المجانين يكشفون الحقيقة.. مسرحية لزياد رحباني تعود عبر عمل سينمائي لفضح الطائفية

تم النشر: تم التحديث:
ZYADARRHBANY
فيلم أميركي طويل | social media

بعد 36 عاماً من عرضها تعود مسرحية "فيلم أميركي طويل" للموسيقار والمخرج والممثل زياد الرحباني، نجل الفنانة الكبيرة فيروز، إلى الحياة في شكل فيلم سينمائي يحوي مشاهد وأغنيات المسرحية.

مصطلحات وأغاني هذه المسرحية جزء من وجدان اللبنانيين، فلا تغيب عن أحد منهم أغنيات "يا زمان الطائفية"، "قوم فوت نام وصير حلام إنو بلدنا صارت بلد" و"راجعة بإذن الله".

هذه المسرحية التي عرضت عام 1980، رسخت أغنياتها في الأذهان لتمثيلها الواقع اللبناني بحذافيره وتمّت استعادة هذه الأغنيات مع مقاطع من المسرحيّة لتُصبح عملاً سينمائيًا من قبل شركة M.MEDIA ، وتم إطلاقه مساء الإثنين 10 أكتوبر/تشرين الأول 2016 ليصبح العمل السينمائي الثاني من نوعه بعد أن تم بداية عام 2016 جمع مشاهد مسرحية "بالنسبة لبكرا شو؟" في فيلم لقى رواجًا وردود فعل إيجابية بين اللبنانيين.

المشاهد كانت قد صوّرتها شقيقة زياد، المخرجة الراحلة ليال الرحباني، بكاميرا صغيرة.

لهذا العمل طابع خاص، إذ إن أحداثه تتناول الحرب الأهلية القاسية التي فرّقت اللبنانيين، وتدور المشاهد داخل مستشفى للأمراض العقلية في الضاحية الجنوبيّة لبيروت، حيثُ يمكث 7 مرضى بينهم زياد الرحباني "رشيد" ويعانون من أمراض عصبية مختلفة تسببت بها الحرب مثل الخوف من الطائفية، رُهاب الميليشيات، الفلتان الأمني، انفصام الشخصية، إضافة إلى شخصين أدمنا على المخدرات.

ويقوم فريق طبي داخل المستشفى باتباع كافة الوسائل لعلاج المرضى الذين يشكّل كلّ واحد منهم قصة مرتبطة بمخلفات الحرب، إلا أنّ العلاج غير ناجع وتبدو الهواجس التي يطلقها المرضى واقعية جدًا وتصف الأوضاع بدقّة بالرغم من إصابتهم بـ"الجنون".


الوضع لم يتغيّر


يبدأ عرض الفيلم بالإشارة إلى أنّ "أحداث المسرحية تجري في شهر أكتوبر 1980، أو أكتوبر 1979، أو أكتوبر 1978 حيث لم يتغيّر الوضع السياسي النفسي العام" في أي من هذه التواريخ. ثمّ تنتقل الصورة إلى غرفة داخل مستشفى لأشخاص "أصيبوا بالجنون" من رواسب الحرب، لكنهم يناقشون ما يحدث بطريقة لافتة.

أبرز شخصيات العمل كان الممثل زياد أبوعبس في دور "إدوار"، وهو مسيحي يخاف من المسلمين الذين يشير إليهم باسم "المحمودات"، وفِي محاولة لتغيير قناعاته يتحدّث إليه الطبيب المعالج قائلاً: "المسلمون والمسيحيون أخوة ويعيشون سويًا منذ وقت طويل"، فيردّ إدوارد: "الأخوة لا يفعلون هكذا ببعضهم".

وضع إدوارد ليس أسوأ من الممثل جوزيف صقر بدور "أبوليلى" والممثل توفيق فروخ "عمر" اللذين باتا مدمنَي مخدرات بعدما أضنتهما الحرب المستعرة.

في الفيلم أيضًا الممثل بطرس فرح يقوم بدور أستاذ علم المنطق "عبد الأمير" الذي يقضي الفيلم بحثًا عن المؤامرة ومن حاكها لكن من دون جدوى. فيما ينخرط الممثل محمد كلش في دور "نزار" العضو بالحركة الوطنية الاجتماعية، الذي يستعصى عليه "التحليل الأيديولوجي".

بالتوازي يعاني "هاني" الذي يجسد دوره الممثل سامي حوّاط من ممارسات الميليشيات التي تقاتل خلال الحرب الأهلية، ويعرب "قاسم" الذي يجسد دوره الممثل جوزيف أبي حيدر عن خوفه من التفجيرات والعبوات والانفلات الأمني.


زياد الرحباني: أنا بفرض رأيي


أمّا زياد الرحباني الذي يقوم بدور "رشيد"، وهو شاب عايش الحرب الأهلية، فيتحدّث عن "أبوالجواهر"، الذي جاء من "لا شيء" وباتَ قائدًا ميليشياويًا في الحي، ووضع "رشيد" حارسًا هناك، وبعد الحديث عن القائد العسكري الجديد، بطريقة تشبه كثيرًا القادة الذين ينبتون فجأة من رحم الحروب الحالية، يختفي "أبوالجواهر".

ويلعب زياد كثيرًا على الكلام ففي أحد المشاهد يصرخ قائلاً: "صابوني صابوني"، فيهرع المرضى لمساعدته ظنًا أنّه أصيب بشظايا تفجير ما، فيردّ قائلاً: "ما في صابونة.. أريد أن أغسل". كما يحاكي زياد شخصيّة اللبناني بالقول: "أنا ما بعطي رأيي.. أنا بفرض رأيي".


بين ألمانيا والولايات المتحدة


مدير البرامج في شركة "M.MEDIA"، مو حمزة، تحدث لـ"هافينغتون بوست عربي"، حيثُ قال إنّ الشركة اختارت تجميع وترميم هذه المسرحيّة بالذات لأنّها تعدّ إرثاً ثقافياً تتناقله الأجيال اللبنانية.

وأوضح أنّ حوالى 20 شخصًا بين تقني ومختص بدأوا بالعمل على الفيلم بدءًا من عام 2012، وكانت الرحلة صعبة، كما حدث في مسرحية "بالنسبة لبكرا شو" التي حضرها 155 ألف شخص في لبنان.

وأشار إلى أن المشاهد كانت قد صوّرتها شقيقة زياد، المخرجة الراحلة ليال الرحباني، بكاميرا Super 8 صغيرة بهدف توثيق المشاهد التي كان يريد زياد رؤيتها بعد العرض.

ولفت إلى أنّه تمّ معالجة الصوت عبر برنامج معقّد طوّره فريق بحثي ألماني من "جامعة هلموت شميت" في هامبورغ، أمّا الصورة فعُمل على تنقيتها في أستوديوهات خاصّة في الولايات المتحدة الأميركية.

ولا يخفي حمزة أنّ العمل قد تشوبه بعض الثغرات إذ إنّه يحمل طابعًا توثيقياً، ويشير إلى أنّ عملية الترميم استغرقت أكثر من سنتين قبل إنجاز المونتاج النهائي، وبالنسبة للصوت فيتمتع بنوعية جيدة (Enchanced surround 5.1).

أمّا عن رأي زياد فأكّد مو حمزة أنّه راضٍ وهناك عناوين عريضة منه، لكنّ الأخير لم يكن يحبّذ تحويل العمل إلى فيلم سينمائي لأنّه لم يصوّر لهذا الغرض، موضحاً أن إقناع زياد بترميم المسرحيات استغرق 17 عامًا من المفاوضات!

الممثل فؤاد حسن الذي لعب دور "فواز"، مساعد الطبيب والمسؤول عن المرضى، قال في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي" إنّ العرض الذي تمّ منذ 36 عامًا متناسق مع ما يحدث الآن، مشيرًا إلى أنّ زياد عرض المؤامرات التي تجرى في الشرق الأوسط بدقّة وكأنّه كان يرى ما سيحدث الآن.

أمّا عن الأعمال المسرحية اليوم فرأى أنّها تفتقد للرؤية ولا يوجد فيها قصة، مثل الدراما التي تعاني من حالة انحطاط، مؤكدًا وجوب عدم تحطيم كيان المرأة كما يحدث في المسلسلات الحالية.


النفايات


من جانبه، تحدث الممثل غازاروس الطونيان الذي لعب دور "زافين"، اللبناني – الأرمني الذي ضاع في الحرب وباتَ مهووسًا جراء التفجيرات، لـ"هافينغتون بوست عربي"، معربًا عن سعادته بإعادة عرض العمل الذي شارك فيه بعد أكثر من 3 عقود، ولفت إلى أنّ ما تناولوه في المسرحية يحاكي الوضع اللبناني الذي لم يتغيّر اليوم، إلا أنّ "الزبالة" أي النفايات زادت إلى المشهد السوداوي.( في إشارة إلى أزمة تراكم النفايات التي عانت منها البلاد في عام 2015 ومازالت تداعياتها مستمرة).

الممثل الكوميدي الشهير صلاح الذي اشتهر باسم "أبوسليم" حضر العرض الأوّل، حيث أعرب عن الحنين إلى ما وصفه بأيّام العزّ المسرحي، وهو الذي شارك بنحو 2000 عملٍ مسرحي خلال 55 عامًا مضت.

يُشار إلى أنّ العمل المسرحي من إخراج وكتابة زياد الرحباني، وسيبدأ عرض الفيلم إبتداءً من 20 أكتوبر الحالي في صالات السينما في لبنان قبل أن ينتقل إلى الخارج.