لماذا اختار أهالي حلب الموت تحت القصف ورفضوا الخروج من مدينتهم رغم الضمانات الروسية؟

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO
In this photo provided by the Syrian Civil Defense White Helmets, rescue workers work the site of airstrikes in the al-Sakhour neighborhood of the rebel-held part of eastern Aleppo, Syria, Wednesday Sept. 21, 2016. Ibrahim Alhaj, a member of the volunteer first responders known as the Syria Civil Defense, said 24 people were killed in a series of bombings in several parts of the besieged city Aleppo on Wednesday. (Syrian Civil Defense White Helmets via AP) | ASSOCIATED PRESS

"آلاف اللاجئين يتدفقون من حلب عبر الممرات الإنسانية التي أعلنها الروس، سيناريو كان يتوقعه البعض منذ إعلان موسكو عن "هدنة إنسانية" في حلب، بدأت الخميس 20 أكتوبر/تشرين الأول 2016 وانهارت ليل السبت 22 أكتوبر/تشرين الأول 2016.

هذه الهدنة الروسية التي اقتصرت على عدة ساعات يومياً، أنذرت خلالها موسكو المقاتلين والمدنيين بضرورة الخروج من الأحياء الشرقية المحاصرة عبر 8 معابر.

ولو حدث هذا الأمر لكان أمراً عادياً، ففطرة الإنسان أن يحاول أن يحافظ على حياته. لكن اللافت عدم ورود أنباء عن تدفق أو هروب كبير من المدينة المحاصرة.

يثير هذا الأمر تساؤلات حول سبب عدم استغلال المدنيين هذه الهدنة للهروب من المدينة المدمرة، بل حتى لماذا لم يستغل المقاتلون من الفصائل التي لا تصنفها روسيا أنها إرهابية هذه الهدنة للنجاة بأنفسهم في ظل إعلان موسكو ودمشق مراراً استعدادهما لفتح ممرات آمنة لهؤلاء المقاتلين.

"هافينغتون بوست عربي" تواصلت مع عدد من الأهالي والفعاليات المدنية في المناطق المحاصرة، لمعرفة تجاربهم وآرائهم بهذا الخصوص، حيث أكّد معظمهم أنهم يفضّلون الموت على مغادرة أرضهم، وكانت قصص بقاء البعض وأسبابه في عدم الخروج صادمة وغريبة، فمن الواضح أن الموت يولد أشياء أخرى غير الخوف!


هذا ما يولده الموت؟


الموتُ الذي افترش شوارع المدينة كانت له الحصّة الأكبر في حسم كثير من الأهالي قرارهم بـ"النفي"، عندما سُئلوا عن احتمالات خروجهم، فالذي شهد أمام عينيه كيف تساقط أبناؤه وأقرباؤه وجيرانه قتلى، لن تعودَ لحياته "الشخصية" أية قيمة.

لدى سؤال "هافينغتون بوست عربي" للرجل المسن "أبوخالد" - الذي أبدى عدم رغبته في الخروج - عن السبب، قال: "إنّ الخوف على أسرتك عادة هو الذي يجبرك على الترحال، لإيجاد حياة أقل بؤساً، لكنْ ماذا أفعل الآن وقد أخذت الحرب اثنين من أولادي، بينما الآخرون نزحوا مع أزواجهم".

ويستطرد "أبوخالد" في رواية التفاصيل: "توفيت زوجتي قبل 6 سنوات، وابني الأول قُتل، قبل عامين أثناء عودته من عمله جراء قصف صاروخي استهدف حي "الأرض الحمرا"، بينما قُتل الآخر في معركة على إحدى جبهات المدينة، ولديّ ابنة نزحت مع زوجها وأولادها إلى تركيا، إلى أي وجهة سأمضي لو فكرتُ بالخروج؟".

ويكمل: "الآن بعد أن جعلتني الحرب وحيداً أتمسك جداً ببقايا منزلي؛ لأنه لم يتبقَّ هناك أي شيء يستحق أن أعيش من أجله".


مساهمون


التمسك بالمبدأ يمنع كثيراً مما تبقى من سكان المدينة من مغادرتها، إضافة إلى الرغبة في تقديم مساهمة بسيطة، لتحسين الوضع المعيشي لمن تبقّى من "الأحياء"، والمساهمة في تخفيف الأعباء التي تفرضها حالة الحرب ولو قليلاً.

"محمد" مهندس كهربائي، يقول لـ"هافينغتون بوست عربي" إنه يرفض الخروج لأنه "كان يتوقع - منذ مشاركته في الحراك السلمي المناهض للنظام السوري - أن يحدث كل ما يحدث الآن، فما تعرض له المدنيون من تجربة كافة أنواع القصف، ورؤيتهم الأشلاء والدماء يومياً، جعلهم يتمتعون بقدر عالٍ من (اللامبالاة) بمصيرهم من جهة، ومن جهة أخرى اقتناص كل لحظات الحياة لتقديم شيء ما للمجتمع الذي يعيشون ضمنه".

hlb

ويضيف محمد: "أن غياب أصحاب المهن والكفاءات في المجال الذي أتقنه، يجعلني مسؤولاً تجاه نفسي، وتجاه ما سأقدمه للبيئة التي أسكن فيها، فأنا أساهم كثيراً في صيانة الأضرار التي تتعرض لها شبكة الكهرباء عندما تتعرض للقصف مثلاً، ورغم محدودية الساعات التي تصلنا فيها الكهرباء، إلا أن هذا قد يضيف شيئاً".


أين أذهب؟


غياب وجهة محددة للراغبين في الخروج هو أيضاً عامل إضافي يجعلهم يفكّرون بشكل أكثر منطقية، فيتساءل المهندس (محمد): "أين من الممكن أن نذهب في ظل إغلاق الدولة المجاورة لحدودنا (تركيا) معابرها في وجه السوريين، وما الذي سنفعله لو رُمينا في أحد المخيمات؟".

hlb


تودّ الخروج.. لكنْ!


لفرط ما أقلقتها حالة الخوف على أولادها، تواصلت (خولة) مع أحد السماسرة، الذي أبلغها بأنه يستطيع التنسيق مع الأطراف المتصارعة (النظام السوري والمعارضة)، وسيتمكن من إخراجها مع أولادها مقابل مبلغ قدره مليون ليرة سورية (قرابة 2200 دولار).

لكن مثل هذا المبلغ لا يتوافر لديها، لذا قضت أياماً طويلة في استدانته من العديد من معارفها، وحين تجمّع لديها، أحسّت بأنّ السمسار قد يورّطها في مشكلة ما، إذ لا ضمانات أبداً، لاسيما بعد خروجها إلى الطرف الذي تسيطر عليه قوات النظام.

تقول خولة: "كنتُ متحمسة جداً للخروج بأي طريقة، وبأي ثمن، لكنني أدركتُ مؤخراً أنني قد أكون ضحية (متاجرة)، لذلك رفضتُ الاتفاق آنذاك، لكنْ ما لا أفهمه تماماً، لماذا رفضتُ الخروج لدى إعلان روسيا فتح المعابر، وبالمجان، للمدنيين والعسكريين"، تصمت قليلاً ثم تجيب: "ربما لأنه لم يخرج أحد عبر هذه المعابر".


رأي الفعاليات المدنية


من جهة أخرى، يقول مدير المجلس المحلي لحي "كرم البيك" ويُدعى درغام لـ"هافينغتون بوست عربي": "إن روسيا تريد منا الخروج عبر معابرها لتبدو في نظر العالم بمظهر إنساني، وكأنما يعنيها الحصار المطبق الذي نحن فيه، أفهم شيئاً واحداً من هذه الخطوة، موسكو فقط تريد منا أن ننسى أنها من قامت بمعظم المجازر في الفترة الأخيرة بحلب، وساهمت بهدم بناها التحتية".

hlb

ويضيف بسخرية أشد: "قبل 4 أيام، ألقت مروحيات أعلاماً للنظام وروسيا، لنحملها حين نفكر بالذهاب إلى معابرهم، نريد أن نقول لهم إن الأهالي لم يعد تنطلي عليهم مثل هذه الفقاعات، فهم يعرفون جيداً أن الأمر مجرد كذبة إعلامية صنعتها روسيا، ولا مجال لدينا الآن للرضوخ، أبرز الأسباب قد تكون أن المعابر المزعومة ليست بحماية من الأمم المتحدة".


الإيرانيون


وتوضح مديرة جمعية "نساء سوريا"، هناء قصاب: "لسنا لاجئين لنرحّل طوعاً أو إكراهاً من مناطقنا، هذه الأرض لنا، ولن نكون مساهمين في عملية تغيير ديموغرافي شهدتها عدة مناطق سورية أخرى، إن تركنا منازلنا، واستجبنا لمتطلبات روسيا، سنجد أن حلب يقطنها بعد فترة وجيزة، مجموعة من الروس والإيرانيين والميليشيات الأخرى الطائفية".

hlb

بدورها، لفتت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير لها إلى أن عدد مَن استغل هذه الهدنة من المقاتلين المعارضين والمدنيين المنهكين للفرار من المناطق المحاصرة في المدينة كان قليلاً.

ونقلت الصحيفة عن محاصرين في شرق المدينة أنهم لا يثقون بأن روسيا، التي ظلت تساعد الحكومة السورية في قصفهم لشهور، ستبقيهم الآن في مأمن من خلال "ممرات إنسانية" محددة.

وقال باسم عيوض، أحد النشطاء المناهضين للحكومة، عبر رسالة إلكترونية: "كل الممرات الإنسانية التي يروّج لها النظام، كلها كاذبة"، متابعاً: "ما يحدث هو إبادة للناس".

وأشارت الصحيفة إلى أنه ظلت مسألة البقاء أو الذهاب خيار حياة أو موت بالنسبة لأهالي شرق حلب، الذين يُقدّر تعدادهم وفقاً للأمم المتحدة بحوالي 275 ألف شخص، فيهم حوالي 8000 مقاتل.

وقال الكثير منهم في مقابلات إنهم أرادوا البقاء والاحتفاظ بمنازلهم، أو أن يواصلوا مقاومة حكومة الرئيس بشار الأسد. بينما قال آخرون إنهم سيفكّرون بالرحيل إذا أمنوا عدم وجود مخاطر أخرى على طول الطريق، وعند وجهتهم، أو كليهما.

"النظام يهدد الناس بقتلهم جميعاً إذا قرروا البقاء"، كما قال ياسر الحميش، وهو يعمل محاسباً للمجلس الطبي في المنطقة ولكن "كيف يمكن لأي شخص أن يرحل دون ضمانات الأمم المتحدة؟".


اتهامات متبادلة


يوم الخميس (بداية الهدنة الروسية) تبادلت قوات المعارضة والقوات الموالية للحكومة الاتهامات بشأن منع الناس من مغادرة حلب. وقالت وكالة الأنباء السورية الرسمية إن "إرهابيين" هاجموا واحدة من نقاط العبور، أو الممرات الإنسانية التي حددتها روسيا.

بينما قالت قوات المعارضة والمدنيون إن الاشتباكات اندلعت هناك خلال الليل بعدما حاولت القوات الحكومية التقدم. إلا أنه لم يكن هناك سبيل لمعرفة كم عدد الذين حاولوا العبور، حتى ولو كان ممكناً، حسب الصحيفة.

يقول عيوض: "كل المدنيين مستعدين للرحيل، والمعارضون لا يمنعونهم عن ذلك". وأضاف "لكن كل شخص يخاف أن يكون أول من يتوجه للمخارج، فقد أُعلن من قبل عن مسارات آمنة، لكن هؤلاء الذين حاولوا استخدامها تعرضوا لإطلاق النيران".

وقال زكريا ملحفجي، وهو مسؤول في جماعة "فاستقم" المعارضة المسلحة: "لم يغادر أحد عبر الممرات الإنسانية".
وأضاف: "العدد الضئيل الذي حاول المغادرة عبر الممرات الإنسانية، وُوجه بالقصف حول الممر ولم يستطع المغادرة".

ولم تلجأ بعد الأمم المتحدة والقوى الدولية الأخرى التي نادت بحماية المدنيين إلى تشجيع الأهالي على مغادرة منازلهم مقابل سلامتهم وتلقيهم المساعدة. تقول الأمم المتحدة إن القيام بذلك سيمثل انتهاكاً للقانون الدولي.

إلا أن تقرير نيويورك تايمز يقول إنها قد تكون الطريقة الوحيدة لحفظ الأرواح، في ظل قيام روسيا والحكومة السورية بقصف المناطق المحاصرة، وادّعاء أن الأمر يبرره وجود مقاتلي جبهة فتح الشام، التي عُرفت سابقاً بجبهة النُصرة، وهم ذوو صلة بالقاعدة.

ورفض هؤلاء المقاتلون، الذين يُقال إنهم يكوّنون عدة مئات من أصل 8000 مقاتل في شرق حلب، مؤخراً عرضاً من مبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا بنقلهم مع أسلحتهم بالحافلات.

منذ أسبوعين، اقترح المبعوث ذلك الأمر، وفي المقابل، ستسمح دمشق بالحُكم الذاتي في شرق حلب، وهو الشرط الذي لم تُبدِ موسكو ولا دمشق أي رغبة في قبوله، وسعوا بدلاً من ذلك إلى قمع كافة المعارضة.


روسيا تبلّغ المدنيين بمواعيد وقف القصف


روسيا تحاول إظهار حرصها على حياة المدنيين، فالفريق سيرغي رودسكوي، رئيس إدارة العمليات في هيئة الأركان العامة للجيش الروسي، أعلن أن الممرات الـ6 التي فتحت سابقاً لخروج المدنيين مازالت مفتوحة. وأن الجانب الروسي يضمن أمن المدنيين، وستقدم لهم المساعدات الطبية كما سينقلون إلى مراكز إيواء.

وأضاف رودسكوي أن سكان الأحياء الشرقية في حلب سيبلغون بأوقات وقف القصف، عبر منشورات ستسقطها طائرات، وعبر رسائل قصيرة إلى الهواتف المحمولة.

ونقلت نيويورك تايمز عن مسؤولين في الأمم المتحدة، مساء الخميس 20 أكتوبر/تشرين الأول 2016، أن روسيا تعهّدت بتوفير منافذ لـ11 ساعة إضافية على مدار 3 أيام أخرى على الأقل، بالإضافة إلى السماح بمشاركة وكالات الإغاثة الإنسانية.

وقالت الأمم المتحدة إن روسيا قد وافقت، في الأيام القادمة، أن تتزامن أوقات الهدنة مع تسليم المساعدات الدولية، وإخلاء الجرحى، بالإضافة إلى إشراف إضافي من الصليب الأحمر ووكالات الأمم المتحدة.

ورحّب المبعوث الخاص ستيفان دي ميستورا بوقف إطلاق النار باعتباره فرصة لإدخال العلاج الطبي لمدينة حلب. لكن أثناء تعقيبه بملاحظات للصحفيين في جنيف، وأكّد أن العرض الروسي جاء أقل طموحاً بكثير عن اقتراح وقف الأعمال القتالية الذي قدّمه في محاولة لتجنب تدمير أجزاء المدينة التي تسيطر عليها المعارضة.

وكانت روسيا قد اقترحت في البداية أن يستمر وقف إطلاق النار 8 ساعات في اليوم ولمدة 4 أيام بدءاً من الخميس، لكنها وافقت يوم الأربعاء على مد الهدنة إلى 11 ساعة في اليوم بعدما قالت الأمم المتحدة إن الوقت المسموح به قصير للغاية على تنفيذ العمليات الإنسانية، وفقاً لما قاله جان إيجيلاند، مستشار الأمم المتحدة الخاص للشؤون الإنسانية.

وأظهرت منابر إعلامية موالية للحكومة وكاميرات تبث مباشرةً على موقع حكومي روسي، الجوانب التي تسيطر عليها الحكومة في ممرين من الممرات. هناك، يُستقبل أي معارض أو مدني يخرج من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بأعلام وقوات الحكومة السورية والروسية، حسب نيويورك تايمز.

كما أظهر أحد مقاطع الفيديو سقوط قذيفة هاون مع صوت ارتطامها، والدخان المتصاعد من النقطة المستهدفة قرب الطريق الذي تنتظر به حافلات الإخلاء.

وقال هشام سكايف، عضو مجلس محلي في حلب الشرقية الذي يتضمن مدنيين ومقاتلين، إنه فوجئ بأن عدداً أكبر من الناس لم يحاولوا العبور يوم الخميس، مضيفاً: "توقعنا أن تحاول 20 أو 25 عائلة المغادرة".

وتابع أن بعض الناس غيّروا رأيهم عندما رأوا التعليمات المفصلة، مطبوعة على منشورات أُلقيت جواً، لشرح كيفية التصرف على طريق الخروج لتفادي إطلاق النار من قِبل قوات الأمن. "أعطاهم ذلك فكرة عما يمكن أن يكون بانتظارهم على الجانب الآخر"، كما يقول.