مساجد بلا مآذن أو قباب.. معماري بريطاني يشرح مبرراته في تصميم دور العبادة بشكلها الجديد

تم النشر: تم التحديث:
YY
Aurora

يعمل المهندس المعماري شاهد سليم، على تجديد صورة المساجد البريطانية. المهندس المرشح لنيل جائزة مؤسسة آغا خان لعام 2016 أوكلت إليه مهمة إعادة تصميم دور العبادة الإسلامية في كل أنحاء بريطانيا، فقام بإلغاء القباب والمآذن.

من مقر عمله شرق لندن يتحدث سليم إلى موقع بزفيد الأميركي فيقول "ما أريده هو تشييد أبنية لا توجد إلا هنا في هذا المكان، وهذا الزمان وهذه الثقافة التي تملكها الآن".

ويتابع سليم "كذلك على الأبنية أن تعكس الهوية البريطانية، وما أعنيه بذلك هو أن نقبل ونعترف ونستوعب حقيقة أننا نتاج هذه البلد وهذا المكان وأنه ليس بوسعنا التظاهر بأننا لسنا كذلك".

سليم باحث كبير في كلية بارتليت للهندسة المعمارية بجامعة University College London البريطانية، ويعكف حالياً على تأليف كتاب هو عبارة عن مشروع طموح للعمارة الإسلامية في بريطانيا، يستعرض نموها وتطورها منذ باكورتها أواخر القرن الـ19 وحتى يومنا هذا.

فالرمزية في العمارة الإسلامية البريطانية وملامح "الإسلام البريطاني" غدت محل جدل ونقاش كبير إبان استفتاء بريكسيت الذي قضى بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والشهر الماضي استضافت البارونة سعيدة وارثي حفل شاي "إنكليزي جداً" في منطقة "سري" حيث طرحت مواضيع كثيرة من مثل استحداث أناشيد إسلامية على نسق الترانيم التي تغنى في الكنائس والأبرشيات، وكذلك طرحت فكرة إنشاء مبانٍ يتسق طرازها مع القرى الإنكليزية.


المساجد ليست أماكن للعبادة فقط


ss

المساجد ليست مجرد أماكن للعبادة في بريطانيا، بل هي مراكز تبنى بشكل عام على نفقة الجالية المسلمة بمبادرة من أهالي كل منطقة، لتكون مراكز تجمع واحتفال والتقاء وصناديق للمعونات الغذائية، بل وحتى صالات رياضية. في عام 1990 بلغ تعداد مساجد بريطانيا 400 مسجد، أما في يومنا هذا فبلغ الرقم حوالي 1800، ولذلك ثمة "قلق" من الخدمات التي تقدمها هذه الجوامع والمساجد وكيف سيبدو شكلها في المستقبل.

والواقع أن ثمة عدة مشاريع جارية على قدم وساق في الوقت الحالي تعطينا فكرة عن التفاعل والنقاش الدائر في الأوساط الإسلامية البريطانية والمتمحور حول شكل المساجد، كيف ينبغي أن يكون وما المرافق التي يجب أن يوفرها.

فمثلاً سوف يجتمع في نهاية هذا الأسبوع فريق المهندسين المعماريين القيّمين على إنشاء مسجد كمبريدج الجديد في شارع Mill Road وسيتباحثون في موضوع "أول مسجد بيئي في أوروبا". كذلك في برادفورد هذا الصيف أطلقت جمعية "شبكة النساء المسلمات" Muslim Women’s Network استراتيجية لجمع الأموال والتبرعات لبناء أول مسجد في المملكة المتحدة تؤمه النساء. كذلك قالت "مبادرة المساجد الشاملة" Inclusive Mosque Initiative أنها ترحب بجميع الناس من كل الأطياف والخلفيات الثقافية وهي حالياً تستضيف جولة تثقيفية عن الإسلام ومثليي الجنس.

يرى سليم أن العمارة مؤشر عميق لعملية استكشاف الإسلام البريطاني وماهيته "فإن استخدمنا الهندسة المعمارية لاستكشاف الهوية الجديدة الآخذة في التشكل في هذا البلد، سيكون ذلك مفيداً وسوف يمثل أحوالنا وظروفنا الحالية بشكل أكثر دقة".

ويتابع "أنا مثل كل جاليات مسلمي الشتات الذين وفدوا من بلدان أخرى ليستقروا في هذه البلد، وثقافتنا شيء نصنعه من جديد".


تصاميم ملهمة


sss

ولهذا لا عجب أن تصاميمه تلهم الناس كي يتناقشوا في موضوع شكل المسجد وما ينبغي أو ما لا ينبغي أن يكون عليه. هو يستخدم المواد بطرق جريئة، كما أن صراحته الممتزجة بالعصرية في تطبيقه الأشكال الهندسية الإسلامية في عمارته الإنشائية أمرٌ يبعث على التجديد. فحتى يومنا هذا لا تضم أي من تصاميمه لمساجد بريطانيا شكلَ البصلة التقليدي للأقواس، بل جميعها لها تصميم عام حاد الزوايا مستقيم الأبعاد لدرجة أنه يمكن تصنيفها ضمن الحركة التكعيبية.

ويقول سليم إن مزج الأشكال الجديدة بالقديمة هام لعمله كي "يحافظ على الصلة بين التاريخ والعمارة والثقافة الإسلامية لكن باستخدامها بطريقة معاصرة. أي أن الأمر كله يكمن في استخدامها بطريقة جديدة لأغراضها وظروفها الخاصة".

مثال حيٌ على ذلك تصميمه لمسجد الحكمة في أبيردين المزدان بأنجمٍ سيراميكية صممتها وصنعتها يدوياً المصممة لبنى تشودري. استخدم سليم أحجاراً من الغرانيت كي تعكس التقليد المحلي المتسق مع "مدينة الغرانيت" ولإضفاء لمسة معاصرة من دون المبالغة أو الإفراط في لمسات الحداثة الفنية الصارخة، وبذلك يظل المسجد مسجداً في أعين مرتاديه.

يقول سليم الذي ينحدر من والدين هنديين أنه ينتمي إلى الجيل الأول من المسلمين المولودين في بريطانيا لوالدين مهاجرين إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية، ما يكسبه فرادة نظراً لتصميمه دوراً للعبادة الآن.

وحتى تاريخه أتم سليم بناء المسجد الذي صممه في شارع Hackney Road شرق لندن، كما أن العمل جارٍ لإتمام مسجده في أبيردين، وقد تسلم الإذن بالتخطيط لتصميم مسجد في كامبرويل جنوب لندن، ولديه كذلك خطط وتصاميم لمسجد في South Woodford الكائن شمال شرق لندن.

يقول "لا مكان آخر لي سوى هنا، ولذلك ينبغي على ما أشيده هنا أن يعكس البيئة هنا، لكن أيضاً مع ثقافة أخرى تنتمي إليها وتنهل منها".

ويضيف "لست أقول إني أو المجتمع المسلم منقسمون إلى عدة هويات ثقافية مختلفة، فالطبيعي أن يكون هناك خليط ومزيج متنوع. لا توجد أزمة هوية، ومن الطبيعي جداً أننا ننحدر من طيف واسع من التقاليد، ونشعر براحة تامة من كوننا كذلك".


انتقاد تصاميم الجوامع


sss

ولا يجد سليم غضاضة في انتقاد تصاميم الجوامع التي تضم مآذن فيها، فالمئذنة عرفت تقليدياً بأنها الوسيلة المستخدمة في رفع الآذان، وهو أمرٌ غير سارٍ في المملكة المتحدة، ولهذا يقول سليم "أجد الصعوبة في تعمد إضافة عنصر المئذنة إلى الجامع لمجرد أن الجوامع شكلها كذلك، أي لا بد من إضافة مئذنة. برأيي إن هذا يؤدي إلى طراز معماري فيه شيء من المخاتلة في الواقع. إننا هنا مجتمع متعدد الثقافات، ومع ذلك يتمسك الناس بالقوالب السابقة لأشكال الجوامع، وهو أمرٌ بات لا يناسب زماننا على نحو ما. علينا ابتكار لغتنا المعمارية الخاصة التي تعكس هويتنا الإسلامية الأوروبية. على العمارة ببساطة أن تستجيب لهويتك ولهوية مجتمعك، فالكل مختلف وبطبيعة الحال لن يتفق الكل معي على المباني التي أشيدها".

ويتحدث سليم عن مسجد يفخر بإنشائه هو مسجد وأمانة مركز شاه بوران الإسلامي على شارع Hackney Road. يقول إن الجالية في البداية حارت في أمر ذلك الجامع، بيد أنهم بدؤوا يحبونه لما رأوا التصاميم المرشحة لجائزة آغا خان هذا العام والتي يقول عنها "الحقيقة أن آخرين كذلك أحبوا التصاميم وليس المسلمين فقط." فتصاميم هذا الجامع مستمدة ومستوحاة وكذلك تستجيب لتصاميم مباني القرن الـ18 والـ19 المجاورة للمسجد.

وعن المساجد التي تُبنى اليوم يقول سليم إنه من المهم للمباني أن تلبي الذوق الثقافي "فما أوده هو أبنية تستجيب للمجتمع بأكمله لا للمجتمع المسلم وحسب؛ أي أني أريد أن ينظر إليه غير المسلمين ويقولوا في أنفسهم "في الواقع أحب هذا المبنى في حيي هذا لأنه يضيف إليّ شيئاً، فهو يبين أني أعيش في مكان ذي تنوع وتعددية".

ويختم سليم قائلاً "ثمة الكثير من الأفكار التي تدور مؤخراً بيد أن الأمثلة التي أنشئت وبنيت قليلة. غير أنه من المرجح أن المزيد من المساجد المعاصرة ستبني".

هذا الموضوع مترجم عن موقع Buzzfeed الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.