"بيت السناري" من منزل بواب إلى منارة شاهدة على "وصف مصر" منذ 200 عام

تم النشر: تم التحديث:
3
3

لم يكن في مخيلة إبراهيم كتخدا السناري، أحد المماليك الذي جاء إلى مصر منذ عقود، أن يرتبط اسمه مع مركز ثقافي وتراثي طال عمره ليتخطى الـ216 عاماً، وظل شاهداً على تاريخ مصر الحديث، وهو الصرح الوحيد الذي بقي شاهداً على تدوين كتاب "وصف مصر" من ثلاثة منازل خط بهم 200 عالم فرنسي جاءوا مع نابليون بونابرت، أركان الحضارة المصرية التي شيدت على ضفاف النيل.

حضر السناري إلى مصر في القرن الثامن عشر، إبان فترة حكم المماليك لمصر وهو لا يعرف القراءة والكتابة، ويقول الجبرتي إنه جاء للوجه البحري وعمل بمدينة المنصورة بواباً، ولكنه سرعان ما تعلم القراءة والكتابة وطالع في كتب السحر والتنجيم فذاع صيته بين العامة والخاصة، ثم تعلم اللغة التركية وعمل على تحرير مكاتبات سيده مصطفى بك الكبير، وبعد ملاحقات وخلافات مع المماليك انتقل لخدمة مراد بك.

رغب السناري في التعبير عن مدى سطوته ونفوذه في تلك المرحلة، فبنى داره الذي اختار أن يكون في مواجهة مسجد السيدة زينب في القاهرة، وصرف عليه أموالاً وصار له حاشية وجوارٍ وأتباع، وقُتل في الإسكندرية مع آخرين من المماليك في نفس عام خروج الحملة الفرنسية من القاهرة.


بونابرت يخلد ذكراه




6

ومع حضور نابليون بونابرت إلى مصر في 1798 قائداً للحملة الفرنسية، بحث الرجل عن مقر يمكث به 200 عالم اصطحبهم معه لتدشين المجمع العلمي المصري على غرار نظيره الفرنسي في ذات الوقت، ووقعت عينه على المنزل العريق الذي كان يطل مباشرة حينها على مسجد السيدة زينب في وسط القاهرة واختاره مقر لإقامة وعمل البعثة العلمية والثقافية، ليخلد بذلك ذكر اسم السناري على مدار التاريخ.

وشهدت أولى جلسات المجمع انتخاب الفنان مونج رئيساً للمجمع الفرنسي، ولذا سميت الحارة المجاورة للبيت على اسمه "حارة مونج"، تخليداً لذكراه بعد رفض تغيير اسم البيت ليبقى كما كان معروفاً باسم "بيت السناري".

وعلى مدار ثلاثة أعوام مكثت بها الحملة في مصر، صاغ العلماء من كافة التخصصات، داخل هذا المنزل واثنين آخرين تم هدمهما، 20 مجلداً بعنوان "وصف مصر" يحوي مجموع الملاحظات والبحوث التي تمت في مصر خلال الحملة الفرنسية، وبعد عودة الفريق إلى فرنسا قام وزير الداخلية الفرنسية آنذاك جان أنطوان شبتال وبالتحديد في 18 فبراير/شباط 1802 بتنظيم تشكيل لجنة بين أعضاء فريق العلماء والملاحظين فتشكلت لجنة من ثمانية أعضاء قامت بجمع ونشر كافة المواد العلمية الخاصة بالحملة.

ضم المجمع داخل بيت السناري أربعة أقسام هي: قسم الرياضيات وقسم الطبيعة وقسم الاقتصاد السياسي وقسم الآداب والفنون الجميلة، وانقسمت المجلدات الـ20 التي انتهوا إليها إلى 10 مجلدات للوحات ضمت 74 لوحة بالألوان، وأطلس خرائط، و10 مجلدات للدراسات، وأصبح إحدى أهم الموسوعات في علم المصريات في العصر الحديث، ومرجعاً لكل الباحثين في هذا العلم.


تراث أثري كاد أن ينهار في زلزال 1992


وعقب مغادرة نابليون وحملته لمصر، تم ضم المبنى بعد فترة من الزمن إلى لجنة حفظ الآثار العربية القديمة، وهي لجنة أُسست سنة 1881، بهدف الحفاظ على الآثار الإسلامية والمسيحية فى مصر، وظلت تعمل حتى حُلت سنة 1961.

وكانت أول محاولة لاستغلال بيت السناري سنة 1916، حين تقدم جاياردون بك طلباً لأعضاء اللجنة يرجو فيه السماح له باستئجار منزل السناري كي يجعله متحفا ويعرض فيه مجموعته الخاصة التي تتحدث عن الحملة الفرنسية على مصر وسوريا، وبعد الموافقة استمر المتحف الذي حمل اسم نابليون بونابرت داخل المنزل حتى 1926، تم إخلاؤه بالكامل سنة 1933، ثم جاءت المحاولة الثانية لاستغلال المتحف في الستينيات من القرن الماضي، وذلك عندما شغل مركز الحرف الأثرية التابع لهيئة الآثار هذا المنزل.

وأصبح المنزل مهدداً بالانهيار بعد الأضرار البالغة التي لحقت به عقب زلزال 1992، وهو الأمر الذي أدركه مسؤولو وزارة الآثار التي يتبع لها المنزل، وقامت الوزارة بترميمه للمرة الأولى سنة 1996 في مشروع مشترك بين المجلس الأعلى للآثار مع البعثة الفرنسية التي حضرت خصيصا لهذا الأمر.

طوال الفترة الواقعة بين 1996 و2010 كان المنزل مفتوحاً للزيارة كأثر تاريخي، ولم يكن الكثيرون على علم به وأهميته سوى الزائرين من السياحة الفرنسية حيث كان مدرجاً على خريطة الأماكن المهمة في مصر بفرنسا.


شكل جديد وعودة البيت كمنبر ثقافي وعلمي من جديد



وكانت البداية الحقيقية لعودة الأضواء للبيت مرة أخرى في سنة 2010، مع قرار اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية، بتسليم منزل السناري لمكتبة الإسكندرية بعد الطلب الذي تقدمت به بهدف إعادة إحيائه كمنبر ثقافي من جديد، وبالفعل بدأت إدارة المكتبة في تجهيزه لنشر الوعي الثقافي والفني والعلمي في المناطق المحيطة به، ذلك عن طريق إقامة عدد من الفعاليات الثقافية والفنية مثل المعارض والندوات والمنتديات وورش العمل والعروض المسرحية.

وفي زيارة خاصة لـ"هافيغتون بوست عربي" إلى البيت، الذي أصبح نقطة ثقافية مضيئة لا يمكن رؤيتها من ميدان مسجد السيدة، بعد أن أصبح محاطاً بالمنازل والمحال التجارية، وجدنا أنه ما زال يحتفظ بتراثه الإسلامي وعلى مساحته التي شُيِّد عليه كان هناك 45 غرفة على طابقين فقط، يتم استخدامها حالياً لتقديم الورش والدورات التدريبية وأخرى خاصة بالموظفين.

وبعد المرور ببوابة البيت الأساسية، تجد نفسك انتقلت عبر الزمن إلى العصور الإسلامية في طراز البناء لا يشوبه سوى جهاز حديث للتفتيش على الأمتعة الخاصة بالزائرين، تجد نفسك بعد المرور من الممر الطويل الذي يعزل المنزل عن الخارج، داخل صحن البيت الذي يستخدم في استقبال الزائرين ويسع حوالي 300 فرد، وتطل عليه غرف الدور العلوي بطرازها الإسلامي ومشربياتها الشهيرة.



1

وبالدور العلوي تجد هناك المقعد الصيفي وهي منطقة نصف مغلقة، والذي يمكن وصفه بـ"غرفة التكييف المركزي"، حيث تم تصميمه لتكون قبلته تجاه الشمال ليكون في مواجهة تيار الهواء "بحري"، بحيث تكون منفذاً لدخول الهواء، ثم تنقلاً بداخله لمشاهدة قاعات الحرملك -وهي قاعات الحريم في البيت- وكانت لديهم غرف ساونا على ثلاث مراحل -بارد ومعتدل وساخن- لا تزال موجودة لكن مغطسها تم غلقه وقت الترميم؛ لأنه لا يجب أن يوجد مياه داخل البيت للحفاظ عليه.

ويحتوي البيت الآن على عدة مسارح منها مسرح صغير يسع حوالي 500 فرد، ومسرح كبير سيكون جاهزاً للاستخدام بعد شهرين من الآن، ويسع حوالي 2500 فرد، وفقاً لما ذكره مسؤولو البيت، إضافة إلى عدة قاعات منها القاعة الكبرى وهي قاعة مغلقة وتسع بين 80 إلى 100 فرد، والقاعة الصغرى وتسع حوالي 50 فرداً، والغرف تسع بين 15 إلى 20 فرداً وهي الأماكن التي تنعقد بها التدريبات والدورات.


9 شباب مسؤولون عن الإشعاع الثقافي للبيت


ومنذ ضم إدارة البيت إلى مكتبة الإسكندرية تم إسناد إدارته إلى 9 مسؤولين من الشباب الذين لا يتخطى عمرهم الـ35 عاماً، تحت قيادة أيمن منصور مدير البيت، وأصبح تحدي هؤلاء الشباب، هو كيف أن يعود المنزل إلى قبلة المثقفين في مصر.


الأنشطة والورش




5

وعن أنشطة البيت التي تم استحداثها يقول عمرو علي، نائب مدير البيت، إنه تم تحويل المكان من مزار تاريخي لا يحتوي على أي أنشطة نهائياً، إلى مركز ثقافي يمتلئ زخماً بالأنشطة الثقافية والعلمية المتنوعة، حيث ينظم البيت مجموعة من الأنشطة الصغيرة والورش ومنها ما يتعلق بالحرف اليدوية مثل الفخار والسجاد، وورش حديثة مثل الإكسسوار والحلي، وهي أنشطة تنظم بالاشتراك مع الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذكر علي في تصريحات خاصة لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن هناك أيضاً برنامج ورش خاصة بالأطفال، وأخرى تتعلق بتعليم الرسم والموسيقى والخزف والخط العربي، وورش خاصة بالمرأة مثل الكورشيه والتطريز، والنحاس والخرز، ومعظم هذه الأنشطة تقدم من خلال الموظفين الموجودين داخل البيت وبعضها يتم تقديمه من خلال مؤسسات أو مدربين يتعاون البيت معهم.


مهرجانات الحرف اليدوية وتعليم الهيروغرافية وترميم الآثار


وقال نائب مدير البيت، إن بيت السناري يقيم أيضاً العديد من حفلات الغناء للفرق الموسيقية المستقلة "الأندرغراوند"، بجانب حفلات الفن الصوفي التي تلقى قبولا كبيراً، وهناك أيضا دورات تعليم الديانة المصرية القديمة والثقافة الإسلامية، إضافة إلى دورة إعادة ترميم الصور الفوتوغرافية وهي أول دورة من نوعها في مصر، ودورة تعليم اللغة الهيروغليفية بمستوياتها الثمانية، وكذلك دورة تعليم ترميم الأثر، وذلك بجانب دورات لتعليم الموسيقى مثل تعلم آلات موسيقى الكمان والعود والناي والغيتار.

وأشار إلى أن البيت ينظم عدداً من المهرجانات ويشارك في عدة مهرجانات أخرى دولية، من بينهم مهرجان "من فات قديمه تاه" للحرف اليدوية والتقليدية، المهرجان كان محلي في 2010 وفي 2011 أصبح دولياً، وكانت دولة تركيا أول ضيف شرف للمهرجان، وآخر مهرجان تم تنظيمه العام الجاري كانت الكويت هي ضيف الشرف، ويقام في أول شهر سبتمبر/أيلول من كل سنة ولمدة 10 أيام، كما يشارك البيت في احتفالات "اليوم العالمي للمخطوط العربي.


أعداد الزائرين


وعن مدى تزايد أعداد الزوار قال علي، إنه كان يتردد على البيت في سنة 2010 عدد قليل من الأشخاص يتراوح عددهم بين 5 إلى 10 أفراد في الشهر، أغلبهم من الأجانب، والآن أعداد الزائرين والوافدين على البيت تتراوح بين 5 إلى 7 آلاف زائر في الشهر، نسبة المصريين بين الزائرين تصل إلى 90%، الوافدين على البيت، وهم يأتون من كافة المحافظات المصرية.