شمل 3500 مصري في السنوات الثلاث الأخيرة.. "الفصل من العمل" عقابٌ جديد للمحبوسين بقانون التظاهر

تم النشر: تم التحديث:
MSR
sm

"مازلت أحلم بالعودة إلى العمل"، هكذا بدأ مصطفى عرفان جبالي، أحد الشباب الذين قضوا عامين في السجون بمصر، بتهمة مخالفة قانون التظاهر، والذي خرج ليجد نفسه مفصولاً من العمل، وفقد مصدر دخله الأساسي، حاله حال الكثيرين من موظفي الدولة الذين فصلوا من العمل بسبب قانون التظاهر.

يروي جبالي تفاصيل ما حدث معه لـ"هافينغتون بوست عربي"، قائلاً "تم القبض علي في أحداث رمسيس 2، المشهورة بـ أحداث مسجد الفتح في 16 أغسطس من العام 2013، ولكن محاكمتي جاءت في قضية وقعت بعد هذه الأحداث حيث تم تلفيق تهمة لي وفق قانون التظاهر".

وفي ختام المحاكمة صدر حكم بالحبس ثلاث سنوات بحق جبالي، وخضع لمراقبة أمنية ثلاث سنوات أخرى بعد انتهاء محكوميته، وفي الاستئناف تم تخفيف الحكم إلى عامين، وتم الإفراج عنه في 17 أغسطس 2015، وقبل تعرضه للحبس كان يعمل مفتشاً للآثار ولكن قراراً صدر بوقفه عن العمل عقب دخوله السجن بشهرين، وبعدها تم فصله عن العمل نهائياً.

وأوضح الموظف بوزارة الآثار، أن هذا الفصل "كان بمثابة حكم الإعدام علي، وأنا داخل السجن، فأنا متزوج ولدي 4 أطفال، وأصبحت سجيناً بتهمة ملفقة، وحوكمت بقانون غير دستوري، وفي ذات الوقت يتم قطع مصدر الرزق الوحيد عني وعن أولادي".

ومن الأمور الغريبة التي لمسها جبالي عقب الإفراج عنه أن جهة عمله أعادت للعمل زملاء له تمت محاكمتهم في تهم مخلة بالشرف، فور صدور قرار بقبول النقض الخاص بالحكم الصادر بحقهم، والذي تضمن نصاً بفصلهم عن العمل، "في حين رفضت كل محاولاتي للرجوع إلى العمل، رغم أن جريمتي -إن كانت هناك جريمة من الأساس- ليست مخلة بالشرف، علاوة على قبول القضاء للطعن الخاص بي منذ أكثر من 4 أشهر، فاضطرت للجوء إلى القضاء بحثاً عن حقي، ورزق أولادي".

وقال عزت غنيم مدير منظمة التنسيقية المصرية للحقوق والحريات، إن المنظمة رصدت أن عدد الذين تم فصلهم عن العمل نتيجة تطبيق قانون التظاهر عليهم يصل إلى 3500 من إجمالي الـ8500 رصدت المنظمة فصلهم عن العمل من قبل الحكومة المصرية لأسباب سياسية.

وأشار إلى أنه في الفترة من بداية 2014 وحتى نهاية عام 2015 كان هناك أكثر من 5000 حالة فصل عن العمل، بينها 3500 حالة فصل عن العمل بسبب قانون التظاهر.


حالات متكررة


ما حدث مع جبالي لا يبدو أنه يمثل حالة فردية، حيث تشير التقديرات الحقوقية الأولية إلى أن من تم تقديمهم للمحاكمة بتهمة مخالفة قانون التظاهر يصل إلى 25 ألف مصري خلال ثلاث سنوات.

وقال لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الواقع يشهد تنامي ظاهرة فصل موظفي الدولة عن العمل بعد إدانتهم بقانون التظاهر، لتكون عقوبة إضافية تضاف إلى عقوبة السجن بحقهم، تحت وطأة قانون مطعون على دستوريته أمام القضاء المصري، "وما يؤكد وجود تلك الظاهرة عشرات القضايا المنظورة أمام القضاء المصري لمن تم فصلهم، وسط تأكيدات من منظمات حقوقية، أن الأرقام تقدر بالآلاف".

ويقول غنيم: "إن فصل المعتقلين على ذمة قانون التظاهر، مخالف للقانون المصري، حيث تزعم الحكومة أن التظاهر جريمة مخلة بالشرف مع أن كل أحكام محاكم الاستئناف وقضاة مجلس الدولة استقرت على أن التظاهر لا يعد مخلاً بالشرف، بل يدخل في إطار حرية الفكر والتعبير".

وأكد غنيم، أن هناك العشرات من الأحكام التي صدرت في مصر بإلغاء قرارات الفصل التابعة لقانون التظاهر، ورغم ذلك فإن كل إدارات الدولة لا تزال تخالف الدستور والأحكام القضائية المتواترة بقيامها بفصل العاملين بها والمتهمين بالتظاهر بدون ترخيص.

وطالب غنيم من كل المتضررين من تلك القرارات التعسفية، بسرعة التقدم بطعون أمام محاكم القضاء الإداري والمحاكم العمالية حسب الاختصاص، بطعون على تلك القرارات، المخالفة للقانون، خلال المدة الزمنية المعتمدة قانونياً لذلك حتى لا يسقط حقه، وهي 60 يوماً من علمه بقرار الفصل أو بعد خروجه من السجن في خلال ذات المدة القانونية.


تهمة ليست مخلَّة بالشرف


وتستند الحكومة المصرية إلى نص المادة 67 من قانون العمل رقم 12 لسنة 2003، في فصل هؤلاء الموظفين من عملهم، والتي تنص على أنه "إذا اتهم العامل بارتكاب جناية أو جنحة مخلة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامة أو تم اتهامه بارتكاب أي جنحة داخل دائرة العمل جاز لصاحب العمل وقفه مؤقتاً، على أن يعرض الأمر على اللجنة المشار إليها في المادة (71) من هذا القانون خلال ثلاثة أيام من تاريخ الوقف. وعلى اللجنة أن تبت في الحالة المعروضة عليها خلال سبعة أيام من تاريخ العرض، فإذا وافقت على الوقف يصرف للعامل نصف أجره، أما في حالة عدم الموافقة على الوقف يصرف أجر العامل كاملاً من تاريخ وقفه، فإذا رأت السلطة المختصة عدم تقديم العامل للمحاكمة الجنائية وقدم للمحاكمة أو قضي ببراءته وجب إعادته للعمل مع تسوية مستحقاته كاملة وإلا اعتبر عدم إعادته فصلاً تعسفياً، وإذا ثبت أن اتهام العامل كان بتدبير صاحب العمل أو من يمثله وجب أداء باقي أجره عن مدة الوقف".

ووفقاً لقرارات الفصل بحق المتهمين بمخالفة قانون التظاهر، استندت تلك الجهات إلى ارتكاب من تمت إدانته بتهمة التظاهر، أنه ارتكب جريمة مخلة بالشرف، وهو الأمر الذي رفضته محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، في حكمها لصالح المواطن عادل الكومي، ضد إحدى شركات القطاع العام الحكومية، مؤكدة في حيثيات حكمها، أن الجنحة المتهم فيها العامل "تهمة التظاهر"، خارج دائرة العمل، وغير ماسة بالشرف، وقالت إن حبس العامل أو اعتقاله، يعد من الأعذار القهرية في مجال منعه من الحضور إلى العمل، وقوة قاهرة تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً، وعليه يتوقف وقف العقد مؤقتاً لحين انتهاء الاعتقال أو مدة الحبس دون فسخ التعاقد.

فيما قال حافظ أبو سعده عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن فصل المحكوم عليه بسبب قانون التظاهر، يعد مخالفة للقانون بالفعل، مشيراً إلى أنه "لا يصح التنكيل بهؤلاء الشباب، بسبب قانون مشكوك في دستوريته" معتبراً أن مثل هذه القرارات بمثابة الحكم عليه بالإعدام.

وفي تفسيره لموقف الحكومة المصرية من تكرار عملية الفصل رغم الأحكام التي صدرت لآخرين بالعودة إلى العمل قال مصدر قضائي مصري بهيئة قضايا الدولة، وهي الجهة المنوط بها الدفاع عن جهة العمل الحكومية التي قامت بفصل الموظف لديها، إنه بخلاف أحكام المحكمة الدستورية العليا صاحبة الحجية على الكافة، إلا أن الأحكام القضائية العادية لها حجية نسبية، بين طرفيها، وبالتالي لا يستفيد من الحكم إلا من كان طرفاً في القضية مباشرة.

وأكد المصدر الذي رفض الإفصاح عن اسمه في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن جهة العمل تقوم بما تراه مناسباً لها، حيث أنه ليس هناك تحديد دقيق للجرائم المخلة بالشرف، أو غير المخلة بالشرف، ويمكن أن يكون هناك للجريمة الواحدة تقديران مختلفان من محكمتين مختلفتين، لذا تأخذ جهة العمل بالأحوط، مع عدم وجود إجحاف بحق المفصول، في اللجوء إلى المحكمة.