هجرتْ صقيع سويسرا وناضلت ضد فرنسا بالجزائر.. من هي إيزابيل إيبرهارت؟

تم النشر: تم التحديث:
ALJZAIR
sm

قبل 112 عاماً كانت نهاية تراجيدية لفارسة الرمال، الروائية والصحفية السويسرية إيزابيل إيبرهارت، بعدما جرفت سيول الأمطار بيتها الطيني في منطقة عين الصفراء، لتودع الحياة، وتودع معها سحر الجنوب الجزائري.

المثقفون بالجزائر أحيوا ذكرى وفاة إيزابيل إيبرهارت، بتنظيم تظاهرات، وملتقيات، لتخليد ذكرى وفاتها، خاصة بمنطقة عين الصفراء التي عاشت فيها الروائية لسنوات وفيها رحلت عن هذا العالم.


حاصرها جليد سويسرا فأذابته بصحراء الجزائر


تؤكد الأبحاث في حياة إيزابيل إيبرهارت، والتي نشرت جوانب منها بالموقع الإلكتروني الذي أنشاه جزائريون وسمي باسمها بأن الحياة القاسية التي عانتها ابنة سويسرا في بلدها جعلتها تقررالابتعاد واختيار حياة البداوة بالصحراء الجزائرية.



aljzair

إيزابيل إيبرهارت ولدت في جنيف في 17 من فبراير عام 1877 من أم روسية وأب أرميني من علاقة عابرة، وسُجلت مدنياً في سويسرا كلقيطة قبل أن تحمل اسم جدتها لوالدها.
وضعها الاجتماعي، بحسب الباحث والروائي سعد الخطيبي، جعلها تعيش حياة بائسة، فقد تنكر لها إخوتها من أمها وأسقطوا حقها في الميراث، فلم تجد أمامها سوى التمرد سلاحاً تُجابه به قسوة الحياة، واتخاذ قرارات جريئة في هذا الصدد.



aljzair

ويؤكد الخطيبي لـ"هافينغتون بوست عربي، أن روايته المعنونة بـ"أربعون عاما في انتظار ايزابيل"، والتي أصدرها العام الجاري، تكشف الكثير عن جوانب حياة هذه الشخصية العظيمة.

اختارت إيزابيل بداية من عام 1897 تغيير حياتها جذرياً، باتخاذ قرار الهجرة إلى الجزائر، والاستقرار بها نهائياً بعيداً عن بؤس سويسرا، ووضعها الاجتماعي المعقد، سيما بعد وفاة جدتها التي كانت تتكفل بها.


"بدوية حتى النهاية"


مع بدايات سنة 1897 قررت صحيفة الأخبار السويسرية، إيفاد إيزابيل إيبرهارت كصحفية لتغطية حياة الجزائريين في ظل الاستعمار الفرنسي الذي بدأ عام 1830.

ويعتبر بلعرج بوداود أستاذ التاريخ بجامعة بشار الجزائرية ، أن هذه الخطوة كانت بوابة لتغير حياة هذه الكاتبة، الروائية والصحفية بالبقاء ء في الجزائر، وترك حياة أوروبا.



aljzair

ويضيف بوداود لـ"هافينغتون بوست عربي": "التصريح الشهير الذي أطلقته إيبرهارت، لدى دخولها الجزائر حينها، جعلها محبوبة الجزائريين إلى يومنا هذا رغم كل ما تبعها من تهم وتلفيقات فندتها البحوث المتعاقبة". فقد قالت حينها: "إحساس رائع أن تعيش بسيطاً، فوق أرض طيبة وشعب لطيف، سأعيش بدوية طوال حياتي، عاشقة للآفاق المتغيرة والأماكن البعيدة الغير مستكشَفة، لأن كل رحلة، حتى إلى المواقع المعروفة عند الجميع، هي استكشاف".

وهو ما ذهب إليه الروائي سعد الخطيب الذي أقر بأن البحوث المكتوبة في هذا المجال أكدت عمل الصحفية كمراسلة للصحيفة السويسرية الأخبار، وبعدها تفرغت لتربية المواشي والأغنام وحياة البداوة".


زوجها جندي فرنسي مسلم


تشير البحوث التي درست حياة إيزابيل إلى أنها كانت ترتاح للإسلام، من خلال احتكاكها بالصوفيين القادريين، وهي فرقة إسلامية كانت تدافع عن حرية الوطن من ظلم فرنسا وتدعو إلى الاتحاد والثورة.

ولما اكتشف الفرنسيون حينها تعاون الكاتبة مع هؤلاء، ومساعدتها لهم، قررت الإدارة الفرنسية بالجزائر نفيها إلى مدينة مارسيليا، بحسب الباحث بلعرج بوداود، وهناك تعرفت على جندي فرنسي مسلم، كان في رحلة دائمة بين الجزائر وفرنسا".

في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1901 قررا الزواج، وقد منحت للروائية إيزابيل الجنسية الفرنسية، وحق العودة إلى الجزائر وهو ما تم بحسب بوداود .

وهناك قول آخر يذكره الروائي سعد الخطيبي، من أن إيزابيل تعرفت بالجندي الفرنسي الذي غير اسمه إلى "سليمان" بعد اعتناقه الإسلام في الجزائر، وبالضبط بمنطقة وادي سوف قبل نفيها الى ماسيليا.

الجندي وبسبب حبه الكبير لها فعل المستحيل للذهاب إلى فرنسا، وتسوية وثائقها قبل الزواج بها والعودة معا للاستقرار في منطقة عين الصفراء الجزائرية، وهناك أعلنت إيزابيل إسلامها هي الأخرى حسب الخطيبي.


رحلت وبين أحضانها "المتسكع"


واصلت إيزابيل مشوار حياتها، حاملة هموم إخوانها المسلمين في الجزائر، ونصرت قضيتهم العادلة، وجابت البلاد شرقاً وغرباً تطوي بإعجاب آفاق حياة مجتمع مسلم، يتشبث بتلابيب هويته رغم كل مكائد الاستعمار.

ويؤكد الباحث بلعرج بوداود، دفاع الكاتبة في مقالاتها ومراسلاتها الصحفية عن القيم العربية والأمازيغية في الشمال الإفريقي، وتأييدها للانتصارات التي حققها الشيخ بوعمامة في مقاومته الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي.

ومن أبرز ما ألفت هذه الكاتبة والروائية حسب بلعرج، Nouvelle Algériennes أخبار الجزائر، وكذلك كتاب Dans l'Ombre Chaude de l'Islam في ظل الإسلام الحار وكذا كتاب Les Journaliers عمّال النهار.

في يوم 21 أكتوبر/تشرين الاول من العام 1904، وبينما كانت إيزابيل وزوجها داخل بيتهما الطيني، إذا بسيول وادي عين الصفراء الذي كانا يتخذان منه مكاناً للاستقرار يفيض عن آخره، بعد أمطار طوفانية، جرفت البيت بما حوى.

ويؤكد بلعرج:" أنه تم العثور على جثمان إيزابيل تحت الأنقاض، وبين يديها كتاب بعنوان "المتسكع"، فيما نجا زوجها من موت كان محققاً".


لن ننسى......


اجتمع عدد من الأدباء والمثقفين الجزائريين يوم الجمعة الماضي في ذكرى وفاة إيزابيل بولاية النعامة جنوب غرب الجزائر، لاستحضار هذه الشخصية بعد 112 عاماً من رحيلها.

وأكد هؤلاء في بيان لهم بأن كل مثقف وأديب جزائري، لا بد عليه أن يذكر هذا النموذج الناجح للإنسانية، والإبداع في الترحال، والاستكشاف والكتابة والإعلام في زمن كان لا يؤمن فيه الغرب سوى بالغزو والاحتلال.

ويقول نابتي علي الأستاذ بجامعة الجزائر لـ"هافينغتون بوست عربي"، "إن شخصية ايزابيل كبيرة جداً، وانها خدمت الثورة ضد الاستعمار في الجزائر وناضلت من أجل الحرية، والإسلام بقلمها".



aljzair

ودعا جميع المثقفين في الجزائر إلى تخليد ذكرى وفاتها، وعدم الانصياع إلى بعض الشائعات التي كتبت بحقها لحول تعاونها مع الاستعمار الاستعمار الفرنسي وأنا كانت تبيع الثوار.

وتأسف الروائي سعد الخطيبي من تحول "الشائعة" إلى قناعة في عقول البعض، بسبب تأويل ذاتي لبعض كتاباتها من دون قراءة نقدية لها، رغم كل ما قامت به في حياتها القصيرة لصالح "الأهالي" والثورة عموماً.

ويضيف الخطيبي: "في الفترة التي ظهر فيها اسم إيزابيل إيبرهارت (نهاية القرن 19 وبداية القرن 20)، كان الكتّاب الفرنسيون ينظرون إلى الجزائر باعتبارها أرضاً مفتوحة ﻟلغزو العسكري والفكري، على عكس ما قامت به إيبرهارت، التي اهتمت بالإنسان الجزائري، وتركت خلفها كتابات "مستفزّة" للاستعمار.

وإيزابيل كما يضيف الخطيبي كانت مراسلة لواحدة من ألمع جرائد المرحلة "الأخبار"، التي كان يشرف عليها الكاتب والصّحفي فيكتور باريكان، المعروف عنه مواقفه التّقدمية، ونقده للسياسات الاستعمارية الفرنسية، في شمال إفريقيا، وخصوصاً دفاعه عن حقوق الأهالي المسلمين في المساواة مع غيرهم".


يوم وطني برائحة "ايزابيل"


يطالب المثقفون في الجزائر، من خلال لقائهم الأخير بإحياء لذكرى رحيل إيزابيل، من السلطات في الحكومة، تحديد يوم 21 أكتوبر/تشرين الاول من كل عام كيوم وطني للفنان والمثقف الجزائري.

ويقول الروائي سعد الخطيب: "تقدمنا بطلب لوزارة الثقافة تحديد ذكرى وفاة إيزابيل كيوم وطني، يجتمع فيه الفنانون والمثقفون والروائيون الجزائري، لكن لحد اللحظة لم يتم الرد على الطلب".