من هو إيفان"الرهيب" الذي يحن الروس إلى حكمه بعد 5 قرون؟.. تماثيله بدأت بالظهور وأثارت الجدل

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يعتبر إيفان الرهيب أحد أشد الحكام قسوة في تاريخ روسيا الطويل: طاغية مجنون متعطش للدماء قتل ابنه بنفسه. وفي زمن القياصرة، لم تُبنَ تماثيل له.

الوقت الحاضر يشهد نوعاً من ازدهار شعبية القيصر الذي حكم في القرن 16، مثيراً جدلاً يرتبط بالسياسات الروسية الحالية قدر ارتباطه بوضع الأمور في نصابها التاريخي الصحيح، وفق ماجاء في صحيفة الغارديان.

الأسبوع الماضي، رُفع الستار عن أول تماثيل إيفان في أوريول، 200 ميل جنوبي غرب موسكو، ظاهرياً للاحتفال بمرور 450 عاماً على إنشائه المدينة في 1566. الشهر القادم، من المرتقب الكشف عن التمثال الثاني في مدينة ألكسندروف. فجأة أصبح إرث أحد أكثر حكام روسيا إثارة للجدل موضوعاً ساخناً على صفحات الرأي في الجرائد وفي البرامج الحوارية في أوقات الذروة.


مؤامرة أجنبية لتلطيخ اسمه


يرتفع تمثال أوريول 8 أمتار، مظهراً القيصر على صهوة حصان، ممسكاً بصليب في يده اليمنى، وبسيفٍ في يسراه.

بينما قال محافظ أوريول، فاديم بوتومسكي، المشجع الرئيسي للمشروع، أن وراء سمعة إيفان السيئة – بشكل جزئي– مؤامرة أجنبية لتلطيخ اسمه. "كان قيصراً روسياً عظيماً، القيصر الأول الحقيقي. يتصوره الناس طاغية ومريضاً نفسياً، لكن إن تناولت القادة الأوروبيين في عصره، فستجد أنهم كانوا أكثر منه تعطشاً للدماء، لكن لهم تماثيل في أوروبا ولا أحد يهتم".


كان لإيفان سبع زوجات


كان لإيفان سبع زوجات ومزاجٌ ناري، ويعتقد كثيرون أنه كان مختلاً عقلياً. كما يسود الاعتقاد بأنه قتل ابنه، وهي الحادثة التي خلدتها لوحة إليا ريبين المشهورة –التي تعود للقرن 19– والتي يظهر فيها إيفان بعيون مجنونة محتضناً ابنه الغارق في دمائه بين ذراعيه.

شهدت فترة حكمه لروسيا تضاعف مساحتها وتعدادها تقريباً، كما عُرفت بتأسيس الأوبريتشنينا، الجيش القوي الخاص الذي يدين بولائه للقيصر شخصياً والمكون من 1000 جندي. عُرف أعضاء الأوبريتشنينا بارتدائهم الملابس السوداء، وامتطائهم الخيول المزينة برأس كلب مقطوعة ومقشة، في إشارة إلى أنهم سيهاجمون أعداء إيفان أولاً قبل أن يرموهم بعيداً.

إلا أنه لم يبق إلا القليل من الوثائق الأصلية لتلك الفترة، لذا على الرغم من وضوح وجود الكثير من سفك الدماء، إلا أن مختلف الأشخاص رسموا تفسيراتهم الخاصة بناءً على ما وصلهم من التاريخ على خفوته. بالنسبة للبعض، كان إيفان مجنوناً ومختلاً عقلياً، وبالنسبة لآخرين كان قائداً صارماً استجاب لتحديات الحكم القاسية بطريقة فعالة على الرغم من وحشيتها.


ستالين كان يقف مع سمعة طيبة له


كان عهد جوزيف ستالين هو آخر الأزمنة التي شهدت رواجاً لإيفان، إذ رأى القائد السوفيتي في إيفان ما يشبه المثل الأعلى له، وفي عهده أُعيد توصيف الأوبريتشنينا لتصبح شكلاً تدريجياً من أشكال الصراع مع الأرستقراطية، وعاملاً جوهرياً في بناء دولة روسية قوية. حرر ستالين شخصياً كتب التاريخ السوفيتية لضمان تصوير حكم إيفان بشكل إيجابي، كما ناقش صورة القيصر مع المخرج سيرجي آيزنشتاين الذي صنع فيلماً من جزأين عن السيرة الذاتية لإيفان. بوفاة ستالين، اختفت التفسيرات الإيجابية عن إيفان مرة أخرى، حتى الآن.

وقال بوتومسكي، أثناء مقابلة داخل مكتبه في أوريول، "كل شيء يعتقد الناس أنهم يعرفونه ليس صحيحاً في الواقع؛ إذا نظرت إلى الحقائق ستكوّن صورة مختلفة للغاية". قُوّض رثاؤه بشكل ما عبر ادّعائه المبكر هذا العام بأن ابن إيفان لم يتوفَ بين يدي أبيه في الواقع، ولكن أثناء رحلته بين موسكو وسانت بطرسبرغ، وهي المدينة التي لم تؤسس إلا بعد ما يزيد على قرن على موت إيفان.

إذا كان هناك من شيء واحد واضح في النقاش الحيوي الذي يعم البلاد والذي أشعله تمثال أوريول، فهو أن شخصية قيصر القرن السادس عشر هي شيفرة للكثير من المخاوف المعاصرة. انساق برنامج حواري، يُعرض على التلفزيون الرسمي وقت الذروة ومُخصص للتمثال، إلى جدالات رنانة عن ما هو نوع الحاكم الذي تحتاجه روسيا اليوم.

وقال السياسي الليبرالي ليوند جوزمان "يُعد ذلك تمثالاً للآمال المرتبطة برغبة القيادة الحالية في تمكنها من حُكم البلاد، دون أي ضوابط وتوازنات".

وصاح أليكساندر بروخانوف، كاتب قومي وواحد من الداعمين الأساسيين لوجود التمثال، في المقابل إن القادة الأقوياء تزامن وجودهم مع دولة قوية في التاريخ الروسي "لقد دمّر القادة الضعفاء بلادنا. أعتق أليكساندر الثاني الأقنان وجاؤوا إلى المدينة وأشعلوا بها ثورة. وكان نيكولاس الثاني قيصراً ضعيفاً وانظر ماذا حدث. وكان غورباتشوف ضعيفاً ونتيجة لذلك انهارت دولة عظيمة".

تمثال إيفان في أوريول ليس هو الوحيد الذي يتسبب في الجدال داخل روسيا في الوقت الحالي. من المُنتظر أن يُكشف النقاب عن تمثال لفلاديمير العظيم، أمير كييف في القرن العاشر الذي تبنّى المسيحية الأرثوذكسية، يبلغ طوله 17 متراً خارج الكرملين في الأسابيع القادمة. وبالنظر إلى أن مَن يشغل الكرملين الآن يُدعى هو الآخر فلاديمير، فإن هناك صدى معاصراً وواضحاً لهذا التمثال كذلك.


معارضة التماثيل


في أوريول، عارضت فرقة صغيرة من النشطاء جهراً إنشاء تمثال إيفان. وقالت آنا دوليفسكايا، التي تعمل في المسرح المحلي وشاركت في الاحتجاجات لعدة أشهر، "إنها حماقة وجنون". يُقاضي يوري ماليوتن، وهو مدرس فيزياء سابق يبلغ من العمر 80 عاماً وبرلماني محلي، سُلطات المدينة أمام المحاكم بسبب التمثال، الذي يقول عنه أنه "عار واستهزاء بإرث المدينة التاريخي".

بالنسبة لعضو البرلمان المحلي، يُعد إيفان مجرد حاكم واحد وسط تاريخ ممتد من القادة الروس الأقوياء الجديرين بالإعجاب. يُزين مكتب بوتومسكي المغطى بالخشب بلوحة زيتية لفلاديمير بوتين وتمثال مطلي بالذهب لفيلكس دزيرجينسكي، مؤسس "شيكا"، التي واصلت طريقها لتصبح "الاستخبارات السوفيتية". قال بوتومسكي إن كل عصر احتاج لقائده القوي الخاص، سواء كان إيفان الرهيب أو ستالين أو بوتين، وإن روسيا كانت قوية فقط في الوقت الذي تمتعت فيه بقائد قوي.

وأضاف "انظر إلى حجم هذه البلاد"، وهو يومئ باتجاه خريطة لروسيا على جدار مكتبه. "كيف لك أن تحكمها بخلاف ذلك؟ لن تفلح محاولتك بفعل ذلك بهدوء وتسامح أبداً. نحن بحاجة لحاكم قوي. والناس هنا تحترم السُلطة القوية. إنهم لا يخافونها، بل يحترمونها. تذكّر كيف كانت تتم معاملة روسيا منذ 15 عام مضت؟ لم يطلب منا أحدٌ شيئاً. واليوم بفضل بوتين فقد استعدنا موقعنا في العالم".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.