هل نحن مضلّلون إعلامياً؟.. الهجوم على حلب "مثير للاشمئزاز" وعلى الموصل مرحّب به

تم النشر: تم التحديث:
ALHJWMALAALMWSL
قصف | social media

في سوريا والعراق تحاصر القوات الموالية للحكومة المدعومة بقوات جوية أجنبية مركزين حضريين عربيين سنِّيين: شرقي حلب في سوريا، والموصل في العراق.

ويرى باتريك كوكبيرن، الكاتب في صحيفة The Independent الحائز على جوائز عديدة، والمتخصص في تحليل شؤون العراق وسوريا والحروب في الشرق الأوسط، أنه في حلب الشرقية يتعرَّض حوالي 250 ألف مدني و8 آلاف مسلح تابعين للمعارضة لهجمات جيش النظام السوري المتحالف مع جماعات شيعية مسلَّحة من إيران والعراق ولبنان ومدعومة بالقوات الجوية الروسية والسورية، في حين أثار قصف حلب الشرقية عن حقٍّ اشمئزازاً وإدانة في جميع أنحاء العالم.

أما في الموصل التي تضم مليون شخص وما يُقدَّر بحوالي 5 آلاف من مقاتلي داعش، فالوضع على عكس حلب، يُلام المدافعون على تعريض المدنيين للخطر باستخدامهم دروعاً بشرية ومنعهم من المغادرة.

هذه المفارقة بين التغطية الإعلامية في كلٍّ من الموصل وشرقي حلب يحاول كوكبيرن تسليط الضوء عليها في مقاله.

يذكر أن باتريك كوكبيرن تنبَّأ بنهوض "داعش" عام 2014 قبل أن يشتهر التنظيم، وكتب كتابات غزيرة عنه وعن لاعبين آخرين في المنطقة.

وُلِد في كورك عام 1950، ودرس في مدارسها ومدارس اسكتلندا، وحصل على درجته الأولى في كلية ترينيتي في أوكسفورد، ثم عمل بوظيفةٍ في معهد الدراسات الأيرلندية بجامعة كوينز في بلفاست، قبل أن يتَّجه إلى الصحافة عام 1978. انضم إلى صحيفة Financial Times ليغطِّي الشرق الأوسط، وأصبح لاحقاً مراسلها في موسكو. وانضم إلى صحيفة The Independent عام 1990، ليكون مراسلها في بغداد بفترة حرب الخليج الأولى، وظلَّ يكتب غالباً عن الشرق الأوسط منذ حينها.

وهذا نص المقال:

كنتُ في إيران أوائل عام 2011 عندما كانت الأخبار الآتية من مصادر معارضة في المنفى تقول إنَّ المظاهرات في البلاد كاسحة. كانت لتلك الأخبار بعض الوجاهة. إذ خرجت مظاهرة قوامها 30 ألفاً في شمال طهران يوم 14 من فبراير/شباط - ما يذكِّرنا بالمظاهرات الجماعية التي خرجت ضد الانتخابات الرئاسية عام 2009 التي يُزعم أنَّها مزوَّرة - والتي فاجأت السُلطات. اقترح تعقيب متفائل من المثقفين الغربيين أنَّ انتفاضات الربيع العربي قد تنتشر لتصل إلى إيران.

ولكن بحلول الوقت الذي ذهبتُ فيه إلى طهران بعد بضعة أيام، لم يبدُ أنَّ شيئاً يحدث، رغم أنَّ الكثير من أفراد شرطة مكافحة الشغب الذين يبدو عليهم الملل كانوا واقفين تحت المطر لا يفعلون شيئاً. بدا الأمر وكأنَّ الاحتجاجات قد تلاشت، ولكن عندما تابعت الإنترنت وجدتُ أنَّ الوضع لم يكُن كذلك. كان المتحدِّثون باسم المعارضة يزعمون أن الاحتجاجات تحدث كل أسبوع، ليس فقط في شمال طهران، وإنَّما في مدن إيرانية أخرى أيضاً. بدا أن هذه الرواية تؤكِّدها تسجيلات الفيديو المعروضة على الإنترنت التي تظهِر المحتجين يقاومون أفراد الميليشيات وقوات شرطة مكافحة الشغب التي يحمل أفرادها الهراوات.

التقيتُ بعض المراسلين الإيرانيين الودودين الذين يعملون لصالح وسائل إعلام أجنبية وسألتهم عن سبب عدم قدرتي على العثور على أي مظاهرات. كان الصحفيون ملمِّين بالأخبار، لكنَّهم لم يستطيعوا العمل لأنَّ السُلطات الإيرانية أوقفت أوراق اعتمادهم الصحفية. ضحكوا عندما وصفت سعيي دون جدوى وراء الاحتجاجات المناهضة للحكومة، مفسِّرين عجزي عن العثور عليها لأنَّها قد انقطعت في وقت مبكر من ذلك الشهر.

قال أحد الصحفيين المتعاطفين مع المعارضة إنَّ "المشكلة أنَّ الصورة عمَّا يحدث في إيران هذه الأيام تأتي في أغلبها من الإيرانيين المنفيين، وتكون غالباً نتاج دعاية أو رغبة في تحققها". سألتُ عن تسجيلات الفيديو الموجودة على الإنترنت وقال إنَّ هذه التسجيلات لفَّقت المعارضة أغلبها باستخدام تسجيلات لمظاهرات حقيقية خرجت في الماضي. أشار إلى أحد تسجيلات الفيديو، يُفترض أنَّه مصوَّر في منتصف الشتاء، وكانت الأشجار المورقة ظاهرة فيه في الخلفية البعيدة بوضوحٍ.

سألتُ الصحفيين عمَّا إذا لم يكُن هذا خطأ الحكومة الإيرانية التي بوقفها أوراق اعتماد المراسلين المحليين الذين يمثِّلون شهود عيان موثوقاً بهم، قد خلقت فراغاً من المعلومات ملأه دعاة المعارضة سريعاً. وافق المراسلون على أنَّ هذا هو الوضع بالفعل إلى حد ما، لكنَّهم أضافوا بطريقة كئيبة أنَّهم حتى إذا استطاعوا العمل، فلن يصدِّقهم المحرِّرون الغربيون "لأنَّ المنفيين ومنافذهم الإخبارية قد أقنعوهم بوجود احتجاجات كبيرة هنا. إذا أنكرنا هذا، سيظنّ رؤساؤنا ببساطة أنَّنا قد تعرَّضنا للترهيب أو بعنا أنفسنا للحكومة".

تبدو قصة مفيدة؛ لأنَّ نشطاء المعارضة في وقتٍ لاحق من العام نفسه في ليبيا وسوريا استطاعوا السيطرة على الرواية الإعلامية وإقصاء كل التأويلات الأخرى لما يحدث. في ليبيا، تعرَّض القذافي للشيطنة بوصفه السبب الوحيد لكل علل بلده، بينما أُشيد بمعارضيه بوصفهم المقاتلين البواسل من أجل الحرية الذين سيجلب انتصارهم للشعب الليبي الديمقراطية الليبرالية. ولكن كما كان متوقَّعاً إلى حدٍ ما، سرعان ما حوَّلت الإطاحةُ بالقذافي ليبيا إلى بلدٍ فوضوي عنيف وإجرامي يملك احتمالات تعافٍ ضئيلة.

يستطيع المرء رؤية العملية نفسها تحدث في سوريا والعراق اليوم. في كلٍّ من البلدين، تحاصر القوات الموالية للحكومة المدعومة بقوة من قوات جوية أجنبية مركزين حضريين عربيين سنِّيين: شرقي حلب في سوريا والموصل في العراق. في حلب الشرقية، يتعرَّض حوالي 250 ألف مدني و8 آلاف مسلح تابع للمعارضة لهجمات جيش النظام السوري المتحالف مع جماعات شيعية مسلَّحة من إيران والعراق ولبنان ومدعومة بالقوات الجوية الروسية والسورية. أثار قصف حلب الشرقية عن حقٍّ اشمئزازاً وإدانة في جميع أنحاء العالم.

ولكن تأمَّل في مدى اختلاف تعامل الإعلام الدولي مع موقفٍ مشابه في الموصل، على بُعد 300 ميل شرقاً من حلب، حيث يطوِّق الجيش العراقي - الذي يقاتل جنباً إلى جنب مع قوات البيشمركة الكردية والجماعات المسلَّحة السنِّية والشيعية وبدعمٍ هائل من حملة جوية بقيادة الولايات المتحدة - مليون شخص وما يُقدَّر بحوالي 5 آلاف من مقاتلي داعش.

في حالة الموصل، على عكس حلب، يُلام المدافعون على تعريض المدنيين للخطر باستخدامهم دروعاً بشرية ومنعهم من المغادرة. في حلب الشرقية، لا توجد دروع بشرية لحسن الحظ - رغم أنَّ الأمم المتحدة تقول إنَّ نصف السكَّان المدنيين يريدون المغادرة - ولكن هناك ببساطة ضحايا أبرياء للوحشية الروسية.

يُقارَن الدمار الذي أحدثته الضربات الجوية الروسية في حلب بدمار غروزني في الشيشان منذ 16 عاماً، ولكن ما يثير الفضول، لم تُعقَد مقارنة مع الرمادي، وهي مدينة عدد سكَّانها 350 ألفاً تقع على نهر الفرات في العراق، ودمَّرتها الضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة عام 2015 بنسبة 80%.

كما تمتد المتوازيات إلى أكثر من ذلك: فالمدنيون المحاصرون في حلب الشرقية مرعوبون ممَّا قد تفعله بهم المخابرات السورية السرية إذا غادروا وحاولوا المرور عبر نقاط التفتيش التابعة لقوات النظام السورية، وهو رعب مفهوم.

ولكنَّني تحدثت في وقتٍ سابق من هذا العام إلى بعض سائقي الشاحنات من الرمادي، الذين وجدتهم نائمين تحت جسرٍ في كركوك، والذين أوضحوا أنَّهم لا يستطيعون حتى العودة إلى حطام منازلهم لأنَّ نقاط التفتيش على الطريق المؤدِّي إلى المدينة مليئة بميليشيات شيعية عنيفة للغاية. سيضطرون بالتأكيد إلى دفع رشوة كبيرة ومواجهة احتمال التعرُّض للاحتجاز أو التعذيب أو القتل.

تقود الزحف إلى الموصل صفوة القوات الخاصة من وحدات مكافحة الإرهاب العراقية، ولا يفترض أن تدخل الميليشيات الشيعية إلى المدينة، التي لا يسكنها حالياً سوى العرب السُنَّة تقريباً. ولكن في الأيام القليلة الأخيرة، دخلت هذه القوات الخاصة نفسها إلى بلدة برطلة الواقعة على الطريق الرئيسي على بُعد 12 ميلاً من الموصل، في سياراتها العسكرية (الهامفي) السوداء المزيَّنة برايات دينية شيعية، حسب ما قيل مؤخراً. وعندما طلبت منها القوات الكردية إزالة الرايات، رفضت تلك الميليشيات. قال أحد الجنود العراقيين ويُدعَى علي سعد: "سألونا إذا كنَّا ميليشيات، وقُلنا إنَّنا لسنا ميليشيات، نحن قوات عراقية وهذه معتقداتنا".

ربما يكون الأمر أنَّ داعش لن يحارب من أجل الموصل، ولكنَّه سيفعل على الأرجح، وفي هذه الحالة لن تكون النتيجة جيدة للسكَّان المدنيين. لم يحارب داعش حتى النهاية في الفلوجة، غرب بغداد، فأجزاء كثيرة جداً من المدينة سليمة، ولكنَّه حارب من أجل الخالدية، وهي بلدة قريبة يبلغ عدد سكَّانها 30 ألفاً، حيث لم يبقَ سليماً من المباني سوى 4 وفق الأميركيين.

سيكون الانحياز المتطرِّف الظاهر في التغطية الإعلامية الأجنبية لأحداث مشابهة في كلٍّ من العراق وسوريا موضوعاً مثمراً لطلَّاب الدكتوراه الباحثين في استخدامات الدعاية ومفاسدها على مرّ العصور.

وقد ظلَّ هذا هو نمط المراسلة الإخبارية عن الحروب في سوريا والعراق على مدار الأعوام الخمس الماضية. ولم يتغيَّر الكثير منذ عام 2003 عندما أقنعت المعارضة العراقية لصدام حسين الحكومات الغربية والإعلام الغربي على حدٍ سواء بأنَّ الجيشين البريطاني والأميركي الغازيين سيُقابلان بترحيب الشعب العراقي وبهجته.

بيد أنه بعد مرور عام كان الغُزاة يقاتلون من أجل حياتهم. أساء الصحفيون والمسؤولون الحكوميون الأجانب قراءة المشهد السياسي المحلي تماماً، بفعل تفكيرهم بالتمنِّي وتضليل دعاة المعارضة. واليوم، يحدث الأمر نفسه بدرجة كبيرة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.