أجداد البريطانيين كانوا يأكلون بعضهم بعضاً.. العثور على كهف لآكلي لحوم البشر

تم النشر: تم التحديث:
3
3

منذ 15 ألف عامٍ مضت، كانت هناك مجموعة من الأجداد تقتات على لحوم غيرهم من البشر. ما زلنا لا نعلم بالضبط سبب ذلك.

ومنذ حوالي 15 ألف عامٍ في كهف Gough، بالقرب من مدينة بريستول في المملكة المتحدة، كانت مجموعة من الناس تأكل أعضاء غيرهم من البشر، بحسب BBC.

كانوا يفصلون العظام وينزعون اللحم عنها، ثم يكسرونها ويمضغونها. ربما كانوا يشقون العظام كذلك للحصول على النخاع من داخلها.

لم يكن البالغون فقط مَن أظهروا علامات بأنهم أُكلوا. فقد حمل طفل يبلغ من العُمر 3 سنوات وشابان يافعان علامات تكشف عن قضمهم وأكلهم.

حتى إن بعض أجزاء من جماجمهم تم تحويرها إلى أدوات زينة تُدعى "كؤوس الجمجمة"، التي ربما استُخدمت في الشُّرب منها.

ما الذي كان يجري في كهف Gough؟ هل كان ذلك مثالاً للعنف البشري بين الخصوم، أم نمطاً غريباً من السلوك ضمن شعائر ما، أم ببساطة مجرد محاولة يائسة للبقاء؟

اكتُشف كهف Gough لأول مرة في أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر. إلا أنه في ذلك الوقت كان القصد تجهيزه للسياح، لذا لم يكن هناك تحليل أثري دقيق. وأي حفريات وُجدت حينها يمكن أن تكون فُقِدت أيضاً.

يعود الفضل لمحاولة التنقيب الأخرى في ثمانينيات القرن العشرين التي كشفت عن بقايا بشرية وحيوانية عديدة، مع علامات جلية على سفك الدماء. بعد تحليل مكثف على مر العقود التالية، خلُص الباحثون إلى أن العظام البشرية الموجودة في هذا الكهف فُكِّكَت بوحشية وأكل البشر لحمها.


أكل البشر يعود لعصر "النياندرتال"


ولا يُعد كهف Gough المثال الوحيد بأي حال. تعود الأدلة على ممارسات أكل لحوم البشر إلى زمن الإنسان البدائي (النياندرتال) – وربما قبل ذلك.

وُجد أول دليل على احتمالية أن يكون الإنسان البدائي اقتات على لحوم أصدقائه (أو أعدائه) في فرنسا ويعود تاريخها إلى حوالي 100 ألف سنة مضت. وهناك حالات أخرى عديدة. إحدى مجموعات النياندرتال، التي عاشت في كهف شمال إسبانيا قبل 49 ألف عام، بدا أنها أُكلت لحومها. وأظهرت عظام موجودة بكهف في بلجيكا أيضاً علامات على أن مجموعة أخرى أكلت بعضها البعض، وفقاً لدراسة نُشرت في يوليو/تموز 2016.

يُثير موضوع أكل لحوم البشر حفيظة الأنثروبولوجيين. جزء من الأمر ربما يرجع إلى أن الموضوع يُمثل تذكيراً بالجانب المظلم والمُروع من الطبيعة البشرية. لكنه أيضاً صعب التعرف عليه بطريقة لا لبس فيها.

وعلى وجه الخصوص، من الصعب تحديد إذا ما كانت علامات القطع سببها أكل لحوم البشر أم إزالة اللحم عن العظام بعد الموت، وهو الأمر الذي يحدث عادة لأغراض الشعائر الروحية.

عادة ما تُمثل علامات القطع الموجودة على عظام الحيوانات دليلاً واضحاً على القتل الوحشي. لكن عندما توجد علامات مشابهة على بقايا بشرية تكون الاستنتاجات "غير مقبولة تماماً"، وفقاً لما قالته سيلفيا بيلو من متحف التاريخ الطبيعي في لندن، بالمملكة المتحدة.

تمتلئ البقايا الموجودة بكهف Gough، والتي قامت بيلو بتحليلها لسنواتٍ عديدة، بالكثير من العلامات الكبيرة. تُظهر أكثر من 65% من العظام علامات سبّبتها أدوات حجرية. والأكثر من ذلك، أن الكثير من العظام كانت مُحطمة، والسبب المحتمل لذلك هو استخراج نخاع العظام من داخلها.

تقول بيلو "إنه أمر عَرَضي تماماً. يمكنك رؤية نفس ذلك النمط على الحيوانات الأخرى. يمكنك حقاً القول أنهم كانوا يذبحون الحيوانات بنفس الطريقة، بغرض الحصول على بعض الشيء من اللحم".

لقد وجدت بيلو كذلك علامات لأسنان بشرية. وكان من السهل التعرف على آثار الأسنان بينما كانت تنقُر في العظام.

وتقول بيلو "تُظهر بعض التعديلات، خاصة بالنسبة للأصابع، أنهم كانوا على الأرجح يمضغون العظام من أجل امتصاص الدهون. ويُمثل وجود آثار الأسنان البشرية على العظام أفضل دليل محتمل على أكل لحوم البشر".



5


أكل لحوم البشر أم انتزاعه؟


قرّرت بيلو أن تحاول التوصل إلى حل بشأن بعض الجدل الذي أُثير عندما اكتُشفت بقايا تحمل نفس تلك العلامات.

في دراسة نُشرت في أغسطس/آب 2016، بيّنت مع زملائها بدقة شديدة الاختلافات بين أكل لحوم البشر و"نزع اللحم". وتُعد الأخيرة عملية يُزال فيها اللحم، لكنه لا يؤكل عادةً، من جسد شخص ما بعد وفاته.

كثيراً ما كان يتم نزع اللحم بغرض "مراسم الدفن الثانوية": اعتاد الناس في عصور ما قبل التاريخ نقل موتاهم معهم عندما ينتقلون إلى أماكن أخرى، ومن أجل القيام بذلك عليهم أولا نزع اللحم عنهم. تقول روزالين فالدوك، وهي كذلك من متحف التاريخ الطبيعي وعملت مع بيلو، ربما كانت العظام "أكثر أهمية" من اللحم.

هناك وفرة من الدلائل على ذلك في صربيا بين 10 آلاف و5 آلاف عام مضت. تقول فالدوك "كان الناس لا يزالون يتنقلون في الأرجاء بشكل موسمي ويأخذون موتاهم معهم أينما تحركوا. كان أجدادهم أكثر حضوراً في حياة هؤلاء، وكانوا يتفاعلون مع بقاياهم".

يقول الفريق إنه من المفترض أن يصبح التعرف على البقايا البشرية التي أُكلت لحومها أسهل الآن، لأن لديهم توقيع مميز. تقول بيلو "إنها تتماشى حقاً مع الحيوانات المذبوحة الأخرى في الموقع، بينما تحمل مراسم الدفن الثانوية علامة مختلفة، فيما يتعلق بنسبة علامات القطع وتوزيعها".

يُعد الاختلاف الرئيسي هو نسبة تكرار علامات القطع تلك. عندما يُذبح البشر أو الحيوانات، تظل هناك الكثير من العلامات سهلة الملاحظة، لكن إذا تم نزع اللحم عنها يكون هناك علامات أقل، وعلى 1% فقط من العظام، بلا أية علامات للأسنان.

ومع ذلك، ما يزال ذلك يتركنا بلا إجابة على سؤال لماذا اختار هؤلاء البشر الأقدمون أن يقتاتوا على لحوم البشر؟


أكل الموتى فقط وليس قتلهم


ليس هناك من طريقة للحصول على إجابة قاطعة. إلا أن بيلو تقول إن هؤلاء الذين عاشوا في كهف Gough لم يُظهروا أي علامات على لجوئهم إلى القتل العنيف. "كانوا يأكلون الأموات، لكن لم يكن هناك قتل".

ربما يرجع الأمر للبيئة التي عاشوا فيها، التي دفعتهم لأن يسلكوا سلوكاً متطرفاً. لقد عاشوا في فترة قصيرة بين عهدين تميزاً بشدة البرودة أثناء العصر الجليدي الاخير: كان المناخ دافئاً فقط لمئات قليلة من السنوات. ربما استنزف شتاء معين بارد مواردهم الغذائية، ليجبرهم على أكل أية أفراد ممَن توفوا من أجل أن يحافظوا على بقائهم.

لكن ذلك لا يفسر كؤوس الجماجم التي وُجدت في كهف Gough. لا تظهر تلك الجماجم كما وأنها عُدّلت لتراعي محتوياتها كي تؤكل، وتوجد كؤوس جماجم مشابهة في كل مكان.

بدلاً من ذلك، تظُن بيلو أن الذين عاشوا في كهف Gough جعلوا كؤوس الجماجم جزءاً من ممارسة روحية أو متعلقة بالدفن. من المحتمل أيضاً أن تكون شُربت منهم. إن كان الأمر كذلك، فإن أكل لحوم الآخرين ربما يكون ممارسة ثقافية، فضلاً عن كونه أمراً وقع من أجل محض المحافظة على البقاء.

تزودنا أعمار هؤلاء الأفراد بمفتاح آخر لحل اللغز. إن كان الناس ماتوا نتيجة الصراعات، سيكون هناك على الأرجح البالغين فقط كضحايا لأكل لحوم البشر، لكن ذلك لم يكن الحال. تقول بيلو "ليست تلك مجموعة محاربين. أعتقد أنهم ماتوا بشكل طبيعي".

ربما يكون الأمر كذلك في تلك الواقعة، لكن يمكن لمزيد من الحالات المكتشفة مؤخراً لوقائع أكل لحوم بشر أن ترسم صورة مختلفة كلياً.


ربما العنف هو السبب


عادة ما تكون ممارسة أكل لحوم البشر نتيجة لعنفٍ ما، "ويخطو المنتصرون الخطوة الزائدة في إهانة الموتى"، كما يقول ريك شولتنج من جامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة.

ويدفع شولتنج بأن حالات أكل لحوم البشر نادرة، برغم تكرار وقائع العنف في ماضينا. ويقول "نجد الكثير من الدلائل الخاصة بموت ناس بسبب الصراع في عصور ما قبل التاريخ حيثُ لا تأكلهم ولا تذبحهم ولا تقطع أوصالهم. لذا فإن الأمر يتضمن شيئاً ما أكثر تطرفاً".

إحدى وقائع أكل لحوم البشر تلك حدثت منذ 900 عام تقريباً في موقع بوبلون في الجنوب الغربي الأميركي (كولورادو في الوقت الحالي)".

وقد وقعت تزامناً مع وقوع جفاف شديد، لكن شولتنج يقول إن ذلك لا يعني أن الناس أكلوا بعضهم البعض لأجل الغذاء. فهو يظُن أنه على الأرجح أن الناس كانوا يأكلون بعضهم البعض بسبب "صراعات حادة على الموارد".

فهو يقول "كان الناس يتصارعون مع بعضهم البعض، وكتحذير من عدم العودة مُجدداً، فمَن يفعل ذلك يُذبحوا وتُحطم عظامهم بطريقة مروعة وربما يُعذبوا. لذا فقد أصبحت تلك الأفعال المتطرفة إشارات وعلامات".

من المحتمل كذلك أن الأفراد في كهف Gough قُتلوا في نهاية المطاف، كما يقول شولتنج. لا يوجد دليل ملحوظ على وقوع عنف، لكن هناك طرقاً كثيرة للقتل لا تُخلّف وراءهاا علامة على الجمجمة.

ربما يكون الدرس المستفاد من كل هذا أنه لا يوجد تفسير واحد ملائم لكل ما يتعلق بأكل لحوم البشر. يقول شولتنج "كثيراً ما يبدو هناك تورط في عنف عندما ترى هذا النوع من العمليات المتطرفة. لكن حتى تلك الأمور تظل مفتوحة للنقاش والجدال".

بغض النظر عن سبب حدوثه، من الواضح أن أكل لحوم البشر حدث بالفعل في أوقاتٍ متعددة على مرّ حكايتنا. إنه جانب آخر، رغم بشاعته، مما يجعلنا بشراً. وليس من الواضح أنه أمر يستدعي أن تشعر بالخزي حياله، على الأقل ليس عندما تقارنه ببعض الأعمال الوحشية الأخرى التي ارتكبها البشر.

يقول شولتنج "لا أظن أن أكل لحوم البشر يجعلنا أكثر وحشية. نحن قادرون تماماً على ارتكاب الأمور الوحشية تلك الأيام، سواء تضمن ذلك أكل شخص آخر أم لا".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع BBC البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.