ضاعت فرحتهم بالهروب من الموت.. أقرباء المنضمين لداعش في الموصل يخشون تصفية الحسابات

تم النشر: تم التحديث:
MOSUL
Zohra Bensemra / Reuters

قالت إحدى النساء إن زوجها كان مقاتلاً في صفوف تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، إلا أنها تركته بعد أن حاولت إقناعه بالانشقاق عنهم، ولكن بلا فائدة.

وفي الأسبوع الماضي، اصطحبت المرأة أطفالهما الستة وهربت عبر خطوط المعركة، لتتجه نحو الأراضي التي يحكمها الجيش العراقي، حسب ما أوضحت.

لكن تلك المرأة التي تكلمت يوم الجمعة من داخل أحد المخيمات المخصصة للنازحين الجدد جنوب الموصل -والتي يقوم على حراستها رجال مسلحون، ولا تمتلك بخيمتها أي طعام أو أي مصدر للكهرباء، إذ يخلو المشهد إلا من أطفالها وهم يلعبون في الوحل- لم يبدً هروبها إلا مقدمة لمحنة بائسة أخرى بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية.


تخضع لتحقيقات


على الرغم من وقوع قريتها بجوار المخيم، لم يسمح لها بالعودة إلى منزلها حتى تخضع لتحقيقات يجريها المسؤولون العراقيون معها عن ماضيها ونشاط زوجها الذي تدّعي أنها لم تره منذ أشهر. وحتى إن مُنحت في النهاية إذناً بالمغادرة، لم يتضح بعد ما إن كان ثمة مكان لها في قريتها، أو حتى في العراق بأكمله بسبب هذا الأمر الذي سيلاحقها أينما حلّت.

بدأ الآلاف من العراقيين، الذين عاشوا خلال العامين الماضيين تحت حكم الميليشيات، في الهروب من قُراهم مع اقتراب الحشود الضخمة للقوات العراقية من مدينة الموصل التي تقع شمالي العراق، وهم الآن أحرار في أن يقصوا حكاياتهم عن مشاهد الوحشية والحرمان التي شهدوها في ظل حكم التنظيم، فضلاً عن هروبهم من الموت الوشيك.

ولا يستطيع معظم المسلمين السنّة الاحتفال بهروبهم من الموت، في ظل مواجهتهم لتساؤلات السلطات والبلد كله عن السنوات التي عاشوها مع الميليشيات السنية، فضلاً عن سؤالهم عن أي ارتباطات مع الجهاديين، سواء أكانت حقيقية أم مجرد أوهام.

إذ يُنظر إلى طريقة معاملتهم من قِبل الحكومة التي يقودها الشيعة في الحملة الحالية، على أنها ضرورية لإعادة بناء ثقة الطائفة السنية في الدولة، والتي انهارت بشدة منذ عامين؛ ما دفع بعض أبناء السُنة للترحيب بقدوم الميليشيات إلى مدنهم وقراهم.

إلا أن بعض المناطق التي استعادتها القوات العراقية من أيدي التنظيم، شهدت خضوع الرجال والصبية بتلك المناطق إلى فحص وتدقيق استمر لأشهر. وفي أعقاب ذلك، أبلغت مجموعات حقوقية عن حوادث إعدام وتعذيب واعتقال تعسفي على أيدي القوات الحكومية والميليشيات المسلحة الموالية لها.


تصفية الحسابات


ويواجه الأشخاص الذين تربطهم علاقات قرابة مع أي شخص انضم للتنظيم -مثل تلك المرأة التي تُدعى خولة، والتي رفضت الإفصاح عن اسمها بالكامل- نوعاً خاصاً من تصفية الحساب، إذ ترفض السلطات المحلية والقبلية وأيضاً جيران هؤلاء الأشخاص الراغبين في الانتقام، عودتهم إلى قُراهم مرة أخرى.

تصرّ خولة أن الأمر سيكون مختلفاً بالنسبة لها، فتقول إن جيرانها في قريتها رحبوا بها بعد هروبها من إحدى القرى النائية في الشمال والتي تقع تحت حكم داعش، حيث عاشت فيها مع زوجها.

قالت خولة "استقبلتني القرية بأكملها. كلهم أحبوني وبكوا من أجلي". لكن إحدى العائلات الأخرى انتقلت للعيش في منزل خولة وعلى ما يبدو، فقد بدأت بالفعل في تحضير نفسها لمواجهة الاتهامات التي ستتعرض لها بسبب انضمام زوجها إلى داعش".

مع هبوط الليل على المخيم، بدأ أحد أبناء خولة في البكاء. تقول المرأة "لم يكن خطئي. أنا لست مخطئة؛ لماذا ينبغي تشريدنا؟".


تشردوا مرتين


تسبب توسع داعش في تشريد ملايين الناس خلال العامين الماضيين، كما تسببت العمليات العسكرية ضد التنظيم في التشرد مرة أخرى، لتشكل موجة جديدة من النزوح ذكرتنا بالعهود القريبة التي عاشها العراق خلال الغزو الأميركي والحروب الأهلية الدموية التي تبعته.

وقد صاحبت كل فترة من تلك الفترات أيضاً مشاهد الثورة الاجتماعية والقتل بدافع الانتقام والتهجير القسري، مما تسبب في تمزيق البلاد وإعادة تشكيلها على مر السنين.

فيما اتخذ المسؤولون العراقيون تدابير يأمل البعض في أن تحدّ من العنف المحتمل حدوثه بعد انتهاء حملة الموصل.

على سبيل المثال، ربما يتم ذلك من خلال تقييد أنواع القوات التي سوف تدخل المدينة، بالإضافة إلى استبعاد الميليشيات الطائفية. كما قالوا إنهم يحاولون تبسيط عملية الفحص، بالإضافة إلى أنهم يحثون المدنيين على البقاء في منازلهم.

وفضلاً عن ذلك، ثمة حالة منتشرة من الاشمئزاز من الميليشيات تنتاب الجميع -بما في ذلك أبناء الطائفة السنية الذين لم يتأثروا بما حدث والذين طالما همّشتهم الحكومة المركزية- وحالة الاشمئزاز هذه قد تؤخر الوحدة الوطنية لمدة أطول.

إلا أن هذه جميعها آمال، ولعلها ليست كافية لتهدئة رغبة الناس في الانتقام.

قالت مجموعة من الرعاة، الذين يمكثون على بعد بضع خيام من مكان إقامة خولة في نفس المخيم، إنهم تعرضوا للضرب على يد مجموعة من الجنود بعد هروبهم من داعش. لكن لم يتم توقيفهم لفترة طويلة، حسب ما أوضح أحدهم، وكان مصاباً بكدمة أعلى عينه.


تصفية حسابات لا مفر منها


وفي إحدى الخيام الأخرى، قال علي، السائق البالغ من العمر 40 عاماً، والذي هرب من قريته الأسبوع الماضي، إن ارتكاب العنف لتصفية الحساب أمر لا مفر منه. وأضاف "في البداية سيكون هناك انتقام. إلا أن الأمر سيتحسن فيما بعد".

لم يختلف علي عن معظم الأشخاص الذين هربوا من الميليشيات، فقد استرجع بذاكرته بكل سهولة الأعمال الوحشية التي شهدها خلال العامين الماضيين. وعن ذلك أوضح أن الميليشيات أعدمت 5 أقارب كانوا ضباطاً، أو جنوداً، أو حراساً لحماية منشآت النفط. كما أشار إلى أن قريته، التي تتكون من 20 عائلة فقط، واجهت معاملة سيئة للغاية؛ لأنها اشتهرت بمناوئتها للتنظيم.

وأردف قائلاً إنهم جميعاً خُدعوا بمظهر الميليشيات عندما وصلوا إلى القرية في البداية، و وأضاف "لكننا أدركنا أنهم لا علاقة لهم بالإسلام"، عندما بدأوا في معاقبة الناس على جرائم صغيرة، فضلاً عن ابتزازهم للناس.

في مخيم آخر شرق الموصل، أبقت السلطات على عشرات الشباب الذين هربوا من مناطق حول المدينة خلف بوابات مغلقة بأقفال، لتعزلهم عن العائلات التي تتحرك بحرية في أماكن أخرى داخل المخيم. إذ يمكث بعض هؤلاء الشباب في ذلك المكان منذ 40 يوماً بدون أي إشارة للوقت الذي سيُسمح لهم بالمغادرة، حسب ما قالوا.

يقول محمد أسعد، الذي كان يجلس مع مجموعة من الشباب داخل خيمة "لقد هربنا من سجن، لندخل في سجن آخر".


هروبهم مروعاً


لقد كان هروبهم مروعاً، إذ يقول أحدهم واسمه حسن محمد (22 عاماً) إنه غادر الموصل قبل 10 أيام. كان محمد يبيع السجائر بالسوق السوداء، وألقت الميليشيات القبض عليه عدة مرات، وفي النهاية آثرت أسرته إبعاده؛ كانوا قلقين من أن ينفد حظه في النهاية، حسبما أوضح.

قال محمد أنه دفع 400 دولار للمهربين لكي يغادر، وأنه عبر النهر على قارب، وسار على قدميه لثماني ساعات، وطاف حول الخطوط الأمامية للمعركة في الليل.

وأضاف أنه ليس لديه أدنى فكرة عن الوقت الذي سيتمكن فيه من لقاء عائلته -التي بقيت في المدينة- مرة أخرى، أو حتى متى سيُسمح له بمغادرة المخيم، في ظل استمرار اجتياح الموصل الذي ربما يستمر لأسابيع أو أشهر قادمة.

وفي مكان آخر داخل المخيم، لم تصب مجموعة من الرجال الذين هربوا من قراهم جنوب المدينة، تركيزهم كثيراً عما سيعقب العمليات العسكرية، ليستمتعوا في الوقت الحالي ببعض الأمور السارة التي حصلوا عليها مؤخراً، وكان تدخين السجائر، الذي منعته الميليشيات، أول تلك الأمور.

ومع مرور علبة السجائر على الجالسين يقول خالد خليل "لقد جئنا إلى هنا ونحن جوعى، وبقينا ندخن السجائر فقط".

وقد أصر خليل والآخرون على أنه لم يكن ثمة طريقة لمناهضة أعضاء التنظيم، البالغ عددهم حوالي 30 مقاتلاً، الذين احتلوا قريتهم. وفي ظل المراقبة الشديدة للميليشيات على سكان القرية، شغلوا أنفسهم بالتحضير لأي هجوم من خلال حفر الأنفاق وتخزين السلاح.

يقول أحد سكان القرية، واسمه أسعد حسن، إن الجميع أرادوا أن يهربوا. ويتساءل "ما الذي قدمته داعش لنا؟".

يضيف حسن "لقد كان لدي أبناء يعملون موظفين بالدولة، لكنهم لم يوفروا وظائف لهم. كما أن الطلاب لم يعودوا إلى مدارسهم".

وبعد هروبهم من القرية، عاملهم جنود البيشمركة الأكراد معاملة طيبة، وأحضروهم إلى هذا المخيم. والآن، ينتظر هو وأهل قريته أن يلقوا معاملة أفضل من الحكومة لكي يتم حل المشاكل طويلة الأجل التي وفرت التربة الخصبة لظهور التنظيم في المقام الأول.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.