"أترى ذلك الدخان، إنه يتصاعد من بلدتي".. المسيحيون يتشوَّقون للعودة إلى منازلهم في الموصل

تم النشر: تم التحديث:
S
s

كانت داعش قد طردت المسيحيين من سهول نينوى، وها هم أولئك عائدون لكن مع رفقة مدججة بالسلاح.

من وراء مقود سيارته المنطلقة على طريق أربيل-الموصل، تتأرجح المسبحة المعلقة في مرآة الرؤية الخلفية يتدلى منها صليبه، ويصيح كرام حسّو بصوت يشعُّ حماسة "أترى ذاك الدخان؟ إنه يتصاعد من بلدتي!"، وفق موقع The Daily Beast.

حتى صباح هذا اليوم كان الطريق المؤدي إلى بلدة حسّو – قراقوش، البلدة المسيحية - خاضعاً لسيطرة داعش.


أول مرة أرى بلادي منذ عامين


يضيف حسو "هذه أول مرة أراها منذ سنتين!"

عام 2014 توغل مقاتلو داعش المتطرفون شمالاً وشرقاً من الموصل حتى سهول نينوى، محمّلين بالرعب وحاملين معهم الخراب والدمار لكل ما في المنطقة من مدن وقرى مسيحية متناثرة. يقول السكان المحليون إنه حينما سيطرت داعش كانت تلك أول مرة منذ 1600 عام توقفت فيها أجراس كنائس الموصل. أما المسيحيون القلائل الذين ظلوا في المنطقة فلم يعطَوا سوى 3 خيارات: أسلموا أو غادروا وإما القتل.


المعركة لن تكون سهلة


مشى حسو على الشارع العام بقامته القصيرة الممتلئة ورأسه الحليق وذقنه الخشنة، ببنطاله الكاكي وحذائه العسكري، وقال أن عائلته تعيش في قراقوش "منذ بدء التاريخ" وأنه كان يملك مقهيين اثنين فيها ويأمل ألا يكونا تدمرا. ثم أشار إلى بناء إسمنتي مدمر انثنت أسياخه المعدنية من التخريب وقال "كان هذا متجراً لبيع الملابس المستعملة."

حتى اللحظة ما تزال بلدة حسو تحت سيطرة مسلحي داعش، لكن قوات الجيش العراقي والبيشمركة الكردية المدعومة جوياً ومدفعياً بالتحالف تتقدم حتى مشارف قراقوش ضمن أكبر عملية عسكرية ضد داعش العراق.

لن تكون معركة سهلة، فالخميس أعلن الجيش الأميركي أن عبوة ناسفة يدوية أودت بحياة مجندٍ أميركي على مسافة غير بعيدة، ليكون بذلك أول خسارة في صفوف الأميركان في هذه الحملة الجديدة لفك أسر عاصمة داعش من براثن التنظيم.


الزحف نحو المدينة


كانت طلائع الحملة قد برزت للقتال على الجبهة صباح الخميس الباكر، الهدف: اتحاد القوات والتحامها لتحرير أكثر من 20 قرية وبلدة. مع انتصاف ذاك النهار كان تحالف قوات التحرير قد زحف حتى برطلة على بعد 13 كم شرق الموصل فيما تابعت الفرقة الذهبية المنيعة والحصينة من الجيش العراقي تقدمها إلى الأمام.

تسابقت عربات الهمفي العسكرية العراقية على الطريق السريع المؤدي إلى برطلة، تستقبلها من اليمين والشمال المباني الإسمنتية المدمرة والأسلاك وأسياخ الحديد المحطمة المتناثرة هنا وهناك على طول الشارع، تفصلها بين حين وآخر حفر وأخاديد من قنبلة ما، أو ترى راية حمراء تشير إلى موقع عبوة ناسفة. رفع الجنود شارة النصر بأصابعهم فيما دوت الصواريخ ومدافع الهاون من بعيد، كما سُمع من داخل البلدة إطلاق نار عشوائي.

وطوال الطريق كان مقاتل البيشمركة ذو الـ67 عاماً، محمد عبد القادر، يتجه إلى حيث تسمع أصوات القتال فيما يعرج على ساقيه متكئاً على شابين يافعين. هو من بلدة "كلك" القريبة، وقال أن لديه 3 أبناء وأخان اثنان جميعهم يقاتلون على الجبهة الآن وأنه يرغب بمشاهدة الحدث بأم عينه.


توحّد الكرد مع الجيش


لكن جبهة برطلة عملية للقوات العراقية الخاصة تتقدمها الفرقة الذهبية. في الماضي كان ذلك ليشكّل له منطقة يمنع عليه دخولها، فالبشمركة والقوات العراقية كانتا على خلاف وحنق كثير من الكرد على الجيش العراقي الذي فر عندما اكتسحت داعش المنطقة عام 2014.

لكن الوضع تغير الآن، فعبد القادر بشيبه الرمادي وشاربه المهيب وزي البيشمركة الشبيه بأزياء المدارس القديمة ذي السروال الواسع والزنار المربوط على الخصر والشماغ المخطط الملفوف على الرأس، يقف ويقول "لا فرق بيننا."



الواضح أن روحاً من الوحدة والاتحاد قد عمت الصفوف. فتحت ظل عربة همفي تابعة للجيش العراقي جلس مقاتل بيشمركة مع جنديين عراقيين من القوات الخاصة عادا لتوهما من الجبهة.

قال الجنديان المحاربان أنهما واجها العديد من سيارات داعش المفخخة ذاك الصباح، فضلاً عن قناصة وعبوات ناسفة يدوية وقذائف هاون. يقول الرقيب مجر حيدر راوي من الفرقة الذهبية إن القتال "بدا سهلاً، لكنه كان أصعب مع السيارات المفخخة والانتحاريين."

وفي لحظة من اللحظات أخرج سترة مضرجة بالدم من صندوق الهمفي الخلفي وقال أن 3 من زملائه أصيبوا بجروح وأن فرقتهم أعادتهم إلى بر الأمان.

أما مصطفى جابور، مقاتل البيشمركة الذي كان جالساً مع الجنديين العراقيين، فلم يكن قد قاتل بعد في ذلك اليوم، إلا أنه كان هناك لأنه من مواطني برطلة وفي انتظار الدخول عما قريب إلى القرية المحررة. تمنى لو أنه وغيره من رفاقه البيشمركة كانوا من المشاركين في القتال داخل برطلة، لكنه قال مثل قول عبدالقادر قبل هنيهة "لا فرق بيننا" وبين الجيش العراقي.

بيد أنه لا تزال هنالك جيوب مقاومة في برطلة، فتصاعدت أعمدة الدخان الأسود والرمادي في سمائها على بعد، فيما تعالت أصداء النيران والطلقات الأوتوماتيكية المرتدة عن أسطح المباني. ومن على سطح مبنى مجاور من 4 طوابق يطل إطلالة مثالية على كامل البلدة كان الفريق أول معن السعدي من الفرقة الذهبية يصيح موجهاً تعليماته عبر اللاسلكي مشجعاً مجموعات جنوده المختلفة على التواصل وتوحيد صفوفها داخل المدينة.

الآن باتت برطلة كلها تقريباً تحت السيطرة، كما حوصرت بلدة قراقوش المجاورة، وقال الفريق أول أن جنوده على الأغلب سيدخلون البلدة يوم الجمعة.

ثم قال "اليوم كانت داعش في هذا المبنى، ولما رأوا شوكة هجومنا خُسِفت معنوياتهم."

فيما كان يحدثنا حلقت مروحية من فوق تطلق الأعيرة النارية الأوتوماتيكية ثم أنزلت صاروخين، فقال الفريق أول أن رجاله -في تقديره- قتلوا 80 مسلحاً داعشياً من أصل 100 كانوا يقاتلون من داخل برطلة.


التشوّق للعودة


غير بعيدٍ منه وقف طاهر سعيد يحدّق في سحب الدخان المتصاعد من بلدته فيما اخضلّت عيناه بالدموع. هو مخرج تلفزيوني، قال أنه قضى الأيام الـ3 الماضية على خطوط الجبهة الأمامية "لا يتوقف عن البكاء".

ابن عمه هو في الواقع مالك المبنى، وقد تلقى اتصالات هاتفية من كل الأصدقاء والأقرباء في المهجر في لبنان وتركيا وفي أوروبا، جميعهم متشوقون لسماع خبر متى يمكنهم العودة بأمان إلى هنا.

سعيد كاثوليكي سرياني. قال أن دخوله إلى بلدته من جديد سيكون مثل "ولادة جديدة".

وبعينين مغرورقتين بالدموع تخنقهما العبرات قال في الختام "عندما أعود إلى هناك سأقبل تراب الأرض".

هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.