طارد الليبيين في كل مكان قبل 5 سنوات.. "الكتاب الأخضر" للقذافي من دستور غير مُعلن إلى مجلّد محظور

تم النشر: تم التحديث:
GREEN BOOK
Franco Origlia via Getty Images

اختفى أثر "الكتاب الأخضر" الذي حل لأكثر من 3 عقود مكان الدستور، في ليبيا بعد 5 سنوات على مقتل مؤلفه الزعيم السابق معمر القذافي، وأصبحت حيازته تعرض صاحبها إلى خطر فعلي.

في مكتبته الواقعة بحي الأندلس الراقي شمال العاصمة طرابلس، يجلس عبدالسلام خلف مكتبه وإلى جانبه مجموعة من البطاقات البريدية التي كتب على بعضها عبارات مأخوذة من "الكتاب الأخضر".

وتقول إحدى هذه العبارات: "الغاية النهائية للإنسان هي أن يعيش حراً سعيداً، وهذا هو الهدف النهائي للكتاب الأخضر".

يؤكد عبدالسلام وهو يشير الى البطاقات أنها كل ما تبقى من حقبة "الكتاب الأخضر". ويقول لوكالة فرانس برس: "أرفض حتى أن أسمع باسم هذا الكتاب. ليست لدينا أي نسخ منه وقطعنا علاقتنا به منذ زمن".

ويتابع صاحب المكتبة: "لو وضعت نسخة منه في مكتبتي اليوم لبيعها لأحرقت المكتبة فوراً. لا أحد هنا يؤيد نظام القذافي، لكن حيازة هذا الكتاب المشؤوم، ولو حتى لمجرد اقتنائه، قد تؤدي الى عواقب وخيمة".

ويروي أحمد وهو أب لثمانية أولاد أن عناصر أمنيين من النظام السابق أتوا الى منزله قبيل انتفاضة 2011 وقدموا له نسخاً من "الكتاب الأخضر" من "مختلف الأحجام"، داعين إياه الى توزيعها على أقربائه.

ويقول أحمد الذي يعمل صحفياً في مؤسسة إعلامية محلية: "تخلصت منها كلها مؤخراً من دون أن يدرك أحد أنني كنت أمتلكها. لا أريد أن أعرض حياتي أو حياة أحد أبنائي للخطر".


في كل مكان


أصدر القذافي "الكتاب الأخضر" في سبتمبر/أيلول 1976 طارحاً فيه ما قدمها على أنها "نظرية عالمية ثالثة" ترفض الماركسية والرأسمالية. وسرعان ما أصبحت أفكار الكتاب المؤلف من 3 أجزاء، سياسية واقتصادية واجتماعية، في كل شارع وفي كل بيت.

ويقول أحمد: "كان الكتاب الأخضر يلاحقنا في كل مكان، من المدرسة، إلى التلفزيون، إلى الشارع".

ويشير بسخرية الى أن "معظمنا لم يقرأه ولم نفهم غالبية ما جاء فيه من أفكار كانت تفرض علينا بشكل ممنهج، لكننا أجبرنا على حفظ مقاطع منه، وعلى تمجيده على اعتبار أنه عصارة أفكار معمر. ويا لها من أفكار!".

بداية، أدخل الزعيم السابق الذي قتل في انتفاضة شعبية في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011، الكتاب إلى مناهج التعليم وأصبح لزاماً تدريسه من المرحلة الابتدائية حتى الجامعية ضمن مادة "الفكر الجماهيري".

في الشارع، انتشرت أفكار "الكتاب الأخضر" عبر لوحات إعلانية ومجسمات كونكريتية ضخمة. وفرض على أصحاب المحلات التجارية مهما كانت طبيعة تجارتها استخدام مقتطفات من الكتاب في اللافتات التي تحمل اسم المحل، وبينها "شركاء لا أجراء".

وقبيل نشرة الأخبار الرئيسية عند الساعة التاسعة من كل مساء، كانت تبث على شاشات التلفزيون الليبي ولعقود مقتطفات من "الكتاب الأخضر" لها علاقة بطبيعة الأخبار التي كانت على وشك أن تعلن.


قطعة تذكارية


اليوم وبعد 5 سنوات من مقتل القذافي، انحصرت ذكرى "الكتاب الأخضر" ببعض البطاقات البريدية ورسوم الغرافيتي.

ففي شمال العاصمة طرابلس، تنتشر على جدران محاذية للشاطئ رسوم تسخر من القذافي ومن كتابه من بينها رسم "للكتاب الأخضر" فوق سلة للقمامة كتبت أسفله عبارة "الكتاب الأحمق".

وعلى جدار آخر في منطقة قريبة، رسم للقذافي وهو يحمل كتابه قرب عبارة "أنت وكتابك الى الجحيم".

مع بداية انتفاضة 2011، جعل الليبيون "الكتاب الأخضر" رمزاً لتمردهم على نظام قمعي حكمهم بيد من حديد طيلة أكثر من 4 عقود، فأحرقوا آلاف النسخ من الكتاب في الشرق أولاً، ثم انتقلوا الى تدمير مجسمات الكتاب في الغرب والجنوب.

ورغم الذكريات السيئة التي يثيرها هذا الكتاب، فإن بعض الليبيين لا يزالون يحتفظون به لمجرد اقتنائه كقطعة تذكارية.

وتقول مها التي تعمل موظفة استقبال في مكتب سفريات في طرابلس: "جمعت كل النسخ التي كانت عائلتي تمتلكها وخبأتها في مكان سري. لا أريد أن أتعرض لخطر الملاحقة، لكنني لا أريد أيضاً أن أفقد هذه الذكرى".

وتضيف: "يجب المحافظة على هذا الكتاب لأنه شاهد على حقبة من تاريخ ليبيا رغم أنها حقبة أليمة".