بعد التحرش والاعتداء والسجن.. مشروع قانون يجرّم العنف ضد المرأة في تونس

تم النشر: تم التحديث:
SSS
AP

بعد 14 عاماً من تعرضها للتحرش الجنسي في العمل، تمكنت إيدهار شعيب أخيراً من الوصول للمحكمة. كانت الأرملة قد تعرضت للتحرش مراراً من قبل رئيسها في العمل، وهو مسؤول محلي في مدينتها منزل بوزلفة، الواقعة على مسافة ساعة بالسيارة من العاصمة تونس. وحين أدرك أخيراً رسالة إيدهار بأنها لا ترغب في الاستجابة لرغبته، هدد بتدمير سمعتها.

قالت شعيب: "كنت خائفة من التحدث، ظننت أنني سأُلام".

في النهاية، استجمعت شجاعتها، معتمدةً على مُعلم سابق ومنظمات المرأة وابنها، ومدفوعة بثورة تونس 2011 تمكنت إيدهار من مقاضاة معذبها، وقالت "لم أرد تعويضاً، كل ما أردته هو أن يدعني وشأني".

إلا أن القاضي حكم ضدها في مارس/آذار 2015. طُردت إيدهار من الشركة التي عملت فيها لـ25 عاماً، وطالب رئيسها برسالة اعتذار، ما تركها في حالة من الإحباط والعوز.

لا تمثل قصة إيدهار واقعة نادرة في تونس، فعلى الرغم من أنها تُعرف بكونها أكثر بلدان العالم العربي تقدماً فيما يخص حقوق المرأة، حيث تمثل النساء حوالي ثلث برلمانها، كما توجد أكثر من 700 منظمة من منظمات المجتمع المدني التي تعمل على القضايا الاجتماعية المتعلقة بالجنسين، إلا أنها تعاني من تفشي العنف ضد المرأة والتحرش الجنسي.

تعرضت حوالي نصف النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18ـ 64 عاماً (47.6% من النساء) لشكل من أشكال العنف، وفقاً لمسح أُجري في عام 2010. وهناك أدلة قليلة تشير إلى تحسن الوضع منذ الثورة التي أنهت الحكم الديكتاتوري لزين العابدين بن علي، وأدت إلى انتخاب حكومة ديمقراطياً.

بالرغم من هذا، يناقش البرلمان التونسي هذا الأسبوع مشروع قانون لتشديد الإجراءات القانونية المتعلقة بالعنف ضد المرأة، ومن المتوقع أن يُمرر المشروع الذي يقوده حزب النهضة، وهو الحزب الإصلاحي المحافظ ذو الجذور الإسلامية، والمجموعة النشطة من نائبات البرلمان والمسؤولات، بنهاية عام 2016.


قانون جديد


ويقدم القانون المقترح، الذي سيُدرج ضمن التشريعات والسياسات الحكومية الأخرى، تعريفات شاملة للعنف القائم على الجنس، متضمناً الضرر النفسي والاقتصادي في النطاقين العام والمنزلي. كما يحظر الاغتصاب الزوجي، بالإضافة إلى وقف إفلات المغتصبين من جرائمهم بالزواج من ضحاياهم إن كُنَّ أقل من 20 عاماً. أما بالنسبة للتحرش الجنسي في محيط العمل، فستزيد عقوبته، وسيجري تدريب أفراد الشرطة وطواقم طبية بالمستشفيات على القضايا الخاصة بالجنسين.

ربما يمثل النطاق الذي يتناوله مشروع القانون تحدياً للصور النمطية التي يحملها الغرب عن الإسلام، إلا أن محرزية العبيدي، نائبة حزب النهضة في البرلمان ورئيسة اللجنة البرلمانية للمرأة، قالت "نحن لا نرى تعارضاً بين الإسلام وحماية حقوق المرأة. لدينا قراءة تقدمية للإسلام".

وقالت سيدة الونيسي (29 عاماً)، إحدى النائبات عن حزب النهضة في البرلمان ووزيرة التشغيل والتكوين المهني في الحكومة الائتلافية التي يقودها حزب نداء تونس العلماني، "من الجيد أن نرى محافظين مثلنا يرون في العنف ضد المرأة سلوكاً غير مقبول. قد يرى بعض المحافظين أنه على الدولة ألا تتدخل في المساحة الخاصة (للعائلة)، لكن في حال تضرر السلامة الجسدية لأحد الأشخاص، فعلى الدولة أن تتدخل".

كما أشارت أنه على الرغم من أن وضع تونس أفضل من دول المنطقة الأخرى فيما يتعلق بحقوق المرأة، "إلا أننا نقارن أنفسنا بالمعايير العالمية".

تونس بلد قائم على التناقضات فيما يتعلق بحقوق المرأة. إذ يُسمح في تونس بحرية الإجهاض وتتوافر وسائل منع الحمل، وللنساء حقوق مساوية في الزواج والطلاق والملكية العقارية. وفي 2010، كان ثلث القضاة من النساء، وكانت ثمة أربعة محاميات من أصل كل 10 محامين، وفي 2013، بلغت نسبة المهندسات في تونس 30%.

وفي 2014، بعد ثلاثة أعوام من الثورة، جُسد تكافؤ الفرص في الدستور الجديد. وطُلب من الأحزاب السياسية بموجب القانون أن تضم قوائمها الانتخابية الرجال والنساء بالتناوب، ما يضمن تمثيلاً كبيراً للنساء في البرلمان. وفي أبريل/نيسان 2014، تخلت تونس عن تحفظاتها على اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة.

إلا أنه في المدن والقرى المحافظة اجتماعياً، ما يزال الرجال والنساء يسيرون وفق الأدوار التقليدية، إذ تحمل شهادة المرأة عادة وزناً أقل من شهادة الرجل فيما يتعلق بتقييم اتهامات العنف الجنسي أو المنزلي وفقاً للتقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية.

كما يُنظر إلى النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب أو للتحرش الجنسي على أنهن جلبن "الخزي والعار لعائلاتهن". بينما تتعرض ضحايا العنف المنزلي للضغط عادة من أجل إسقاط شكواهن في سبيل وحدة وسمعة العائلة.


العنف الأسري


وعلى الرغم من اعتبار العنف الأسري جريمة واضحة ومحددة في تونس منذ عام 1993، إلا أنه يُنظر إلى العنف الأسري على أنه أمرٌ عادي. في عامي 2012-2013، سُحبَ ثلثا شكاوى العنف الزوجي التي بلغ عددها 5575 شكوى للسلطات، أو جرى شطبها، ولم تسفر إلا 10% فقط منها عن إدانات. قد ترفض الشرطة أحياناً التحقيق في الشكاوى والادعاءات، وأحياناً يكون أفراد الشرطة نفسهم هم الجناة.

تعلم سهام بيجي هذا جيداً، إذ تعرضت الجدة البالغة من العمر 51 عاماً للهجوم على يد ثلاثة من أفراد الشرطة ذات صباح باكر في مايو/أيار 2012. ضربوها وكسروا فكها وأخذوا أوراق هويتها وساعتها وسوارها، ثم أبقوها في زنزانة الشرطة لثلاثة أيام. وبعد عرضها على المحكمة، ادعى الضباط إنها كانت مخمورة وهاجمتهم، لتقضي سهام 3 أيام أخرى في السجن بالإضافة إلى الغرامة التي دفعتها، فضلاً عن أنها لم تتلقَ أي عناية طبية.

في النهاية، وبمساعدة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، تمكنت من رفع دعوى قضائية ضدهم. بعد عام من الهجوم، حُكم على الضابط الذي كسر فكها بثلاثة أشهر في السجن، بينما تلقى الآخران ثلاثة أيام من السجن، وما يزال ثلاثتهم في سلك الشرطة.

"أصبحتُ شخصاً آخر بعد الهجوم" هكذا قالت سهام قبل أن تتابع "تغيَرتُ كليةً. أصبحت عدوانية، يسهل إثارة غضبي" وقالت إن عائلتها ألقت باللوم عليها، وإنها حاولت قتل نفسها 7 مرات.

ترجع جذور العنف الذي تتعرض له النساء على يد الشرطة وقوات الأمن إلى الأيام الأولى للديكتاتورية. تلقت هيئة الحقيقة والكرامة -التي تأسست على يد حكومة ما بعد الثورة- 15000 شكوى من مختلف النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب، أو للإهانة أو للتعذيب في ظل نظام بن علي أو سلفه الحبيب بورقيبة.


"الرقم لا يعكس حجم العنف"


ووفقاً لابتهال عبد اللطيف، رئيسة لجنة المرأة في الهيئة، فإن الرقم لا يعكس حجم العنف ضد المرأة، قائلة "مع كل رجل وُضع في السجن، تأكد من وجود 4 نساء على الأقل كن ضحايا، هن أيضاً: أمهات وزوجات وشقيقات وبنات".

كما أضافت أيضاً "كان يُنظر إلى الرجال الذين يخرجون من السجن باعتبارهم أبطالاً، ويتلقون الاحترام في مجتمعاتهم. أما بالنسبة للنساء اللاتي تعرضن للإساءة الجنسية، فكانت هناك وصمة من العار. لم تُقبل العديد من الفتيات اللاتي خرجن من السجن وسط عائلاتهن مرة أخرى. وهناك نساء لم يخبرن أزواجهن عما حدث على الإطلاق".

وتابعت "العديد ممن قدمن شكاوى لنا قُلن إنهن لا يرغبن في تعويض، بل في فرصة لسرد ما حدث، وكيف دمر حيواتهن، وكيف نبذهن المجتمع. إن التأثير الذي وقع على النساء كان أكبر بكثير من الذي وقع على الرجال".

تحاول الهيئة التعامل مع الماضي، عن طريق مشروع قانون العنف ضد المرأة الذي يهدف إلى توفير حماية أكبر في المستقبل، إلا أن السياسيين المروجين للقانون يأملون فيما هو أكبر من تغيير تشريعي.

قالت العبيدي "لا يمكننا تغيير حياة الأشخاص عن طريق تمرير قانون. يمكننا تغيير حياتهم عن طريق التعليم ونشر الوعي وتغيير اللغة المحيطة بالعنف ضد المرأة".

وبحسب الوسيني، فإن "تمرير القانون هو بداية العملية، لا نهايتها. نحتاج إلى دعم النظام التعليمي، وهو ما يبدأ في المدرسة. نحتاج برنامجاً تدريبياً للشرطة، ونحتاج لإلقاء نظرة على البرامج التلفزيونية التي تعمل على تطبيع العنف. الناس يتأثرون بما يرونه على شاشة التلفاز أكثر من مشروعات القوانين البرلمانية".

كما أضافت الوسيني، وهي ابنة أحد الأئمة، "للمساجد دور اجتماعي ضخم كذلك. هؤلاء الأشخاص هم موظفون حكوميون، تدفع لهم الدولة رواتبهم، لذا يجب أن يكون هناك دور لوزارة الشؤون الدينية. إن كان بإمكاننا مراقبة علامة التطرف لدى أئمة المساجد، فبإمكاننا مراقبة ما يقولونه عن العنف المنزلي. لا أظن أنه سيكون صعباً".

اعتُبر حزب النهضة حزباً "إسلامياً" تاريخياً، إلا أنه تخلى عن هذه الصفة منذ 6 أشهر ليُعتبر "مسلماً ديمقراطياً". تلقت هذه الخطوة، والتي جاءت عقب العملية التي استمرت 3 أعوام، دعم الأغلبية الساحقة في مؤتمر حزب النهضة الذي عُقد الربيع الماضي. وجذبت الخطوة مقارنات مع الأحزاب الأوروبية المسيحية الديمقراطية، كما قيل إن الوصف الجديد يعكس حزباً ديمقراطياً تقدمياً بجذور إسلامية.

يتوقع حزب النهضة -الشريك في الحكومة الائتلافية الحالية- أن يحظى مشروع قانون مناهضة العنف ضد المرأة بدعم برلماني واسع، على الرغم من احتمال اللجوء إلى بعض التنازلات قبل التصويت النهائي.

قالت آمنة غوليلي، الباحثة التونسية في هيومن رايتس ووتش، إن مشروع القانون كان "إطاراً شاملاً لمكافحة العنف ضد المرأة". تم تكليف جميع مؤسسات الدولة بتضمينه، إلا أن "أثره العملي سيعتمد على استعداد الدولة لتوفير وسائل التنفيذ. في تونس، لدينا تقليد لتمرير قوانين جيدة، لكن الواقع الفعلي أكثر تعقيداً".

أما بالنسبة لإيدهار شعيب، فإن أي تحرك لتعزيز حقوق المرأة مرحب به. كما أن قصتها تحولت للأفضل منذ خسرت قضيتها ضد رئيسها المفترس.

كما ساعدتها منظمات المرأة مادياً عن طريق الاستثمار في محل البقالة الصغير الذي فتحته، بالإضافة إلى توفير محامٍ متطوع لها. وفي مارس/آذار، عادت شعيب للمحكمة مرة أخرى، ليُدان رئيسها هذه المرة بالتحرش الجنسي ويُحكم عليه بدفع غرامة قدرها 25 ألف دينار.

ما زال هناك استئناف للحكم، ولم تتلقَّ شعيب أي أموال، إلا أنها قالت إن ما حدث لها "تم الاعتراف به. آمل أن تأخذ العدالة مجراها".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.