لهذه الأسباب فاز إسلاميُّو المغرب في الانتخابات.. بينها التمسُّك بالهوية الدينيَّة

تم النشر: تم التحديث:
BENKIRANE
Youssef Boudlal / Reuters

اعتبر محللون مغاربة اليوم الأربعاء 12 أكتوبر/تشرين الأول 2016 أن فوز حزب العدالة والتنمية الإسلامي المعتدل في الانتخابات التشريعية في المغرب الأسبوع الماضي لم يكن مفاجئاً بل جاء مناصرة للحزب الذي تعرض لضغوطات وانتقادات شديدة ولتمسك المغاربة بالمرجعية الدينية وافتقار الأحزاب السياسية الأخرى لرؤى وقيادات جديدة.

وقال المحلل السياسي والأستاذ الجامعي المغربي إدريس القصوري "المغاربة صوتوا لحزب العدالة والتنمية ولتمسك الحزب بالمرجعية الدينية وبسبب المزاج الشعبي المعاند للسلطة حيث تعرض الحزب ورئيسه لضغوطات كبيرة وكذلك كاريزمية الرجل ثم الفراغ السياسي لدى الأحزاب السياسية الأخرى."


"نحو الأسلمة"


وقال القصوري إن المجتمع المغربي "الذي يتجه نحو الأسلمة وارتفاع نسب التدين" كانت له الكلمة الحاسمة.

وتعرض حزب العدالة والتنمية -الذي قاد زعيمه عبد الإله بنكيران الحكومة المنتهية ولايتها والتي بدأت في 2011 مع امتداد تأثيرات ثورات الربيع العربي إلى المغرب- لانتقادات شديدة سواء من جانب وسائل إعلام وبعض المغاربة بسبب سياسته الاجتماعية والاقتصادية أو من خصومه السياسيين.

وأقدم الحزب على إصلاحات طالما اعتبرتها الحكومات المغربية السابقة جريئة ومستعصية كإصلاح صندوق المقاصة (الموازنة) ورفع الدعم عن بعض السلع الإساسية وكذلك إصلاح نظام التقاعد (المعاشات) ورفع سن المتقاعدين إلى 63 عاماً بالإضافة إلى زيادة مساهمات العمال فضلاً عن توسيع قاعدة الحساب وهو ما اعتبره محللون ضربة للقدرة الشرائية للمواطنين وزيادة إضعاف الطبقة الوسطى.


ليس من أجل الخبز


وقال القصوري "المغاربة صوتوا على بنكيران ليس من أجل الخبز أو التعليم أو الصحة والسكن لأنهم يعرفون أن تحقيق الرخاء في هذه الأمور من سابع المستحيلات حتى إذا كان حزب العدالة والتنمية سيأتي بها فسيكون بمشقة كبيرة لأن السلطة في المغرب موزعة بين المؤسسة الملكية والحكومة وهذه الأخيرة لا تقرّر في الاختيارات الاستراتيجية الكبرى."

وفاز حزب العدالة والتنمية بمئة وخمسة وعشرين مقعداً في حين حصل منافسه حزب الأصالة والمعاصرة على 102 من المقاعد بينما نال حزب الاستقلال المحافظ 46 مقعداً.

ومن المستبعد أن يتمكن حزب واحد في المغرب من الفوز بأغلبية مطلقة في انتخابات البرلمان المؤلف من 395 عضواً.

ويختار العاهل المغربي الذي يحتفظ بمعظم السلطات التنفيذية رئيساً للوزراء من الحزب الفائز الذي يتعين عليه تشكيل حكومة ائتلافية.

وتعرض الحزب لحملات تشهير واسعة سواء في وسائل إعلام محلية أو من خصومه السياسيين بسبب "فضائح" لبعض كوادره يمكن إدخالها في إطار حياتهم الخاصة.

وقال القصوري "لمّا أرادوا فضح الحزب بسبب قضية أخلاقية نسوا أن للمغاربة مرجعية دينية تقوم على الستر.. ففي المغرب ليست هنالك جرائم شرف."

ويرى القصوري أن "شعبوية" بنكيران وقفشاته السياسية لعبت أيضاً دوراً حاسماً في شعبيته.. "بن كيران أنزل السياسة من برجها العاجي إلى الأرض."


شعبوي جذَّاب


"حين يتعرض لضغوطات وإلى تقديح يأتي لينشر غسيله أمام الناس.. وحتى الكلمات التي استعملها تدخل إلى القلب. هو لم يعتمد لغة رسمية بل استعمل لغة شعبية وهنا قوته السياسية."

وقال القصوري إن بن كيران لم يكن "شعبوياً عادياً بل شعبوياً جذاباً.. لدينا شعبويون لكنهم ليسوا جذابين بل تتحول قفشاتهم ضدهم."

وعبّر القصوري عن اعتقاده أيضاً بأن ميل المغاربة إلى مؤازرة المظلوم كان عاملاً مساعداً آخر في فوز بنكيران.

وقال "المغاربة ينتصرون لمن يتعرض لصعوبات كثيرة وضغوط.. عدد من الجرائد المغربية خدمت أجندات معينة ضد حزب العدالة والتنمية لكن هل من يقرأ هذه الجرائد يصوت.. طبعاً لا. الإعلام لم يعد يؤطر الناخب المغربي."

وأضاف القصوري أن الحزب "صمد رغم الضغوطات.. المغاربة لم يدرسوا تفضيلات التصويت لأنها غير مبنية على قواعد الديمقراطية وقواعد الوعي السياسي العقلاني المبرمج على قواعد الربح والخسارة في إطار البراجماتية والمرجعية الليبرالية الغربية لأن مفهوم حقوق الإنسان ومفهوم الديمقراطية والاقتصاد والسياسة.. أمور ملتبسة في ذهن المغربي."

وأضاف قائلاً "الديمقراطية في المغرب ناشئة وتتعرض لتعثرات وعراقيل كثيرة لا تعرف مسارها الطبيعي في التطور والارتقاء."


لم تتضرّر شعبيته


أما المحلل السياسي المغربي محمد بودن رئيس مركز أطلس لتحليل المؤشرات السياسية والمؤسساتية فيرى أن فوز حزب العدالة والتنمية "كان مفاجئاً على المستوى العددي أما نوعياً فالحزب يتوفر على قاعدة مختارة من النخب عكس الأحزاب الأخرى التي ترتكز على الأعيان بالدرجة الأولى."

ويرى بودن أيضاً أن حزب العدالة والتنمية لم تتضرر شعبيته رغم "أنه كان في موقع تدبير الشأن العام وهو ما يرجع لاشتغاله على مخاطبة الرأي العام وعلى ارتدائه لزي متشابه فكراً وخطاباً وكذلك لضعف بعض الفرقاء الحزبيين الآخرين فضلاً عن الأرضية التنظيمية والتواصلية الصلبة."

وبحسب بودن فإن هذا يفسر "عدم اهتزاز الحزب أمام الانتقادات العارمة الموجهة له أثناء تدبيره للشأن العام في الولاية الأولى لأنه يتوفر على قوة تنظيمية وعوامل حاسمة في إقناع الكتلة التصويتية."

وقال المحلل السياسي طارق الثلاثي إن فوز العدالة والتنمية "لم يكن مفاجأة بقدر ما كان هناك تصور بأن يفوز حزب الأصالة والمعاصرة لاعتبارات عديدة منها الإجراءات العملية التي أقدم عليها حزب العدالة والتنمية أثناء ولايته فيما يخص الشق الاجتماعي والاقتصادي كانت مجحفة بحق الطبقة الوسطى وما أدناها."


عرقلة العدالة والتنمية


وبالتالي "كان هناك توجه لدى فئة عريضة أن يتحقق التوازن هذه المرة لكن لم يكن مستبعداً أيضاً أن يحافظ حزب العدالة والتنمية على موقعه على اعتبار أنه كان في الحكومة ونحن نعلم أن الأحزاب التي تكون في الحكومة تتوفر لها أدوات أخرى لاستشراف المرحلة المقبلة وتستغل هذه الأدوات وبالتالي تمكن من تأكيد حضوره في مواقعه وزاد من نسبة المقاعد بحوالي 25 بالمئة تقريباً."

لكن التلاتي قال "بكل موضوعية وتجرد الرابح الأكبر هو حزب الأصالة والمعاصرة الذي زاد نسبة المقاعد 120 في المئة."

ويقول محللون إن حزب الأصالة والمعاصرة الذي أسسه فؤاد عالي الهمة مستشار العاهل المغربي وصديق دراسته وكذلك الوزير المنتدب في الداخلية في العام 2008 جاء لكبح لجام حزب العدالة والتنمية ومنعه من اكتساح المشهد السياسي المغربي.

وقال الثلاثي "حزب الأصالة والمعاصرة حقّق الأهم.. إنه في الساحة السياسية المغربية اليوم لم يعد هناك حزب يلعب دور الفزاعة في المجتمع ألا وهي الإسلاميون."

وأضاف قائلاً "عتبة المئة مقعد.. الوحيد الذي استطاع أن يتجاوزها هو حزب الأصالة والمعاصرة بحصوله على 102 مقعد. وبالتالي حزب العدالة والتنمية يشعر بالخطر لأنه يعلم أن الإجراءات التي أقدم عليها ستحدُّ من قوته وهذا لاحظناه في أنه لولا المقاعد التي حصل عليها حزب الأصالة والمعاصرة كان من المفروض أن يكتسح حزب العدالة والتنمية الساحة."