من هيروشيما إلى الطفل عُمران.. 7 قصص إنسانية لم تبتلعها أضخم الحروب في التاريخ

تم النشر: تم التحديث:
3
3

الحروب الأضخم والأعنف في التاريخ، لم تستطع أن تهزم الإنسان، القصص الإنسانية تقف كشاهد أبديّ، ضد الظلم، وتزييف التاريخ، وضد النسيان؛ إليك في هذا التقرير 7 قصص حقيقية كما رواها أصحابها، تسلط الضوء على أضخم الحروب في العالم:


1- الحرب العالمية الثانية.. القيامة في هيروشيما


"فجأة لمع بريق ضوء أمام عيني، ثم تكرر نفس المنظر"، هكذا قال الدكتور "متشهيكوها هاتشيا"، في أول صفحة من كتابه "يوميات هيروشيما"، الذي كتبه على شكل مذكرات يوماً بأيام أيام الحرب، ولم يكن يخطط بنشره على شكل كتاب، بعد إصابته الشديدة بدأ بالهرب مع زوجته ومحاولة اجتياز الأنقاض ليكتشف فجأة أنه عارٍ تماماً! متابعاً حديثه "ما اقبح هذا، أين سروالي وفانلتي؟ وماذا حدث؟"

الدكتور هاتشيا استمر في الركض عارياً برغم النزيف من فمه وشظايا الزجاج في رقبته، حينها لم يعد يفكر إلا في الذهاب للمستشفى، وقد أربكه ذلك، فكيف سيؤدي واجبه كطبيب، وهو مصاب إلى هذا الحد؟ بقي متأرجحاً بين الجري والتعثر، حتى أحس أنه داس شيئاً ممدداً في الشارع، ليكتشف أنه رأس إنسان، فصاح بجنون "عفواً يا سيدي عفواً!"، ولكنه لم يتلق إجابة، كان الرجل ميتاً.

هناك مصطلح ياباني يسمى "هيباكوشا"، وهي كلمة تعني "الناجون من القنبلة الذرية"، التي سقطت على هيروشيما ونجازاكي في العام 1945، وكانت الضربة القاضية التي أنهت الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي كانت صاحبة أعلى رقم من الضحايا في التاريخ، برقم يتراوح بين 40 مليوناً و85 مليوناً، وقد انطلقت شرارتها في مارس 1938 بغزو هتلر للنمسا، ودخلتها الولايات المتحدة بعد الهجوم الياباني على أسطولها في المحيط الهادي.

استمرت الحرب ست سنوات واستعمل فيها السلاح الذري لأول مرة في تاريخ الإنسانية في مدينتي هيروشيما ونجازاكي، بعد أن أعدم الثوار الإيطاليون موسوليني وعلقوه من قدميه في أحد أعمدة الإنارة، وانتحر هتلر واستسلمت ألمانيا، فوقّعت اليابان بعد القنبلتين المروّعتين وثيقة الاستسلام بدون قيد أو شرط يوم 2 سبتمبر 1945، وبعدها بثلاثة أيام ارتفع العلم الأمريكي فوق طوكيو.

أحد الـ"هيباكوشا"، السيد سوناو تسوبوي، ما يزال حتى الآن يزور "حديقة هيروشيما للسلام" في ذكرى سقوط القنبلة الذرية على هيروشيما في 6 أغسطس، ويشعل الفانوس الطائر ثم يطلقه فوق نهر "موتوياسو" الذي فرّ إليه الآلاف كي يهربوا من حرارة الانفجار النووي لكي "يرشد أرواح الميتين" كما يقول.


2- المغول.. حين اختلط الدم في نهر دجلة بحبر الكتب!




7

لم يكن جنود جنكيز خان يتخيلون أن الطفل الصغير الذي اختطفوه وباعوه كعبد، سوف يكبر ليكسر أسطورتهم في معركة "عين جالوت"، الطفل هو المملوك "قطز" الذي تتحدث بعض الروايات التاريخية إلى أن اسمه الحقيقي هو الأمير محمود ويُنسب إلى الأمير ممدود، الذي قتل في إحدى معارك التتار على خوارزم، عمه هو السلطان جلال الدين خوارزم شاه.

بيع قطز إلى ثري من أثرياء الشام، وانتقلت ملكيته إلى ابن هذا الرجل بعد وفاته، وكان فتى عاقاً ومعربداً، ويُروى أن سيده ضربه وسبه بأبيه وجده، فبكى ولم يأكل شيئاً سائر يومه، فلما سئل "أكل هذا البكاء من لطمة؟"، قال إن هذا يعود لسبه أباه وجده، فقال له صديقه ابن الزعيم: أبوك واحد كافر، فرد قطز: والله ما أنا إلا مسلم ابن مسلم، أنا محمود بن ممدود ابن أخت خوارزم شاه من أولاد الملوك، فسكت ابن الزعيم وترضه، وجعل سيداً آخر من أثرياء دمشق يشتريه، فكان مدخله للحياة السياسية والجهاد ضد الصليبيين، كونه أحد معاوني الشيخ المجاهد العز بن عبد السلام.

بعدها طلب قطز من سيده أن يبيعه للملك الصالح نجم الدين أيوب، حتى وصل إلى الحكم، وعرف بنداء "وا إسلاماه"، الذي كان بداية تغير الأحداث لصالح المسلمين في معركة "عين جالوت" التاريخية.

حروب المغول تعد واحدة من أكثر الحروب فتكاً في تاريخ البشرية، بتقديرات لعدد ضحايا يتراوح بين 40 إلى 70 مليوناً، لكن العدد يصبح مرعباً وغير مسبوق عندما نضيف أكثر من 200 مليون ضحية، بسبب مرض الطاعون "الموت الأسود"، الذي نشره تمدد المغول منذ القرن الثالث عشر، بدأ "جنكيز خان" من أواسط آسيا، ثم استمر في توسعه الجنوني.

كان أهل المدن يهربون بمجرد معرفتهم أن المغول على الأبواب، بسبب السمعة المخيفة التي كانت تسبقهم، فكل جندي كان مكلفاً بذبح عدد معين من الأشخاص يصل إلى 24.

سقوط بغداد (1258م) كان صدمة للعالم الإسلامي كله، وأنهى "العصر الذهبي للإسلام" كما يقول مؤرخون، استباح هولاكو وجنوده المدينة، وأشعل المغول النار في مكتبة "بيت الحكمة"، التي كانت إحدى أعظم مكتبات العالم القديم آنذاك، وألقى بالكتب في نهري دجلة والفرات، حتى اسودّت المياه من الحبر.


3- الحرب العالمية الأولى.. حكايات تُروى لأول مرة


"أحدهم أمسك بقدمي فجأة"، هكذا حكى الجندي إدوارد جلينديننج لفريق إعداد BBC، وهو يتحدث عن أعقاب إحدى المعارك التي حضرها كجندي في خط المشاة بالجيش البريطاني، الجندي قال إن المنظر بدا كأنه مجموعة من الخراف التي ترقد في وسط الميدان، وأن بعض الرجال كانوا ما يزالون أحياء ويتوسلون لشرب الماء، وقبل أن يسقي الرجل، ناداه رفاقه وحثوه على إكمال المشي.

يضيف جلينديننج: "لقد طاردتني نداءاته كل السنين الماضية !"، شهادة الجندي كانت ضمن مسلسل مهم للـ BBC بخصوص "الحرب العظمى" تم تسجيله في الستينيات من القرن الماضي، وهو الاسم الذي يطلق على الحرب العالمية الأولى، التي كانت من أعنف صراعات التاريخ، واستمرت لأكثر من أربع سنوات، قدّر عدد ضحاياها بـ20 مليون إنسان، اندلعت في 1914 عندما قام طالب صربي باغتيال ولي عهد النمسا وزوجته أثناء زيارتهما لسراييفو في منطقة البوسنة والهرسك، وكانت وراء ثورات في دول عديدة، وكذلك وضعت الدولة العثمانية على أول منحدر الانهيار.

صناع البرنامج لم يهتموا بالتجارب الإنسانية أو الشخصية للجنود، لأنهم كانوا يركزون على تاريخ الصراع، لكن، بعد مرور أكثر من 50 عاماً، وبعد موت الكثير من الذين سجلوا شهاداتهم، رأى المدراء التنفيذيون للقناة أن المشاهدين في العصر الحديث سوف يكونون مهتمين بتسجيل الجنود لمشاعرهم وتجربتهم الإنسانية، والتي بثت للمشاهدين لأول مرة في برنامج “I Was There: The Great War Interviews”: لقد كنتُ هناك، مقابلات الحرب العظمى.


4- فيتنام.. اقتل كل ما يتحرك




1



في الثامن من يونيو 1972، كان مصور "الأسوشيتيد برس"، نيك أوت يقف بالقرب من منطقة "ترانج بانج" الفيتانمية، عندما ألقت طائرات فيتنامية جنوبية شحنة من قنابل "النابالم" على القرية، وبينما يهم بالتقاط صور الدمار، فوجئ المصور بمجموعة من الأطفال الراكضين والجنود نحوه، في مقدمتهم طفلة عارية تماماً من الملابس، قال إنه لم يفهم في تلك اللحظة سبب عريها، لكنه سرعان ما أدرك أنه بسبب إصابتها بالقنبلة، صورة "فتاة النابالم" أصبحت فيما بعد "أيقونة حرب فيتنام".

هذه الصورة التي أثارت جدلاً كبيراً هذه السنة عندما حذفتها فيس بوك من حساب كاتب نرويجي كان قد شاركها بعنوان "سبع صور غيرت تاريخ الحرب"، وشنت حينها المؤسسات الإعلامية حملة على الموقع الذي تراجع عن موقفه تحت تأثير الضغط الشعبي، وقد علّقت "فتاة النابالم" التي أصبحت الآن سيدة في الثالثة والخمسين قائلة: "أحزنني التركيز على عري الصورة التاريخية أكثر من الرسالة القوية التي تنقلها".

تورطت الولايات المتحدة الأميركية في حرب فيتنام أواخر ستينيات القرن الماضي، وتسببت في مقتل حوالي ثلاثة ملايين فيتنامي و58 ألف عسكري أميركي تقريباً.

وقد أشار المؤرخ والصحفي نيك ترس الذي ألف كتاب "اقتل كل ما يتحرك"، إلى مسؤولية وزير الخارجية الأمريكي آنذاك "هنري كيسنجر" إلى إطالة أمد الحرب لخمس سنوات، كما ذكر بأن عقيدة الجيش الأميركي العسكرية "اقتل كل ما يتحرك" قد ترسخت منذ ذلك الحين، عنوان الكتاب مقتطع من أمر القائد الأميركي لقواته التي كانت تستعد لاقتحام قرية "ماي لاي" يوم 15 مايو 1968، رداً على سؤال أحد الجنود: هل علينا قتل النساء والأطفال؟ فرد عليه "اقتل كلّ ما يتحرك"!


5- أفغانستان.. مصيدة الدب


في 2005 ظهر أول فيلم روسي يتحدث عن الحرب التي خاضها الجيش السوفيتي في أفغانستان، وحقق أرقاماً قياسية في صالات العرض في روسيا، عدد مشاهدي فيلم "الفرقة التاسعة" وصل إلى مليوني شخص بعد أسبوع واحد من إطلاقه مع عائدات قاربت 8 ملايين دولار، ويروي الفيلم قصة فرقة من الجيش الأحمر ابتداء من تدريباتها وحتى مقتل أفرادها دفاعاً عن موقع روسي في عام 1989 في آخر أيام الحرب.

الفيلم عرض فكرة الأخوة بين المجندين الروس، الفيلم الذي كان الأضخم آنذاك في تاريخ السينما الروسية -بتكلفة 9 ملايين دولار- لم يتطرق لا من قريب ولا من بعيد للأخطاء التي ارتكبت في أفغانستان، ومع إن العروض في صالات موسكو امتلأت بالتصفيق مع كل عرض له، إلا إن المحللين قالوا إنه خلا تماماً من البعد النقدي الذي قد تتضمنه أفلام أمريكية من هذا النوع، ولم يتطرق إلى الحرب التي تجاوز عدد ضحاياها المليون من زاوية أنها كانت مستنقعاً تورط فيه الجيش السوفيتي.

التورط الروسي في أفغانستان بدأ منذ العام 1979، في ظل أطماع استعمارية قديمة ورغبة في مد النفوذ أمام الولايات المتحدة في الحرب الباردة، واستمر حتى أعلن الاتحاد السوفيتي انسحاب كافة قواته من أفغانستان في 1989، بسبب الخسائر الفادحة في صفوفه والتي تراوحت بين 40 إلى 50 ألفاً، أمام المجاهدين الأفغان الذين اتبعوا أسلوب حرب العصابات، وصمدوا لمدة عشر سنوات، وأيضاً بسبب ضعف الحالة الاقتصادية في الاتحاد السوفيتي مع إنفاق يومي على هذه الحرب بلغ 40 مليون دولار، الحرب التي سميت بسبب طولها "حرب فيتنام الاتحاد السوفيتي"، أو "مصيدة الدب" كما أطلقت عليها وسائل الإعلام الغربية، يعتقد أنها كانت أحد أهم العوامل لسقوط الاتحاد السوفيتي.


6- الحرب الأهلية الكورية.. بذور الشيطان




3


"لنتقابل مرة ثانية، في الحياة الآخرة!"، هكذا ودع أوه إن سي، العجوز الكوري الشمالي زوجته، التي يراها لأول مرة منذ 65 عاماً، زوجته ليه سون كيو ذات الـ85 عاماً، كانت إحدى 400 كوري جنوبي، يتم اختيارهم باليانصيب، ليقابلوا عائلاتهم التي انفصلوا عنها منذ الحرب الكورية (1950-1953)، لمدة يومين فقط، السيد "أوه" قال لزوجته وهي تمسك بيديه من خلال شباك الباص، أن تعتني بابنهما جيداً وأن "تكبّر" عقلها معها.

أوه كان قد تزوج بزوجته عندما كان في السابعة عشر، وهي في التاسعة عشر في عام 1949، لكن الحرب فصلتهما عن بعضهما بعد 7 أشهر فقط، كانت هي حاملاً في ابنهما "جانغ كيون" في ذلك الوقت، الزوجة التي لم تتزوج بعد زوجها أبداً أخذت تقول له "لقد بكيتُ كثيراً وأنا أفكر فينا حتى لم يعد فيّ دموع" !

طلب الزوجة للم شمل عائلتها، كان من بين 130 ألف طلب تم تسجيله حتى الآن، نصفهم تقريباً توفوا وهم ينتظرون وصل ما قطعته الحرب الكورية الأهلية، وقد بلغ عدد الخسائر البشرية فيها نحو 4 ملايين شخص، وكان الضحايا المدنيون ضعف الضحايا العسكريين، وهي من أشهر الحروب التي وقعت إبان الحرب الباردة، بعد أن استولى الاتحاد السوفيتي على النصف الشمالي وسيطرت الولايات المتحدة على الجنوبية، ثم انسحبتا في العام 1948 تاركتين خلفهما بذور الشيطان.


7- سوريا.. عدٌّ تنازلي للحرب العالمية الثالثة؟




6

"في العادة، الأطفال يفقدون وعيهم أو يصرخون، لكن عمران كان يجلس صامتاً، يحدق بذهول"، هكذا قال المصور محمود رسلان ذو السابعة والعشرين عاماً، والذي التقط في أغسطس الماضي صورة الطفل عمران، التي انتشرت بشكل غير مسبوق في وسائل الإعلام، كصورة أيقونية للحرب الدائرة في سوريا.

المصور أوضح أنه التقط العديد من صور الأطفال القتلى أو الجرحى جراء الغارات اليومية التي تستهدف الأحياء في حلب، لكن عمران كان مختلفاً، لدرجة أن المصور ظن أن إصابة الطفل خطيرة، الفيديو أظهر الطفل وهو يجلس على مقعد في سيارة إسعاف، بعد أن انتشله أعضاء الدفاع المدني، الغبار يغطي جسده، ويمسح الدماء بيده عن جبينه بيده الصغيرة، ثم يعاينها بهدوء، ويمسحها بالمقعد دون أن يبدي أي ردة فعل، يردف "رسلان" قائلاً: "لم يفهم ما حلّ به".

الطفل عمران أنقذ من مصير 470 ألف قتيل، أي ما يقرب من النصف مليون ضحية وقعوا منذ قيام الحرب في سوريا أعقاب الثورة السورية، وهي الحرب التي حذرت صحيفة روسية مؤخراً من كونها تتجه لأن تصبح "حرباً عالمية ثالثة"، وأن بوتين يلعب هناك "لعبة محفوفة بالمخاطر"، قد تؤدي إلى "مواجهة عسكرية مباشرة" مع الولايات المتحدة على غرار أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

ويأتي هذا التحذير بعد أن أوقفت الولايات المتحدة المحادثات مع روسيا فيما يخص الشأن السوري، كما أن روسيا أوقفت اتفاقيتها لتدمير مخزونها من "البلوتونيوم"، الذي يستخدم في الأسلحة النووية، وتعرضت الصحيفة الشعبية الروسية "موسكوفسكي كومسوموليتس" للانتقادات على مقالها الذي عنونته بـ"الأخطار أكبر من سوريا"، قائلة: تخيل أن الولايات المتحدة فعلت ما تريده منذ فترة طويلة وقامت بضربة ضد الأسد، ليس بالخطأ، وإنما عمداً، وبشكل مفتوح، هل على روسيا أن تدافع عن حليفها أو تفكر في ضرب الولايات المتحدة؟ هذا سيؤدي بالتأكيد إلى حرب عالمية ثالثة.