المصريون يقلصون مشترياتهم ويستعدون لموجة ثانية من الغلاء.. فهل تتكرر انتفاضة الخُبز؟

تم النشر: تم التحديث:
SHOPPING IN EGYPT
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

في رسائل انتشرت عبر لوحات الإعلانات المنتشرة في شوارع القاهرة، تحاول الحكومة إقناع المصريين، الذين تعايشوا مع المعاناة لأزمنة طويلة، بفضائل الإصلاح الاقتصادي - وإعدادهم لصدمات الأسعار التي تلوح في الأفق.

يقول أحد الشعارات "إصلاحات جريئة تقصر الطريق”. بدأ ظهور تلك اللوحات شهر سبتمبر/أيلول 2016، حين بدأت الحكومة في القيام بإصلاحات لإبرام صفقة قرض صندوق النقد الدولي الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار أميركي.

يحاول المصريون، الذين عانوا بالفعل من الارتفاع الأخير في ضريبة القيمة المضافة، الاستعداد من الآن لزيادة أخرى في الأسعار، كما يتوقع المحللون أن انخفاض قيمة الجنيه المصري باتت وشيكة، وأن الدعم على الوقود سيتم تخفيضه، حسب تقرير لصحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية.


الخطر قادم


كشفت كريستين لاغارد، رئيسة صندوق النقد الدولي، مؤخراً أن كلا الأمرين يجب أن ينفذ قبل إتمام صفقة الصندوق، التي تمت الموافقة عليها في أغسطس/آب 2016 بصورة مبدئية.

ولكن في بلد ينتشر فيه الفقر على نطاق واسع، يمكن أن تثير تلك الإجراءات موجة من الاستياء ضد حكومة عبد الفتاح السيسي.

وهو خطر تحاول السلطات تجنبه بتأجيل الإصلاحات الحساسة من الناحية السياسية. ولكن الحكومة لم يعد لديها فرصة كبيرة للمناورة، إذ أنها بحاجة ماسة لمعالجة نقص الدولار الخانق للاقتصاد المنهك، واستعادة ثقة المستثمرين التي ضعفت.

وسبق أن أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه لن يتردد في اتخاذ إجراءات إصلاح اقتصادي صعبة كان يتجنبها الرؤساء السابقون خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

وأشار كذلك إلى ضرورة تقليص حجم العمالة الزائدة في الإدارات الحكومية وشركات القطاع العام المملوكة للدولة.

وقال السيسي في إحدى خطاباته إن "المحاولة الأولى لإجراء إصلاح حقيقي كانت في 1977".

وأضاف "بعد رد فعل الناس تراجعت الدولة وظلت تؤجل هذا الإصلاح حتى الآن"، في إشارة إلى انتفاضة شعبية شهدتها مصر في 18 و19 كانون الثاني/يناير 1977 بعد إعلان حكومة الرئيس الأسبق أنور السادات رفع سعر الخبز، حسب تقرير لفرانس 24.

في المقابل، انتشر مقطع فيديو هذا الأسبوع يُظهر سائق توك توك يوبخ الحكومة بشأن نقص السلع الأساسية، مما اعتبره كثيرون علامة على تزايد السخط على الأوضاع، حسب تقرير صحيفة الفايننشيال تايمز البريطانية.

وتساءل السائق "قبل انتخاب الرئيس، كان لدينا ما يكفي من السكر والقهوة والأرز. ماذا حدث؟".

ويقول محمد أبو باشا، الخبير الاقتصادي لدى المجموعة المالية-هيرميس، أن الإجراءات الجديدة ستجعل الحياة أكثر صعوبة بالنسبة للفقراء، الذين يشكلون نصف السكان في مصر، البلد الذي يبلغ تعداده 90 مليون نسمة.

لكنه أضاف أن البلاد لم تعد قادرة على تحمل تأجيل تخفيض قيمة العملة، وليس لديها خيار سوى طلب المساعدة من صندوق النقد الدولي.

ويضيف "بالنسبة للعملة، لم تعد الاحتياطيات كافية لتشكيل منطقة عازلة. وهكذا، من دون صندوق النقد الدولي، فإن تخفيض قيمة العملة سيتم بتكلفة أعلى، وسيستغرق قدوم المستثمرين وقتاً أطول إن ام تتوفر الثقة في أن اتفاقاً مع الصندوق سيتم إبرامه".


انتفاضة الخبز


خوفا من تأجيج الاضطرابات الشعبية، وخشية تكرار مظاهرات الخبز التي حدثت على نطاق واسع في عام 1977، كانت الحكومات المتعاقبة تشعر بالقلق من ارتفاع الأسعار.

تعثرت محاولتان في السنوات الخمس الماضية للاقتراض من صندوق النقد الدولي، لأن المسؤولين رفضوا تنفيذ تدابير التقشف المطلوبة. لكن عندما وصل السيسي للحكم، بعد الإطاحة بسلفه الإسلامي محمد مرسي، قام بتخفيض الدعم على الوقود، وكان لا يزال في ذروة شعبيته في عام 2014. ولكن الحكومة لم تستطع تخفيض الدعم مرة أخرى، في ظل تعثر الاقتصاد وضغط ارتفاع أسعار على الفقراء والطبقة الوسطى.

يقول محللون أنه يجب خفض قيمة الجنيه المصري لمعالجة نقص الدولار. في السوق السوداء، هبط الجنيه إلى 15 مقابل الدولار في الأشهر الأخيرة - بزيادة قدرها 70 في المائة عن السعر الرسمي 8.8 للدولار. ولكن من المتوقع أن يصل التضخم إلى 17 أو 18 في المائة، مقابل 14 في المائة في سبتمبر/أيلول 2016، بعد تخفيض قيمة الجنيه، بالإضافة إلى خفض دعم الوقود، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

يشعر المصريون بوطأة كل هذا. نهى شكري، مديرة الموارد البشرية، تقول إنها اضطرت إلى تغيير عادات تسوقها. وتضيف "لم أعد أشتري العصائر أو الحبوب المستوردة، لقد تخليت عن كل شيء يمكن الاستغناء عنه، تقريباً، عدا السكر والأرز والسمن".

أما غادة محمد، طباخة، فتقول إنها لم تعد تستطيع تستطيع أن تملأ ثلاجتها.

وتقول غادة "الأسعار رهيبة. أشتري أقل مما كنت أفعل في السابق، ما يكفي ليوم واحد فقط. لن يتحمل الشعب كل هذا".


الجيش يتدخل


كان السيسي قد وعد أن أسعار المواد الغذائية الأساسية لن تتأثر، بغض النظر عما يحدث للعملة. وقد طرحت الحكومة بالفعل عطاءات لتوريد السلع الأساسية التي تكفي لفترة ستة أشهر - يعتقد البعض أن ذلك من أجل الاستفادة من الأسعار الحالية قبل التخفيض المتوقع للجنيه المصري.

كما أصبح الجيش منشغلاً بالاقتصاد أكثر من أي وقت مضى، يبيع لبن الأطفال المستورد والمواد الغذائية الرخيصة التي تنتجها مزارعه.

يقول مسؤولون ومحللون أن التحدي سيكون في ضمان نجاح قرض صندوق النقد الدولي وتخفيض قيمة العملة في تخفيف الأزمة الاقتصادية.

كما ستكون هناك حاجة لتدفق المحافظ الاستثمارية لمواجهة أزمة السيولة، لكن هذا لن يحدث إلا إذا كان سوق الصرف الأجنبي فاعلاً. وتأمل الحكومة في تعافي قطاع السياحة المحتضر، وتطوير حقول الغاز الجديدة، كمصادر مهمة للعملات الأجنبية.

لكن العديد من المصريين بدأوا بالفعل في اتخاذ إجراءات جذرية. يقول حسام جمال، حلاق في أحد الصالونات الفاخرة، أنه ينوي بيع سيارته لأنه لم يعد يستطيع الوفاء بمتطلبات أسرته.

مضيفاً "كنت أظن أن دخلي جيد وكنت أستطيع ادخار بعض المال، أما الآن، فلم يعد هذا ممكناً. أنا أسحب من مدخراتي منذ عامين".