامح، تلك الدعوات التي ملأت ميدان التحرير في شتاء 2011، ومرة أخرى في يونيو/حزيران 2013، محل سخرية وتندر. فقط لأكون واضحاً: لم يكن مرسي ملاكاً: فتخبطه وعدوانيته قد هددتا النسيج الاجتماعي لمصر، وربما يكون الجنرالات معذورين في الانقلاب عليه. ومع ذلك، فتركيز الجيش على محو أتباع مرسي قد زاد الأمور سوءاً، وزعزع استقرار مصر بعمق، وزاد من فرص انهيارها كليةً.

حتى الآن، يبدو أن السيسي لا يبالي بذلك الأمر. فقد جعلت حملة السيسي، المدعومة من قبل إعلام مطواع، ضد الإخوان المسلمين البلد في حالة قريبة من حالة حرب. فقد جمع السيسي الدعم الشعبي لحكومته عن طريق وصف الجماعة بعدم المصرية، والمبالغة في الأخطار التي تشكلها.

لكنْ هناك أمور أهم تستحق تركيز السيسي. فقد أدى الفساد والجمود البيروقراطي إلى شل النمو الاقتصادي. سعى السيسي لتنفيذ مشروعات ضخمة، بدلاً من تحسين البنى التحتية التي من شأنها تقوية الاقتصاد، مثل تحديث شبكة المواصلات في البلاد. من ذلك أنه أنفق أكثر من 8 مليارات دولار على توسيع قناة السويس، ومع ذلك لم ترتفع العائدات لأن الزيادة المتوقعة في حركة الملاحة لم تتحقق.

يعاني نظام التعليم المصري من قلة التمويل، ونظامها الصحي يكفي بالكاد. ولا تزال الحكومة تكافح من أجل توفير مياه الشرب النظيفة في كل مكان، والتهاب الكبد الوبائي C مستشر في البلاد، إلى جانب التفشي المتكرر لأنفلونزا الطيور والحمى القلاعية التي تجتاح البلاد. عرض البنك الدولي على مصر في شهر أغسطس/آب خطة إنقاذ تقدر بقيمة 12 مليار دولار، ووعد السيسي بإجراء إصلاحات في المقابل. ومع ذلك، فلا يبدو من الواضح، حتى الآن، ما إذا كان سوف يلتزم فعلاً بتلك الإصلاحات.


خوف واحتقار


إن الحالة المؤسفة لمصر اليوم مقلقة كفاية بحد ذاتها. ومع ذلك، فإن الدمار الناتج عن هوس السيسي يمتد لأبعد من حدود مصر، وقد ساعد على زعزعة استقرار المنطقة بأكملها.

خذ غزة، على سبيل المثال. فقد عرض مرسي، بصفته رئيساً، على حماس (الجماعة التي أنشئت في الثمانينات كامتداد للفرع الفلسطيني من الإخوان المسلمين) دعماً رمزياً، لكنه لم يقم سوى بالقليل من التغييرات الفعلية في السياسة، إذ حافظ على الحصار الذي بدأه مبارك في يونيو/حزيران 2007 بعد استيلاء حماس على السلطة في القطاع. ومع ذلك فمنذ أن تولى السيسي الحكم سعت الحكومة المصرية إلى تدمير الجماعة. أثناء الحملة العسكرية لإسرائيل عام 2014 ضد حماس، ذهبت الحكومة المصرية إلى حد تشجيع الإسرائيليين على إعادة احتلال غزة وتوجيه الضربة القاضية لحماس.

رفض الإسرائيليون إلزام أنفسهم بذلك. لذا فقد أخذ السيسي الأمور على عاتقه منذ ذلك الحين، ففعل كل ما باستطاعته لخنق غزة. خفضت حكومته عدد الفلسطينيين المسموح لهم بدخول مصر، ودمرت الكثير من الأنفاق تحت سور الحدود المصرية، التي لطالما كانت مصدراً مهماً للطعام، ومواد البناء، والأدوات والبضائع الترفيهية، والأسلحة.

وفي أواخر عام 2014، صنع الجيش المصري منطقة حاجزة مساحتها ربع ميل على طول الحدود المصرية مع غزة، فدمرت حوالي 800 منزل في تلك العملية، ثم وسع الجيش تلك المنطقة لاحقاً لتصل إلى نصف ميل، فهدم 500 منزل إضافي. بحلول منتصف عام 2016، كان الجيش قد أخلى مدينة رفح الحدودية بالكامل وأنشأ حزاماً أمنياً بمساحة 3 إلى 5 أميال على طول الحدود مع غزة، يضم خندقاً في بعض الأماكن.

إن حماس بالفعل حركة إسلامية لها صلات بجماعة الإخوان المسلمين، وليس ثمة شك أن الجماعة تريد أن تحكم مجتمعاً متوافقاً مع تفسيرها للإسلام. حماس أيضاً جماعة إرهابية وفقاً لتصنيفات الغرب، ويزعم السيسي أن حماس قد قتلت عدداً من المصريين، مع أن الحقيقة أقل وضوحاً في ذلك الأمر.

ومع ذلك، فحتى لو كان الرئيس المصري محقاً حول العنف، فقد تجاهل عدداً من الاختلافات المحورية بين حماس وجماعة الإخوان المسلمين في مصر. أولاً: للجماعتين قادة مختلفون. كما أنهم يختلفون في التكتيكات، والاستراتيجيات والأهداف. تريد حماس تحرير فلسطين باستخدام السلاح. أما جماعة الإخوان المسلمين، بخلاف ذلك، فقد سعت، منذ عقود، إلى الوصول إلى السلطة من خلال وسائل غير عنيفة. لا شك في وجود تضامن بين الجماعتين. لكن ليست هناك أدلة على أن الجماعتين قد تعاونتا لتقويض النظام المصري.

ومع ذلك، فمثل تلك الفروقات لا تهم السيسي، الذي أدت محاولاته لتدمير حماس إلى زيادة كبيرة في محنة سكان غزة البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة، يعيش حوالي 40% منهم في فقر. نصيب الفرد في غزة من الدخل أقل بنسبة 31% مما كان عليه الحال في منتصف التسعينات. كما أن الحصول على الضروريات الأولية، مثل الماء والكهرباء لا يمكن الاعتماد عليه.

وبحسب البنك العالمي، فإن الأداء الاقتصادي في غزة في 2015، كان أسوأ بنسبة 250% من الضفة الغربية. الإسرائيليون وحدهم هم من منعوا الحصار المصري من النجاح في خنق حماس، ومعها كل غزة، بسماحهم بتدفق 800 إلى 1000 شاحنة من الإمدادات إلى غزة يومياً. ومع تراجع دعم حماس، فربما تقوم الجماعة بضرب إسرائيل مرة أخرى، مخاطرةً بجولة أخرى من القتال لن يكون لها أثر سوى مفاقمة بؤس فلسطينيي غزة.


محور تركيز السيسي


إن هوس القاهرة، غير الصحي، بالإخوان المسلمين، قد وجه سياستها عدة مئات من الأميال ناحية الشمال، في سوريا. بعد سقوط مبارك، لم يبال حكام مصر من الجيش المصري كثيراً بالحرب الأهلية في سوريا، إذ كانت لديهم تحديات أكثر إلحاحاً للتعامل معها داخلياً. تغيرت الأمور في عهد مرسي، الذي كان أكثر من متعاطف مع المعارضة السورية. رحبت مصر في فترة مرسي بأعداد ضخمة من اللاجئين السوريين، وعقدت مؤتمراً، في ديسمبر/كانون الأول 2012، مع مبعوثين من إيران والسعودية وتركيا للبحث عن طرق لحل الصراع.

ثم أخذ مرسي الأمور لبعد آخر عندما قام في 2013 بخطوة، ربما تكون العامل المؤثر في تحديد مصيره. فقد أخبر جمهوراً محتشداً من المؤيدين في استاد القاهرة الدولي، في 15 يونيو/حزيران، أنه ملتزم بـ"تحرير الشعب السوري" ليشير بذلك ضمنياً إلى تعاطفه مع الجماعات الجهادية التي تقاتل نظام الرئيس السوري بشار الأسد. دقت تصريحاته فوراً نواقيس الخطر في وزارة الدفاع المصرية. بعد ذلك بأسابيع قليلة، شن السيسي، الذي كان وقتها وزيراً للدفاع، انقلابه وخلع مرسي، بعد مظاهرات عارمة ضد الأخير.

هذه الأيام، تتجنب الحكومة المصرية، بحذر، استخدام تلك اللغة حول سوريا. بل لقد ردد السيسي، في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2015، كلام الأسد، حين أخبر الصحفي وولف بليتزر، من السي إن إن، بأن الأولوية في سوريا ينبغي أن تكون محاربة الإرهابيين، الذين يشملون، بالنسبة للسيسي، جماعة الإخوان المسلمين.

طبعاً، لدى المصريين أسباب وجيهة للقلق من الإرهاب. فالحرب في سوريا ربما تكون على مسافة 400 ميل، لكن داعش قد أسس بالفعل ذراعاً له في سيناء، ويقلق المصريون من أن المقاتلين سيهاجرون من أراضي المعارك في سوريا إلى مصر. كما تواجه مصر تهديداً جهادياً على حدودها مع ليبيا.

لكن في سوريا، كما في غزة، قام السيسي، عامداً، بدمج الإخوان المسلمين مع المتطرفين العنيفين. لسوريا فرع خاص بها من الإخوان المسلمين، ويخشى السيسي أن الإخوان لو قاموا بدور بناء في حكومة سورية جديدة، قد يظهر هذا الأمر أن بإمكانهم أن يكونوا قوة سياسيةً بديلةً في مصر.

إن فكرة قيام الإخوان المسلمين في سوريا بدور في حكومة مستقبلية ليست أمراً مستبعداً. فعلى الرغم من أن حافظ الأسد، والد بشار، قد سحق الجماعة بعد مظاهرات في مدينة حماة سنة 1982، فإن بشار قد سمح للجماعة بالتعافي. وعندما بدأت الانتفاضة السورية في مارس/آذار 2011، كان الإخوان المسلمون حذرين في البداية، لكنهم، في الخريف التالي، ساعدوا على إنشاء المجلس القومي السوري، وهو تحالف لمجموعات المعارضة. كما أن لإخوان سوريا حليفاً قوياً يتمثل في شخص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي سيسعى قطعاً لحماية المصالح التركية في سوريا ما بعد الأسد، عن طريق توسيع دور الإخوان.

لكن القاهرة تبالغ بشكل دراماتيكي في تأثير الإخوان المسلمين اليوم. ذلك أن الجماعة في سوريا لم يكن لها أبداً ذلك الأثر الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي كان لها في مصر. فقادة الجماعة في المنفى، منذ مذبحة حماة، وهم غير متواصلين مع معظم السوريين. ومع ذلك، فقد تجاهل السيسي تلك الفروق، مرة أخرى، في خوفه غير العقلاني من أن فرعاً من الجماعة قد يحصل على السلطة في دمشق ويشكل الأحداث في القاهرة. ولمنع ذلك من الحدوث، ترك السيسي حلفه مع الإمارات والسعودية والولايات المتحدة الأميركية لكي يدعم الأسد، جنباً إلى جنب مع روسيا وإيران، وحزب الله، على الرغم من أن حلف الأسد مسؤول بشكل جماعي عن مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين. لم يرسل المصريون للأسد أي أموال أو أسلحة أو جنود. لكن دعمهم الخطابي مهم رمزياً على كل حال. ربما يكون مبارك وخلفاؤه قد حطوا من قوة مصر وتأثيرها، لكن كلمة مصر لا يزال لها وزن في المنطقة. إن تأييد السيسي للأسد تحت ذريعة محاربة الإرهاب، قد قسم القوى العربية الكبرى ووفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً للأسد وحلفائه العرب وغير العرب.


الجنرال الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه؟


إن مطاردة مصر للإخوان المسلمين قد ساهمت أيضاً في زعزعة استقرار ليبيا، البلد الغارق في الفوضى منذ خلع زعيمه معمر القذافي، الذي حكم لفترة طويلة جداً، وقتله في 2011. عقدت ليبيا انتخابات في شهر يونيو/حزيران 2014، فاز فيها ائتلاف من اللبراليين والعلمانيين والفيدراليين مقابل ائتلاف من الإسلاميين ومرشحين تابعين للإخوان المسلمين، إلى جانب شخصيات قبلية مقرها مدينة مصراته. نازع الخاسرون في نتيجة الانتخابات ورفضوا الاعتراف بالهزيمة، فنتج عن هذا الموقف برلمانان: برلمان يسيطر عليه الإسلاميون في العاصمة طرابلس، ومجلس للنواب معترف به عالمياً، مقره مدينة طبرق، في الشرق.

بحلول وقت الانقسام، كان عنف الميليشيات قد عذب ليبيا لسنوات بالفعل، لكن الأمور سرعان ما انزلقت لحرب أهلية شاملة. هذه الأزمة الجديدة نبهت السيسي. فقد شكلت تهديداً بأن المتطرفين المسلحين سوف يسيطرون على الحدود الغربية لمصر. لكن الأكثر إرباكاً كان اعتقاد السيسي أن فوز القوى في غرب ليبيا سيقوي من البرلمان الذي يسيطر عليه الإسلاميون في طرابلس. لذا فقد ألقى بثقله خلف الجنرال خليفة حفتر، أحد القادة الكبار السابقين في جيش القذافي، الذي ارتد عنه في الثمانينات. أمضى حفتر أكثر العقدين الأخيرين في الولايات المتحدة الأميركية قبل أن يعود إلى ليبيا بعد بداية الثورة بقليل. ونتيجةً لشعور حفتر بالإحباط من الفوضى السياسية التي كانت لا تزال سائدة في البلاد بعد 3 سنوات من الثورة، أنشأ جيشاً دون ملاحظة الحكومة، ثم شن حملة وحشية، في 2014، ضد المتطرفين والإسلاميين.

حفتر مناهض للإسلاميين بعنف، ويرى قوة الجيش ضرورية لتحقيق النظام، وهي الرؤية التي يشاركه فيها السيسي. ومن ثم، وفرت مصر له الأسلحة، والأموال، والدعم الدبلوماسي (كما فعلت فرنسا والإمارات). أدى ذلك الأمر إلى تعميق الانقسامات التي مزقت البلاد بالفعل. وأدى الدعم المصري إلى استبعاد حفتر فكرة المصالحة الوطنية، فالجنرال إما أن يثبّت نفسه وحلفاءه في طرابلس، وإلا، إذا تعذر الأمر، فسوف ينشأ منطقة حكم ذاتي في برقة، قاعدة نفوذه في الشرق.

رفض حفتر جهود الأمم المتحدة لإنهاء الصراع من خلال تسوية تفاوضية، ورفض إنشاء حكومة وحدة وطنية في 2015، أو ما عرف بحكومة الوفاق الوطني، ومنع أعضاءً من مجلس النواب من دعم حكومة الوحدة الجديدة.

صمم المصريون على أن دعم حفتر هو الوسيلة الأفضل لاستقرار ليبيا. فهم يجادلون أن حكومة الوفاق الوطني، في نهاية المطاف، بلا سلطة، وبالتالي لا يمكنها أن تكون حائط سد ضد التطرف أو الإسلاموية التي يحتقرها قادة مصر. لقادة مصر حق في القلق، فليبيا تشكل التهديد الأخطر للأمن المصري، ذلك أن الناس والأسلحة تتدفق بسهولة عبر حدود البلدين الممتدة لمسافة ٧٠٠ ميل. لكن أفعال مصر في ليبيا يحفزها هوس السيسي أكثر من أي قلق مشروع من تهديد أمني. لقد ساهم المصريون في تسريع وتيرة تفتيت ليبيا، عن طريق تقويضهم لحكومة الوفاق الوطني، كما خربوا جهود استعادة بعض مظاهر الاستقرار، الذي هو الضمانة المثلى والوحيدة لأمن مصر.


العامل الأكبر لاستقرار الشرق الأوسط


إن السياسات الحالية لمصر لا تدع لواشنطن خيارات كثيرة؛ وقد تنهار دون دعم واشنطن، وصندوق النقد الدولي، أو دول الخليج. فشل مصر سوف يكون له أثر مدمر على المنطقة التي تواجه بالفعل تفتت 4 دول فيها هي العراق وليبيا وسوريا واليمن، كما تواجه عنفاً غير مسبوق. حتى الآن على الأقل، لا تستطيع الولايات المتحدة التخلي عن مصر.

لكن الولايات المتحدة مع ذلك عليها أن تكافح من أجل إقناع مصر بالتخلي عن نهجها الحالي، لأن مصر تنظر لحربها ضد الإخوان المسلمين باعتبارها كفاحاً وجودياً، كما أنها تترجم انتقادات الولايات المتحدة لقمعها الداخلي على أنه دعم للإخوان. لم ينسَ السيسي وحلفاؤه أن واشنطن قد رحّبت، في منتصف 2012، بانتخاب مرسي، وبهذا، بدا أن واشنطن تؤيد الإخوان، بشكل ضمني على الأقل. وقد ارتكب العديد من المسؤولين الأميركيين خطأً بوضع كثير من الآمال على الخطاب الإصلاحي للإخوان، متجاهلين عداءهم لأميركا وميولهم السلطوية.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة بإمكانها المساعدة في أشياء صغيرة، أو على الأقل تجنب جعل الأمور أسوأ. يدرس الكونغرس حالياً توصيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية. إن فعل ذلك سيكون خطأً، إذ سوف يورّط هذا الأمر الولايات المتحدة الأميركية في الدراما السياسية الداخلية المصرية وسيضر موقف الولايات المتحدة مزيداً من الإضرار في بلد لا يثق كل الفاعلين السياسيين فيه تقريباً بنوايا الولايات المتحدة. إن إعلان الإخوان المسلمين جماعة إرهابية ربما يساعد على إصلاح العلاقات مع السيسي، لكنه سيكون بمثابة التغاضي عن القمع الوحشي للقاهرة.

أما بالنسبة لغزة، فيحتاج الدبلوماسيون الأميركيون إلى تشجيع الأتراك والقطريين، الذين بإمكانهم القيام بدور مهم في إعادة بناء المنطقة، على تنسيق جهودهما من أجل تخفيف الضغوط الناجمة عن الحصار المصري والإسرائيلي، من أجل منع انزلاق غزة إلى مزيد من الفوضى. يبدو أن الإسرائيليين قد أدركوا أن زيادة بؤس أهل غزة لم يحقق الكثير ومن ثم خففوا من حصارهم. لو استطاعت واشنطن إقناع الأتراك والقطريين بالعمل معاً، في الوقت ذاته تشجيع إسرائيل على الاستمرار بالسماح بمرور البضائع إلى غزة، فإن الحياة هناك ستتحسن على الرغم من التدخل المصري السيئ.

أما في سوريا، فمن غير المرجح أن تنجح واشنطن في موازنة دعم القاهرة للأسد. لقد كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه سوريا، لسنوات، تتسم بالتردد والارتعاش، ما سمح للقوات الموالية للأسد بالسيطرة على الأرض.

ما لم تتدخل الولايات المتحدة بشكل أكثر قوة، فلن يكون لديها وسائل كثيرة لتقويض أو قلب دعم السيسي للأسد.

وأخيراً، فيما يتعلق بليبيا، فإن الولايات المتحدة، إلى جانب الأوروبيين والأمم المتحدة، تحتاج إلى مد الحكومة الجديدة في طرابلس بمساعدة اقتصادية، وأمنية وشرعية. إن دعم حكومة الوحدة ربما يجبر المصريين على تغيير تكتيكاتهم، ويضعف حفتر. فالمصريون ضعيفون أمام الضغط الدولي في ليبيا: فقد استجابوا لباقي دول مجلس الأمن واعترفوا بحكومة الوفاق الوطني في 2015، مع أن السيسي لا يزال يعتقد أن أفضل طريقة لمحاربة الإرهاب هي دعم جيش حفتر. لكن لو غابت التغيرات الدراماتيكية، التي لا يبدو حدوثها محتملاً، فإن حكومة الوحدة من غير المرجح لها أن تستمر على المدى الطويل.

إن فشل مصر عقباه يعود عليها، لكن محنة البلاد تكشف إفلاس السياسة الأميركية تجاه مصر خلال السنوات الأربعين الماضية. لقد أنفقت الولايات المتحدة حوالي 80 مليار دولار لدعم التقدم الاقتصادي المصري، والأمن القومي والمجتمع المدني. لقد افترض صانعو السياسات الأميركيين لعقود، أن مصر هي أكبر عامل استقرار في الشرق الأوسط.

صحيح أن مصر، لا سيما تحت حكم مبارك، قد حافظت بإخلاص على معاهدة السلام التي وقعت عام 1979 مع إسرائيل، ووافقت بشكل روتيني على طلبات الولايات المتحدة لدعم عمليات الجيش في المنطقة، وقمعت الإسلاميين العنيفين. ومع ذلك، فالولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة النظر في فكرة أن مصر هي قوة استقرار. لقد تغيرت السياسة الخارجية المصرية. ليست مصر دولة مارقة، لكنها تصدر صراعها الداخلي المركزي، المتمثل في قمع الإخوان المسلمين، لجيرانها، مع ما يشتمل عليه ذلك من آثار مدمرة.