هل ساهمت "الذاكرة الاستثنائية" لبيكاسو في دعم عبقريته كرسام؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

هل تمتع بيكاسو بذاكرة بصرية استثنائية ساعدته في الوصول إلى حد التميز فنياً؟ تشير الدراسات إلى وجود علاقة طردية بين قدرة الأطفال على الرسم وذاكرتهم البصرية، فالذين يتمتعون بذاكرة بصرية جيدة يرسمون جيداً.

كان بيكاسو يدرك أن قوة ذاكرته شكَّلت عاملاً مهماً في مسيرته الفنية. فقد قال عنها: "إنها خير معين للرسام". وبينما يختلف كتاب سيرة بيكاسو الذاتية حول تقديرهم لبعض سلوكه، فإنهم يتفقون على وصف ذاكرته البصرية بـ"الاستثنائية"، حسبما قالت صحيفة The Guardian البريطانية.

كانت الطريقة التي ينظر بها بيكاسو للأشياء من حوله مفعمة بالحدة والانفعال وربما هذا مرتبط بذاكرته البصرية. فقد علق العديد من كتاب سيرته الذاتية على تحديقه العميق بالأشياء. امتلك بيكاسو عينين مذهلتين آسرتين للنساء وقد استخدمها بنحو فعال للنظر إلى العالم من حوله.

في كتاب لها حول بيكاسو، علقت جيترود شتاين، صديقته جامعة الأعمال الفنية، بقولها: "لقد كان صعب المراس ومفعماً بالحياة ويمتلك عينين واسعتين".

حرص فنانون آخرون على النظر بتمعن وتركيز لتطوير أعمالهم الفنية. فقد وصف لوسيان فرويد أعماله الفنية الأولى بكونها نتاجاً للملاحظة الدؤوبة والتحديق المتواصل بموضوع العمل الفني.

وبينما كان بيكاسو يتمتع بقدرة غير عادية لتذكر الأشياء بمجرد النظر إليها مرة واحدة، فإن ذاكرته كانت تتطور بالنظر المتكرر إلى نفس الصورة. تشرح فرانسوا جيلوت، صديقة بيكاسو خلال الفترة من 1944 إلى 1953، الطريقة التي كان يتبعها عند إعادة تفسيره للوحة مفضلة لديه. فقد كان يذهب إلى متحف اللوفر ويحدق في اللوحة لوقت طويل للغاية قبل أن يشرع في تفسيرها.

كتب بيكاسو، على سبيل المثال، 58 تفسيراً للوحة الفنان فيلاسكيز المسماة "لاس مينيناس" والتي تعود لعام 1656. ويركز عدد من هذه التفسيرات على طفلة تقف في مقدمة اللوحة، والتي يعتقد بأنها الابنة الكبرى للملكة مارغريت تيريزا.

تتذكر فرانسوا تبني بيكاسو لمنهج مشابه عندما كان يرسمها. فلقد كان يحدق بها لوقت طويل ولا يبدأ في رسمها إلا عندما تغادر المكان.

كان بيكاسو يتشبع بمعرفة الصورة وتفاصيلها. أنت هنا لا تنظر للصورة فقط أو تفكر أو حتى تحاول التعلم والتذكر، بل تنظر إليها (أو تستمع إليها) مرة بعد أخرى حتى تصبح مألوفة تماماً لك. إن التشبع بصرياً يساعد الذاكرة على العمل بشكل أفضل والإلمام بقدر كبير من التفاصيل.

تبنى بيكاسو منهجاً مشابهاً عندما رسم البورترية المؤثر لصديقته شتاين. كانت تجلس أمامه عدة مرات – حوالي 90 جلسة في الفترة من خريف 1905 وحتى صيف 1906- ما سمح لبيكاسو الفرصة للتشبع بتفاصيل شتاين. وعندما عاد من رحلة في صيف 1960، بدأ يرسم نسخة نهائية لوجهها من ذاكرته.

استخدم بيكاسو أيضاً عوامل مساعدة لدعم ذاكرته والتشبع أكثر بتفاصيل العناصر التي يريد رسمها. شمل هذا البطاقات البريدية والمطبوعات والصور الفوتوغرافية. ففي بيته بجنوب فرنسا، استخدم بيكاسو أجهزة تسليط الضوء لعرض الصور التي كان يدرسها على حائط مرسمه.

لم يكن بيكاسو يستخدم ذاكرته البصرية والملموسة لإنتاج نسخ متطابقة للعناصر التي يراها. فقد كان يغيرها دائماً إلى أشياء جديدة عبر دمج العناصر الأصلية للموضوع بأفكار ومشاعر وتأثيرات أخرى متداخلة. إذا ما نظرت إلى رسوماته القديمة، يمكنك بوضوح رؤية احتفاظه بالسمات الرئيسية للموضوع المرسوم مع إضفاء تغيرات في الحجم والبنية وبؤر التركيز. لقد كانت ذاكرة بيكاسو المفعمة بالحيوية، والتي مكنته من دمج عناصر وصور مختلفة لابتكار رسومات أصلية، هي ما ميز عبقريته.