عائلة ثرية تحيي التراث الفلسطيني بمشروعات عملاقة.. لماذا سخر منها الناس في بداية مشوارها؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

في مدينة رام الله يظهر نشاط أسرة قطان والمؤسسة التي أنشأتها، رغم أن رام الله ليست مدينةً أيقونية كبيت لحم المجاورة (مهد السيد المسيح)، ولا مثيرة للعواطف كبعض مدن العهد القديم الأخرى في الضفة الغربية، حسب وصف صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية.

وتضم رام الله المدينة الصغيرة عشوائية الطابع مقر السلطة الفلسطينية، حسب تقرير الصحيفة، وبالتالي اكتسبت المدينة على مدار العقود القليلة الماضية مظاهر العاصمة الإدارية الفعلية، من وزارات، ووجود دولي بالإضافة إلى الشركات والجهات المانحة ومنظمات المجتمع المدني، ومشهد ثقافي يتمتع بقدر من الازدهار.

ورأى كاتب التقرير أنه قد يبدو من المستغرب أن يقطع المشهد الثقافي شوطاً بارزاً في خضم العديد من الصعوبات العملية التي تواجهها المنطقة.

فمازال على زوار المنطقة النظر إلى ما وراء الزحف العمراني الجامح، والبنية التحتية المهجورة في كثير من الأحيان، لاستكشاف سوق الفن المزدهر بمعارضه التجارية المختلفة التي افتُتحت مؤخراً بجوار الأماكن الجديدة المخصصة للفنون.

وتعتقد مؤسسة عبدالمحسن القطان أن إحدى القوى الدافعة لهذا الازدهار الثقافي هو كونه طريقة أخرى لدعم الفلسطينيين.


من السخرية للفخر


يقول عمر القطان، رئيس مجلس إدارة المؤسسة ونجل مؤسسها ورئيسها عبدالمحسن القطان: "حين بدأنا برنامج الفنون والثقافة في 1999، كان الناس يضحكون. قالوا إن هذا إهدار للمال. لماذا لا تبني مستشفى؟ لكن الآن ما الذي يفخر به الفلسطينيون غير ذلك؟ هل هم فخورون بإنجازهم التقني؟ لا، إنهم فخورون بثقافتهم بسبب هذا البرنامج".

أُنشئت مؤسسة القطان، التي تدعم الثقافة والتعليم بشكل رئيسي وتنشط في أماكن عدة، منذ اتفاقات أوسلو 1993 التي أسفرت عن وجود السلطة الفلسطينية.

ويفسر سالم تاماري، أحد المفكرين الموقرين رئيس معهد الدراسات الفلسطينية في رام الله، زيادة الاهتمام بالثقافة بقوله: "وصل الفلسطينيون مؤخراً إلى المشهد. أدركوا بعد اتفاق أوسلو أن عليهم مجابهة المحاولات الإسرائيلية لتقويض تراثنا الثقافي، وأن عليهم استخدامه لبناء الدولة الفلسطينية المستقبلية".

لا شيء يرمز للتطلعات الثقافية الفلسطينية مثل المتحف الفلسطيني الذي انتهى مؤخراً، بجوار جامعة بيرزيت شمال رام الله.

وأثار افتتاح المتحف الذي سيجري في مايو/أيار 2017 مشاعر مختلطة حين ركزت بعض وسائل الإعلام العالمية وبعض من أوساط المشهد الثقافي الفلسطيني على حقيقة كونه فارغاً أكثر من الإنجاز المتمثل في بناء منشأة ثقافية براقة وسط الظروف المعاكسة التي يعيشها الفلسطينيون.

وعلى التل المقابل للمدينة، في حي الطيرة الغربي، يتشكل محور تعليمي وثقافي آخر، وهذا هو الموضع الذي تبني فيه مؤسسة القطان مقرها الجديد، المركز الثقافي الذي يثير حجمه الدهشة في رام الله.

وستنافس المساحة المخصصة لعرض الفنون فيه تلك الموجودة في المتحف الفلسطيني، كما سيضم قاعة ومكتبة ومكاناً لإقامة الفنانين وغيرهم من الضيوف بالإضافة إلى مقهى وحدائق وغيرها.


قصة هذه العائلة


يصف التقرير عائلة القطان ومؤسستها بأنها تحتل قمة المشهد الثقافي الفلسطيني كما يمثلون أحد المؤسسين الرئيسيين للمتحف الفلسطيني التي تقدر تكلفته بحوالي 28 مليون دولار.

عمر هو رئيس مجلس إدارة مؤسسة العائلة والمتحف أيضاً، إلا أن استثمار مؤسسة القطان ليس في الحجارة والبلاط، بل في الناس وفي المساعدة على بناء المزيد من المؤسسات.

في لندن، حيث سُجلت مؤسسة القطان في البداية، وحيث يقطن عبدالمحسن ونجله، نجحت المؤسسة أيضاً في الوصول إلى مركز شديد الوضوح في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني.

تمتلك المؤسسة غرف الفسيفساء Mosaic Rooms الواقعة على طريق كرومويل، غرب لندن، كما تنظم محاضرة إدوارد سعيد السنوية مع دورية London Review of Books، وأسهمت في تطوير المهرجان الثقافي العربي في لندن (شباك)، والذي بدأه بوريس جونسون حين كان عمدة للمدينة.

عمر – صانع الأفلام المبهج والحائز على الجوائز والبالغ من العمر 52 عاماً - يوضح دوافعه قائلاً: "إذا سألتني لماذا انخرطت في صناعة الأفلام، فسيكون السبب المضمر دوماً هو رغبتي في تحرير فلسطين"، موضحاً أنه يقصد بالتحرير حقوقاً متساوية للجميع سواء في حل الدولة الواحدة أو الاتحاد الفيدرالي (بين فلسطين أو إسرائيل).

وُلد عمر ونشأ في بيروت حتى الحادية عشرة من عمره، قبل أن يفر من الحرب الأهلية اللبنانية إلى مدرسة داخلية في المملكة المتحدة، والجامعة بعد ذلك.

وتعكس حياة عمر تجربة الشتات التي مر بها العديد من أغنياء الفلسطينيين رغم ثرائهم.

كان أباه يدرس في بيروت عام 1948 حين تأسست إسرائيل إثر نكبة فلسطين، وبعد أعوام أخرجه الصراع من بيروت قبل أن يخرجه مجدداً من الكويت إبان الغزو العراقي لها في 1990.

بنى عبدالمحسن ثروة العائلة عبر شركة إنشاءات في الكويت، حيث درَّس وعمل في وزارة المياه والكهرباء في الخمسينات.

متكئاً على بعض الوسائد في منزله الفسيح بوسط لندن، يتحدث القطان الأب (86 عاماً) بخليط من التواضع والفخر عن نجاحه قائلاً: "وضعت كل جهودي في الشركة في البداية، وحين جاء النفط كنا على استعداد ، بينما لم يكن الكثيرون متأهبين".

وعلى مدار الأعوام، تبرعت الأسرة للعديد من القضايا، من ضمنها المستشفيات ومنح الإسكان والتعليم، وفي 1983 كان عبدالمحسن أحد مؤسسي أكبر المنظمات الخيرية الفلسطينية المستقلة، "تعاوُن"، وهي المنظمة التي شيدت المتحف الفلسطيني في رام الله.


حنان عِشراوي


إنه موضوع قريب لقلب حنان عشراوي، إحدى الشخصيات البارزة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى ضد إسرائيل في أواخر الثمانينات، التي تظل الوجه الدولي لفلسطين في نظر الكثيرين.

ترأس حنان الآن قسم الثقافة والمعلومات في منظمة التحرير الفلسطينية، في مكتبها برام الله "الشعب ليس محض أحجار أو بنية تحتية أو قطاع خاص، إنه الناس. أعتقد أنه من حقنا الاستمتاع بثقافة مزدهرة وبالأنشطة الثقافية والتعليمية وهلم جرا"، هكذا قالت حنان، المتوقدة كما اعتادت رغم كونها باتت أكبر سناً.

ومثل عبدالمحسن وعمر، تربط حنان بين التعليم والثقافة وبين قدرة الناس على تخطي الظروف الصعبة بالإضافة إلى الدفاع عن القضية الفلسطينية، وهو ما يمثل اهتماماً خاصاً لحنان، التي ترى أن للشتات دوراً "ليس دوراً اقتصادياً فقط، بل دور مناصر. كما أن دور هؤلاء المهاجرين يشمل تمثيل المجتمع الفلسطيني وتحدي الرواية السائدة التي تتصف بالتشوه والتنميط والعنصرية في الكثير من الأحيان".

بينما يتبرَّع الكثير من فلسطينيي المهجر للمنظمات الخيرية ويبدون مشاعر عميقة تجاه وطنهم الأصلي، لا يملك جميعهم الوسائل ولا الميول التي يملكها آل قطان.

يغذِّي هذا الموقفَ الحذر من العطاء الخيري كلٌّ من الاحتلال، والظروف المضطربة في الأراضي الفلسطينية، وعدم شعبية السلطة الفلسطينية، ومشكلاتها مع حركة حماس التي تسيطر في غزة، حسب التقرير.

وهو إحجام يثير سخط حنان عشراوي أحياناً. إذ تعلق: "أقول لهم، للقضية الفلسطينية شرفها الخاص. لها قيمتها الخاصة كونها قضية إنسانية. لا تحطّوا من قدرها بتقسيمها إلى ألعاب سياسية ضيقة ومصالح خاصة وأسئلة مثل مَن المُحق ومَن المخطئ ومَن الفاسد ومَن الصالح".

ويعترف عمر بأنَّ دفع أقرانه إلى الإسهام، خصوصاً تجاه الثقافة، ليس سهلاً دائماً، ولكنَّه يشير إلى المتحف بوصفه علامةً على سير الأمور في مسار التغيير.

ويضيف: "لقد جذب بالفعل الكثير من الناس، أغلبهم من أعضاء تعاون، لتمويله بسخاءٍ وثقةٍ بقدرٍ ما، لأنَّه كان يشكِّل مخاطرة كبيرة، وما زال يشكِّل مخاطرة كبيرة".


مصاعب


لورا هارتز، مديرة معهد جوته الألماني في رام الله، تتحدّث عن هذه التجربة قائلة: "نفَّذنا ورش عمل لطاقم عمل المتحف والعاملين بهيئات ثقافية أخرى، وكان الإقراض والشحن من المشاكل التي خاطبناها. أجرينا مسحاً على بعض شركات التأمين الكبيرة في ألمانيا، إلا أنها لا توفِّر التأمين للمناطق أو الظروف الموجودة هنا".

تتعاون لورا مع مؤسسة القطان وتقدِّر الأسلوب الذي تتبعه للغاية. فتوضِّح: "ما يعجبني في هذه المؤسسة أنَّها قد بَنَت علاقات طويلة الأمد مع أفراد تدعمهم وتعمل معهم".

وتقول إنَّ العمل الذي تقوم به المؤسسة في تطوير البرامج وبناء القدرات هو ما يميِّزها عن غيرها ممَّن يبنون "مباني جديدة برَّاقة".

أما يزَن خليلي، فنان فلسطيني ومدير مؤقت لمركز خليل السكاكيني الثقافي في رام الله، فيقر بأن هناك قلقاً يسود المشهد الثقافي من أن يمتص المبنى الجديد، إلى جانب المتحف، معظم التمويل.

وفي لندن يقول عمر قطان إنَّه واعٍ بشدة بهذه المخاوف، رغم أنَّه يرجِع بعض الحديث عن الهيمنة إلى الغيرة والاستياء. فيقول للآخرين: "إذا أرادوا صنع شيء ما، فلا أحد يمنعهم".

ويوافقه عبدالمحسن، مؤكِّداً أنَّه سيبلغ عامه السابع والثمانين في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، ويستمتع عندما يسأله أحد عمَّا إذا كان المقصود من المؤسسة، خصوصاً المبنى الجديد، هو الحفاظ على إرثه.

ثم يرد قائلاً: "لم أبنِها لتكون ميراثاً. بنيتها لأنَّ هذا واجب وكذلك لأنَّ بناؤها متعة حقّاً. ثم إذا أراد الناس أن يعدّوها إرثاً، حسناً، يمكنهم أن يعدّوها كذلك".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.