هل بدأت فيدرالية اليسار "تمرّدها" في المغرب بالطربوش الأبيض؟.. برلمانيان "يخالفان" الطقوس "المخزنية"

تم النشر: تم التحديث:
ALMGHRB
البرلمانيان | sm

خلال افتتاح الدورة التشريعية بالبرلمان المغربي، من قِبل الملك محمد السادس بعد إجراء انتخابات برلمانية مكّنت حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) من تصدرها، أثار الانتباه نائبان برلمانيان عن فيدرالية اليسار الديمقراطي - تجمع لثلاثة أحزاب يسارية - امتنعا عن ارتداء اللباس الموحّد المخصص لهذه المناسبة (جلباب أبيض وطربوش أحمر) على غرار باقي البرلمانيين.

وخلق هذا الموقف من طرف النائبين البرلمانيين المعارضين عمر بلافريج ومصطفى الشناوي، جدلاً واسعاً على الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام المغربية، بين مؤيد للخطوة اعتبرها خروجاً عن الإجماع، فيما اعتبرها البعض خطوة للاستهلاك والترويج الإعلامي فقط.

almghrb


الصراع البروتوكولي بالبرلمان


يرى المفكّر المغربي اليساري المستشار السابق للوزير الأول عبدالرحمن اليوسفي - في عهد الملك الراحل الحسن الثاني - عبدالصمد بلكبير، أن "الصراع البروتوكولي" في المغرب عبر رفض ارتداء لباس موحّد ليس حديث اليوم، إذ أنه بحسبه "خلال سنة 1963 رفض برلمانيو الاتحاد الاشتراكي (يساري) ارتداء هذا اللباس وامتنعوا عن الحضور للجلسة واستمرت هذه الواقعة أيضاً مع بنعسيد آيت ايدر (مقاوم سابق ورمز من اليسار)".

هذا الصراع البروتوكولي ظهر في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، حين حاول الملك فرض لباس موحّد -وهو اللباس الذي كان يلبسه المبعوثون من طرف السلطان إلى نابليون أو الملكة فيكتوريا، أمام دهشة الرسامين الذين رسموهم وخلدوا لباسهم- على البرلمانيين، متمثلاً في الجلباب الأبيض والطربوش الأحمر، أكد القيادي السابق بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (حزب يساري)، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن "المخزن - تيار يعتمد الطريقة العتيقة في الحكم - يقصد من ذلك اللباس بغض النظر عن قبوله أو الاختلاف معه إظهار عنصر الوحدة".

وقال بلكبير إن القصر يؤكد من خلاله "أننا كمغاربة مختلفون لكننا موحّدون، وأنا شخصياً أتفق معه في هذا الجانب؛ لأنه لا يمكن أن يكون الصراع خلافاً خارج الوحدة".

واعتبر أن الخطوة التي أقدم عليها البرلمانيين عمر بلافريج ومصطفى الشناوي "سلوك مضحك"، على اعتبار أنه - يضيف بلكبير - وإن "كان يدخل ضمن حق التعبير المكفول لهم، إلا أن هذا ليس هو الموقف الذي يجب أن يتخذوه".

بلكبير الذي شغل منصب مستشار لدى الوزير الأول المغربي السابق عبدالرحمن اليوسفي، أكد أن ما بات يُعرف باليسار الجديد "يريد إعادة إحياء الصراع البروتوكولي، وهذا أعتبره غاية في البؤس، فالمشكل ليس هو هذا"، مؤكداً أن اللباس "ليس شكلية مهمة، ذلك أنهم إن أرادوا إثارة الانتباه فيجب أن يقوموا بنقد ذاتي ويتقدموا للجماهير (الشعب) ويعترفوا بالأخطاء (على اعتبار أن اليسار تراجع بالمغرب بعد تصدره المشهد السياسي لسنوات)".


الفيدرالية و"طربوش المخزن"


إذا كان البرلماني الشاب عمر بلافريج قد بدا منتشياً بارتدائه لباساً يعود لمناضلين يساريين كبار، حيث كتب على صفحته الرسمية بفيسبوك "إنه لشرف كبير أن أدخل البرلمان اليوم مرتدياً ثوب عبدالرحيم بوعبيد (رمز من رموز اليسار) كهدية من عائلته والطربوش الشخصي لبن سعيد ايت يدر هدية شخصية منه"، فإن البرلماني مصطفى الشناوي الذي حضر مرتدياً نفس اللباس أكد في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" أنه "تفاجأنا بحضور المصورين لالتقاط صور لنا، ونحن نلج مجلس النواب"، نافياً أن يكون ارتداؤهما هذا اللباس "موجهاً للاستهلاك الإعلامي، فلو أردنا ذلك لقمنا بنشر الصور حين ارتدائنا اللباس في منازلنا".

وقال الشناوي في تصريحه إن "الفيدرالية ضد جميع مظاهر الخنوع التي نعتبر فيها رعايا، ونحن ضد بقاء مجموعة من المظاهر التي تذل المواطن، خاصة أننا في القرن الـ21 (من بينها اللباس الموعد وطقوس البيعة التي يتم فيها تقبيل يد الملك والانحناء لتحيته وتجديد البيعة له".

وأضاف البرلماني المغربي: "نتمنى تراجع هذه الطقوس والرموز والألبسة التي تريد إرجاعنا إلى الوراء.. ونحن نحاول تجاوزها".

وشدد البرلماني اليساري المعارض على أن "هذه الطقوس يجب أن تتراجع؛ لأن المواطن ينتظر من هذه المؤسسة (البرلمان) أن تكون فعّالة وتفيدهم في حياتهم اليومية، لا أن تهتم باللباس أو غيره، فهذه المسألة ثانوية ومجرد فرقعات لا نهتم بها"، مضيفاً أن "المواطن لا ينتظر هذا، بل يريد تغيير الواقع المتردي الذي يعيشه وتحسين حياته اليومية من خلال التشريع".

أما علي بوطوالة، الأمين العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي - أحد مكونات فيدرالية اليسار الديمقراطي - فقد اعتبر أن الأمر لا يجب أن تعطى له أهمية أكثر مما تستحق، مشيراً إلى أنها "مسألة تميز فقط".

وأكد بوطوالة في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن فيدرالية اليسار الديمقراطي "عندما قررت الدخول والترشح لهذه الانتخابات، وضعت أمام المرشحين النظام الداخلي لمجلس النواب (البرلمان)، وشرحت البروتوكول المعروف في المجلس"، مضيفاً أن "النائبين فضّلا الحضور بذلك اللباس عبر تغيير الطربوش - القبعة - وهو ما أعتبره مسألة شكلية رغم أنها تحمل بعداً جوهرياً".

وشدّد الأمين العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي على أن "ما هو مهم هو البرنامج السياسي والانتخابي لهما، وما سيقومان به داخل المجلس من مبادرات"، حينها - يضيف بوطوالة - "سيظهر مدى التزامهما بالبرنامج الانتخابي والنضالي للفيدرالية، أما اللباس فهو أمر شكلي فقط".


؟هل يحضر مطلب الملكية البرلمانية بالبرلمان


ويرى البرلماني مصطفى الشناوي الذي انتزع مقعده البرلماني بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء (وسط المغرب) أن مطلب الملكية البرلمانية الذي رفعته فيدرالية اليسار الديمقراطي "كما ندافع عنه بالخارج سندافع عنه من داخل البرلمان"، مؤكداً أن ذلك سيتجلى من خلال مناقشة مشاريع القوانين ومساءلة الحكومة ومراقبة عملها وتجويد القوانين.

وأكد الشناوي أن شعار "الملكية البرلمانية" التي هي نقطة أساسية في مشروع الفيدرالية ستظل لازمة وحاضرة على اعتبار أن "الدستور يجب أن يصلح وتعدل فصوله"، لافتاً إلى أن الأمر يتطلب "نضالاً طويلاً".

وأوضح أن المؤسسة التشريعية "واجهة نضالية تضاف إلى الواجهات النضالية الأخرى، خاصة أننا حاضرون في حقول عدة وجمعيات القرب، وسنعمل على القيام بمجهود أكبر داخل البرلمان، عبر نقل صوت الشارع إليه وعكسه في القوانين وغيرها وفي مبادرات الحكومة التي قد يكون فيها إجحاف للمواطن، وسنعبر داخله عن موقفنا، وسنبذل قصارى جهدنا في ذلك".

نفس الأمر أشار إليه علي بوطوالة، عضو فيدرالية اليسار الديمقراطي، بتأكيده أن الهيئة ستظل تدافع عن توجهاتها التي سطرتها في برنامجها الانتخابي، لافتاً إلى أن "الإصلاح الدستوري الذي نطالب به لازال مطروحاً؛ لأن الدستور الحالي لم يكتمل ولم نرق كبلد إلى مصافّ الدول الديمقراطية، ديمقراطية عريقة مشهود لها بالمواصفات العالمية".

وشدد المتحدث نفسه على أن "هذا الشعار الذي أزعج الكثيرين خاصة السلطات التي تجندت بقوة في عدة دوائر انتخابية قصد قطع الطريق على وكلاء اللوائح الانتخابية من الوصول إلى البرلمان وطرح هذه الانشغالات والمطالب داخله سيبقى مطروحاً"، مؤكداً أنه "في اعتقادنا أنه من مصلحة الجميع بما فيها المؤسسة الملكية، أن تترسخ قواعد الديمقراطية في المغرب، وأن تقام الملكية البرلمانية التي ضمنت للدول الأوروبية الاستقرار والاستمرار".

وأضاف الأمين العام للحزب اليساري أن "هذه الأمور المبدئية ستطرح في البرلمان، لكن سيتم التركيز أيضاً على ما يهم المواطن بالدرجة الأولى".

وحول ما إن كانت الفيدرالية ستواصل نضالها من داخل المؤسسة التشريعية أم ستحافظ على تواجدها في الشارع، أكد عضو اللجنة التنفيذية للفيدرالية أن "الحضور سيكون في الجانبين معاً، ذلك أن مناضلينا حاضرين في الهيئات المدنية والنقابية وغيرها التي تحتج في الشارع من أجل المطالب الاجتماعية والحقوقية، وحاضرين بالمؤسسة التشريعية، ولكن في ظل نظام ديمقراطي سلمي".

نفس الأمر الذي أكده البرلماني عمر بلافريج في تدوينة له بصفحته الرسمية بفيسبوك حين قال: "إنه لفخر كبير أن أساهم في التنمية الديمقراطية لبلدي، وأن أدافع من داخل البرلمان عن المصلحة العامة وعن القيم التي نؤمن بها"، في إشارة إلى قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.


مؤيدون ومتهكمون


خلفت هذه الخطوة التي أقدم عليها النائبان البرلمانيان عن فيدرالية اليسار الديمقراطي التي تلج لأول مرة البرلمان المغربي بعد سنوات من مقاطعة الأحزاب المكونة لها للانتخابات، انتقادات من طرف البعض وتأييداً من طرف آخرين.

واعتبر الباحث السياسي رشيد لزرق، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن حديث عمر بلافريج عن ارتدائه لباساً خاصاً بعبدالرحيم بوعبيد المناضل اليساري وطربوشاً استعمله قيدوم اليساريين المغاربة محمد بنسعيد آيت إيدر، هو "محاولة لاحتكار هذه الرموز بشكل علني عوض طرح الأفكار البديلة"، مضيفاً أن "بوعبيد وآيت إيدر قبل أن يكونا لباساً فهم فكر وممارسة، أفرزتهم شروط محددة من خلال طرحهم لاختيار واعٍ ومسؤول، وبالتالي فهو اختيار لم يكن محرّكه محاولة إرجاع مجدٍ عائلي بل كان طرحاً للبديل الاشتراكي الديمقراطي".

أما الإعلامية اعتماد سلام فقد نوّهت على صدر صفحتها بفيسبوك بالخطوة التي أقدم عليها بلافريج قبل "الثورة على اللباس المخزني"، حين أعلن تخليه عن تقاعده البرلماني، قائلة: "يذهلني حجم النقاء الذي يتسلح به عمر بلافريج وهو يدخل مجالاً متسخاً وملطخة أيادي معظم أهله بجميع أنواع الريع"، مضيفة: "رحم الله بوعبيد الذي تخرج في مدرسته عمر بهذه الأخلاق التي جعلته يصنع الاختلاف في مغرب اليوم ويعطي لكل الديناصورات السياسية المقيمة في القبة منذ أزمنة غابرة درساً فقدنا الأمل بأنها قد تفهمه يوماً".

وعلى الجانب الآخر، كتب عبدالعزيز العبدي (مدوّن ساخر) على صدر صفحته بفيسبوك، منتقداً الخطوة التي أقدم عليها البرلمانيان قائلاً: "الثورة على اللباس المخزني هي أن تقصد قبة البرلمان بالدجين مقطع من الركبة، والرأس بالتشويكة.. إذا درتي البيرسي فوذنيك ستكون فوق الثورة لهيه"، في إشارة منه إلى أن الثورة ليست في إزالة الطربوش، وإنما في ولوج البرلمان بأي لباس شخصي تفضله وليس مفروضاً عليك.