كيف حاولت مصر الانقلاب على أبو مازن.. تعرف على تفاصيل مؤتمر غامض نظمته القاهرة للدفع بدحلان للقيادة

تم النشر: تم التحديث:
DAHLAN IN CAIRO
ASSOCIATED PRESS

«مصر والقضية الفلسطينية».. عنوان تقليدي لمؤتمر نظمه مركز دراسات مقرب من المخابرات المصرية، ولكن العديد من التصريحات والتسريبات أظهرت أنه ليس مؤتمراً عادياً، بل إن البعض اعتبره انقلاباً على ثوابت الدولة المصرية التقليدية، من خلال تأييد القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان ضد الرئيس الفلسطيني الشرعي محمود عباس.

اللافت أيضاً أن طريقة ختام المؤتمر وردود الفعل عليه قد تؤشر لوجود صراعات بين الأجهزة المصرية بشأن الملف الفلسطيني.

عقد هذا المؤتمر يومي الإثنين والثلاثاء بأحد فنادق العين السخنة المصري، بعيدا عن القاهرة، من خلال المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط المقرب من المخابرات المصرية، وتم دعوة قرابة 120 ضيفاً فلسطينياً غالبيتهم من غزة، من فصائل مختلفة، ولم تصدر عنه توصيات رسمية أو بيان ختامي.

حضر نحو 80 مدعواً أغلبهم من غزة والباقون من المقيمين بالقاهرة، "ولكنهم يشكلون أطيافاً مختلفة متعاطفة مع فتح وحماس والجبهة الشعبية، وغيرها، وأغلبية المشاركين من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وليسوا أصحاب قرار وأطروحاتهم أكاديمية، لا سياسية"، على حد تعبير صفي الدين خربوش وزير الشباب المصري، الذي شارك بالمؤتمر.


انتقادات للمؤتمر


النائبان مصطفى بكري المقرب للنظام، وسمير الغطاس المقرب من حركة فتح، انتقدا هذا المؤتمر ووصفاه بأنه "انقلاب" على الرئيس الفلسطيني عباس، ووراءه "تمويل مشبوه"، وغيرها، حسب تعبيرهما.

وزاد من الجدل والغموض تأكيد "مصدر مصري مسؤول"، لـ"هافينغتون بوست عربي" أن المؤتمر يفكر في إصدار بيان للرد على الاتهامات التي ذكرها النائبان بكري، وغطاس اللذان تحدثا عن "انقلاب مصري على عباس" و"تمويل مشبوه، مؤكداً أن "مصر متمسكة بالشرعية الفلسطينية"، بحسب قوله، ولكن حتى كتابة هذا التقرير لم يصدر هذا البيان التوضيحي كما قال المصدر.

وكان لافتاً أيضاً إلغاء برنامج اليوم الأخير من المؤتمر (الثلاثاء 18 أكتوبر/تشرين الأول 2016) الذي كان يتضمن عقد لقاء للمشاركين في الندوة في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية، ومقابلتهم لأحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة.

وأرجع أحد المنظمين إلغاء لقاء أبو الغيط بالوفد إلى "الحرص على تلافي غضب السلطة الفلسطينية، وإبعاد الصفة الرسمية عن المؤتمر وإبقاء الصبغة الأكاديمية عليه"، بحسب المصدر.


فرض مصالحة تعيد دحلان للسلطة


كانت أجواء المؤتمر، بحسب مشاركين استطلعت "هافينغتون بوست عربي" آراءهم، تشير إلى أن الهدف من وراء المؤتمر هو فرض مصالحة على الرئيس الفلسطيني تعيد القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان إلى الضفة، تمهيدا للعب دور مستقبلي -حال غياب عباس- يصب في النهاية في مواجهة حركة حماس.

وبدا أن هدف المؤتمر الرسمي ودعوة هذا الكم الكبير من الفلسطينيين الذي حضره منهم قرابة 80 فرداً، غالبيتهم من غزة والقليل من المقيمين في مصر، بخلاف حشد من الأكاديميين والدبلوماسيين المصريين السابقين، هو استطلاع آراء المراكز الفكرية الفلسطينية وأطياف الشعب الفلسطيني في "تسريع المصالحة" كعنوان عام، ولهذا كان الحاضرون من غير الأسماء الشهيرة على الساحة، ولكنهم من كافة الفصائل تقريباً خاصة فتح وحماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرها.

وفي هذا الإطار، أكد د.عبد العليم محمد مستشار مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، الذي شارك في المؤتمر أنه: "ما دام هناك انقسام بين حماس وفتح، والضفة وغزة، فهذا يُصعب المصالحة، ويعد أفضل خيار لنتنياهو المستفيد من ذلك، والمستمر في تنفيذ خططه، ويساعده وجود معسكرين عربيين يدعمان كل طرف فلسطيني ويعمقان الخلافات".


المؤتمر لا يستهدف عباس


"لو كانت مصر تريد التأثير على السلطة الفلسطينية، فهل تفعل هذا عبر مؤتمر يضم أكاديميين وشخصيات فلسطينية غير قيادية؟ أليس من الطبيعي لمن يريد أن يفعل هذا ألا يفعله علناً من خلال مؤتمر يعقد على الملأ؟!".. هكذا رد الدكتور محمد صفي الدين خربوش أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وزير الشباب المصري السابق، وأحد مقدمي أوراق المؤتمر، على سؤال "هافينغتون بوست عربي" حول ما يثار عن رغبة مصرية في تصعيد دحلان. وقال "ما يجري هو مجرد تفكير بصوت عال والاستماع لوجهات نظر مختلفة".

كما نفى الدكتور عبد المنعم المشاط، عميد كلية العلوم السياسية بجامعة "المستقبل" الخاصة، وأحد المشاركين في المؤتمر، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن يكون هدف المؤتمر ضد السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى "أن المؤتمر يهدف إلى إعادة إحياء القضية الفلسطينية من جديد"، بحسب قوله.

ويشير إلى أن المؤتمر استهدف التركيز على محورين: وحدة الصف الفلسطيني وإزالة الخلاف بين حركتي فتح وحماس، والمصالحة بينهما، ومناقشة إمكانية تنظيم مؤتمر دولي برعاية مصر لإعادة القضية الفلسطينية في مقدمة الاهتمامات الدولية، نظراً للصعوبات العالمية والدولية الموجودة حالياً".


أصوات شاذة أم صراع أجهزة؟


وكان بكري قال في سلسلة تغريدات عبر حسابه على "تويتر": "لا أعرف الهدف من عقد مؤتمر العين السخنة لبحث سبل حل القضية الفلسطينية في غياب الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني منظمة التحرير الفلسطينية".

وناشد "بكري" الرئيس عبد الفتاح السيسي إلغاء المؤتمر "حتى لا يُقال إن مصر تجاوزت كل الحدود التي لم تستطع حتى أميركا تجاوزها وحتى لا يُقال إن مصر أعدت انقلاباً صامتاً ضد القيادة الشرعية الفلسطينية لحساب هذا الشخص أو ذاك".

كما هاجم الدكتور سمير غطاس عضو مجلس النواب، الباحث في الشؤون الفلسطينية والذي ينظر له أنه مقرب من فتح ومعاد لحماس استضافة مصر لهذا المؤتمر، قائلاً إن "مصادر تمويل هذا المؤتمر مشبوهة خاصة بعد إقصاء ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية"، معتبراً أنه "يورط مصر ويمثل خروجاً فظاً عن الثوابت الوطنية المصرية التي لم يسجل في كل تاريخها تدخلا في الشؤون الداخلية الفلسطينية أو انحيازاً ضد الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني".

وطالب بدوره "السيسي" بالتدخل لـ"إيقاف هذه المهزلة وصون وحماية المكانة العالية لمصر من هذا العبث ومن كل الشبهات التي تحيط بهذا المؤتمر".


أزمة بين مصر والسلطة


منذ اللحظة الأولى للإعلان عن المؤتمر، واستبعاد مسؤولي حركة فتح من المشاركة فيه، وشنت السلطة الفلسطينية هجوماً رسمياً عليه، كانت المؤشرات تصب في خانة أن "الهدف النهائي" من ورائه هو تصعيد "دحلان" تحت غطاء المصالحة.

لذلك، اعتبرت السلطة الفلسطينية المؤتمر تدخلا في الشأن الداخلي الفلسطيني ودعما لجبهة دحلان عضو اللجنة المركزية المفصول، وضغطت لإلغاء لقاء الوفد بأحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية، كما انتقدت عدم توجيه الدعوة لممثلين عن فتح.


كما قال "أمين مقبول" أمين سر المجلس الثوري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح: "للأسف لم توجه لفتح أي دعوة رسمية لحضور المؤتمر الذي ينظمه مركز دراسات مصري، ويبدو أن صاحب الفكرة وصاحب الدعوة هو محمد دحلان".


دحلان يرد


ولكن المكتب الإعلامي للقيادي الفلسطيني محمد دحلان بالقاهرة نفى مشاركته في المؤتمر، مؤكداً أنه "ليس في برنامج محمد دحلان وسمير المشهراوي زيارة مصر في الوقت الحاضر، ولا المشاركة في الندوة المشار إليها رغم اعتزازهما الكبير بمبادرة المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط، وتقديرهم العالي للشخصيات الفلسطينية والعربية المشاركة".


المؤتمر يدعم خيار أبو مازن


وبعدما جاءت مقدمات وبدايات اليومين الأولين للمؤتمر مشحونة بالحديث عن "مؤامرة" على السلطة الفلسطينية، انتهي الأمر خلال جلسات المؤتمر وفي التصريحات الرسمية للحديث عن ضرورة تعزيز خيار القيادة الفلسطينية وتوفير الإسناد للمفاوض الفلسطيني ودعم خيارات الرئيس أبو مازن.

وبعدما تم وصف المؤتمر بأنه "انقلاب على الرئاسة الفلسطينية"، خصوصاً من قبل السلطة الفلسطينية ونواب مصريين، ركزت أوراق المؤتمر خصوصاً الورقة الأكاديمية التي تحدثت عن "إعادة بناء الحركة الوطنية "فتح نموذجاً"، والتي قدمها د.طارق فهمي مساعد رئيس مركز الشرق الأوسط الداعي للمؤتمر، لتشير إلى "ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين فتح وأوسلو بما يضمن استمرار فتح كحامية للمشروع الوطني".

ويرى د.طارق فهمي، أن هدف مصر هو دعم الشرعية الفلسطينية، وينفي بدوره أي حديث أو تخمينات ظهرت قبل المؤتمر عن "انقلاب" ضد سلطة عباس، مشيراً إلى أن دحلان غير موجود على الساحة الداخلية في الضفة، فكيف يتم فرضه، وهناك سلطة فلسطينية مصر ملتزمة بدعمها.