"الوهم المقدس" أم المصلحة الوطنية.. لماذا تمول إيران الميليشيات في الوطن العربي؟

تم النشر: تم التحديث:
KHAMENEI
| Anadolu Agency via Getty Images

في أعقاب ثورات الربيع العربي، جذب الدعم الإيراني للميليشيات الأجنبية مزيداً من الانتباه، فلماذا ترتكز السياسة الخارجية الإيرانية على هذا الدعم؟
خلال العرض العسكري الذي أُقيم بمناسبة الذكرى الـ36 للحرب العراقية الإيرانية، تحدث اللواء محمد باقري، رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإيرانية، بصراحة ووضوح، إذ قال إن طهران تمتلك السيطرة والنفوذ على 5 دول عربية وهي: لبنان واليمن وفلسطين وسوريا والعراق، وفق تقرير جاء في موقع Middle East Eye.

من المعروف أن إيران تمتلك تاريخاً طويلاً من التدخلات في تلك البلدان، مثلما فعلت في لبنان. لكن ذلك التدخل اختلف مع بلدان أخرى مثل اليمن، حيث لم تتدخل إيران في شؤونها إلا مؤخراً. وفي ذات السياق، تمثل القضية الفلسطينية، وبالتالي العداء لإسرائيل، حجر الزاوية الذي ترتكز عليه شرعية النظام الثيوقراطي في الجمهورية الإسلامية.

بيد أن السنوات الأخيرة شهدت هيمنة الأحداث في سوريا والعراق على عناوين الأخبار في مختلف الصحف العالمية، فضلاً عن هيمنتها على أجندة السياسة الخارجية الإيرانية.

ومن الصعب تجاهل البعد الطائفي فيما يتعلق بتدخل إيران في الحرب الأهلية السورية. ففي أواخر الشهر الماضي، زار زعيم حركة النجباء العراقية – الشيعية – حلب. وفي أعقاب تلك الزيارة، ظهر مقطع فيديو دعائي تحتوي خلفيته على بعض الأغاني التي يُقال فيها إن "حلب شيعية". كما يحتشد ما يقرب من 10 آلاف مقاتل شيعي خارج المناطق التي تسيطر عليها المعارضة شرق حلب، والتي دمرتها الغارات السورية الروسية المشتركة.

تطرح صحيفة Middle East Eye سؤالاً هاماً حول الأسباب التي وحّدت سياسة إيران الخارجية في جميع هذه البلدان على مدار عقود من الزمن منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.


أوهام الخلاص أم مصالح قومية؟


أظهر أحد تقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" في عام 1986 – الذي رُفعت عنه السرية مؤخراً – أن تدخل إيران لدعم الأطراف الفاعلة غير الحكومية كان من أجل تعزيز مصالحها الوطنية. وأضاف التقرير أن ذلك التدخل ينبع من اعتقادها بأن واجبها الديني يُحتم عليها تصدير الثورة الإسلامية للدول المجاورة لكي تخوض صراعاً مستمراً بأي طريقة ضد الدول التي تعتبرها ظالمة من منظورها.

لكن طبيعة الأيديولوجية التي يعتمد عليها النظام الحاكم في إيران، والمرتبطة بظهور المهدي المنتظر، يمكن النظر إليها باعتبارها التفسير المنطقي وراء دعم إيران للمنظمات الأجنبية، وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ديباجة الدستور الإيراني التي تشير إلى التزام إيران بتأسيس حكومة عالمية مقدسة وإسقاط كل الحكومات الأخرى.

تعتقد الباحثة سنام فاكيل، من معهد تشاتام هاوس، أنه من السهل الربط بين أيديولوجية الحكم في إيران بتصدير الثورة للدول المجاورة باعتباره مبرراً أو تفسيراً للسياسة الإيرانية، "ولكن الأمر برمته يتمحور بشكل كبير حول العنصر البراغماتي، إنه يتمحور حول المصلحة الوطنية".

تتفق إيلي جيرانميه، الباحثة السياسية في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مع الرأي القائل إن إيران لا تفعل ما تفعله بدافع الحماسة الأيديولوجية، وإن المحرك وراء سياسة إيران في المنطقة مرتبط إلى حدٍّ كبير بأمنها القومي وليس بأحلامها لتصدير الأفكار الثورية إلى جميع دول المنطقة.


التدخل الإقليمي


جندت إيران الشيعة الفقراء من اليمن وباكستان وأفغانستان، وحتى من ساحل العاج، ليقاتلوا نيابة عنها في سوريا، فضلاً عن دور الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس – وهي قوات النخبة في الحرس الثوري الإيراني – في الحرب في سوريا.

في بادئ الأمر، أظهر حزب الله تحفظاً كبيراً فيما يتعلق بالتدخل في الشأن السوري وفق موقع Middle East Eye . وإلى الآن مازالت مسألة تدخل حزب الله في سوريا تشكل نقطة خلاف داخل الحركة.

قالت فاكيل إنه على الرغم من أن إيران هي التي رعت حزب الله، بل ربما هي التي أعطته قبلة الحياة، لا يُلزم ذلك الحركة باتباع أوامر إيران مدى الحياة.

وفي سياق متصل، تقول جينيفيف عبده، الباحثة السياسية البارزة في المجلس الأطلسي، إن حزب الله ليس دمية في يد إيران كما يصفه الإعلام، وذلك على الرغم من أن جزءاً كبيراً من تمويله إيراني.

كما أضافت أن "الأمر معقد للغاية. ففي الوقت الذي يظهر فيه التأثير الكبير للحرس الثوري على تلك القوات، ربما لا يعني ذلك بالضرورة تحكم الحرس الثوري فيها بنسبة 100%".

وشهدت العلاقات بين حركة حماس وإيران تدهوراً حاداً عقب اندلاع الثورة السورية عام 2011. وفي العام التالي، غادرت قيادة الحركة دمشق بعدما تمركزت هناك فترة تجاوزت 10 سنوات. كما خُفِّض التمويل المُقدم للحركة بعد ذلك بوقت قصير.

ووفقاً لجينيفيف عبده، ازداد النفوذ الإيراني في المنطقة منذ غزو أميركا العراق عام 2003. إذ تسبب الدور الذي لعبته أميركا بتعيين حكومة ذات قيادة شيعية في العراق، في تمهيد الطريق أمام إيران لبسط نفوذها على المزيد من دول المنطقة.

وعلى سبيل المثال، ذكرت بعض التقارير أنه في عام 2013 اعترض خفر السواحل اليمني سفينة مليئة بالأسلحة والمتفجرات والصواريخ المضادة للطائرات والتي يُشتبه بأنها كانت قادمة من إيران. وفي عام 2014، حدث أمر مشابه لكن هذه المرة من قبل السلطات البحرينية التي اعترضت إحدى السفن القادمة من العراق وكانت مليئة بالمتفجرات والأسلحة الأخرى.


الإرث الذي خلفته الحرب بين العراق وإيران


أي تحليل للدور الإيراني في العراق، وبالطبع الشرق الأوسط عامة، يجب أن يتضمن إشارة إلى سنوات الحرب الدامية بين إيران والعراق.

وترى جيرانميه أن التجربة التي خاضتها إيران خلال الـ8 سنوات – مدة الحرب بينها وبين العراق – هي أحد العوامل الرئيسية وراء مساعي إيران لتمويل الميليشيات الأجنبية في جميع أرجاء الشرق الأوسط بشكلٍ عام، وفي العراق على وجه الخصوص.

وربطت فاكيل بين الخبرة الدفاعية للحرس الثوري الإيراني – التي استخدمها للدفاع عن إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية – وبين محاولاته لترجمة هذه الخبرة إلى دعم الأطراف الفاعلة غير الحكومية في دول الشرق الأوسط وهو ما يحدث في سوريا الآن.

تسبب صعود تنظيم الدولة الإسلامية الذي يكنّ عداء شديداً للطائفة الشيعية في زيادة شعبية الحرس الثوري الإيراني داخلياً. وتشير جيرانميه إلى أن الحرس الثوري الإيراني صار يُنظر إليه باعتباره الجهاز الأمني المسؤول عن حماية إيران من إفساد مقاتلي داعش.. في سوريا على سبيل المثال، يبدو الاختيار ضيقاً بين أحد الخيارين: إما الأسد أو داعش.

كما أكدت جينيفيف عبده أهمية الحرس الثوري باعتباره قوة اقتصادية وسياسية وأيديولوجية وأن الحرس الثوري هو الذي يتحكم بالميليشيات ويمولها.


تمويل الإرهاب


بالنسبة للولايات المتحدة، فإن إيران واحدة من الدول التي تمول الإرهاب. وفقاً للتقرير الصادر عن الخارجية الأميركية عام 2013 بخصوص الإرهاب، فقد دعمت إيران الأطراف غير الحكومية في لبنان وفلسطين وسوريا واليمن والبحرين والعراق.

وفي عام 2015، نشرت حركة نامه شام - وهي حركة مستقلة هدفها التركيز على الدور الإيراني في سوريا – تقريراً حول مقدار الدعم الذي تقدمه إيران للأطراف غير الحكومية الفاعلة في جميع دول المنطقة. تضمن هذا التقرير – الذي استعانت فيه الحركة بالبيانات المتاحة أمام العامة – الأموال التي أنفقتها إيران لدعم مختلف هذه الأطراف.

تلقى حزب الله اللبناني من إيران أموالاً تتراوح بين 100 و200 مليون دولار خلال الفترة من ثمانينيات القرن المنصرم وحتى اندلاع ثورات الربيع العربي.

كما قدمت إيران دعماً مادياً لمجموعة من الميليشيات الشيعية في العراق يتراوح بين 10 و35 مليون دولار سنوياً، وذلك منذ الغزو الأميركي للعراق حتى نهاية فترة رئاسة بوش. وقد ارتفع هذا الدعم المادي بعد عام 2009 ليصل لمبالغ ضخمة تراوحت بين 100 و200 مليون دولار سنوياً.

وفي ذات السياق، منذ أن توحّدت السلطة الفلسطينية عام 2007 حتى اندلاع ثورات الربيع العربي في سوريا والدول الأخرى عام 2011، تلقت حركة حماس مبالغ مالية تراوحت بين 100 و250 مليون دولار سنوياً. إلا أن رفض حركة حماس لدعم قوات الأسد أدى إلى خفض ذلك التمويل بشكل كبير.

وفي اليمن، تلقى الحوثيون منذ عام 2010 أموالاً تراوحت بين 10 و25 مليون دولار سنوياً.

كان لسوريا النصيب الأكبر من ذلك الدعم، إذ تلقت القوات الحكومية التابعة للأسد والميليشيات الأخرى المتحالفة معها أموالاً تراوحت بين 15 و25 مليار دولار على مدار السنوات الخمس الأولى من النزاع بمعدل 3 إلى 5 مليارات دولار سنوياً.

وبشكل عام، قدّرت حركة نامه شام الأموال التي أنفقتها إيران على الميليشيات الأجنبية والأطراف غير الحكومية الفاعلة بحوالي 20 مليار دولار حد أدنى، و80 مليار دولار حد أقصى.

ووفقاً لنامه شام، فإن هذه الأموال تأتي بشكل جزئي من الميزانية العامة للدولة، لكن الجزء الأكبر منها يأتي من الأموال التي يتحكم فيها المرشد الأعلى والحرس الثوري بشكل مباشر.


تاريخ من الإرهاب


كان حسين دهقان، وزير الدفاع الإيراني وأحد قادة الميليشيات السابقين، هو العقل المدبر لأحداث تفجير ثكنات مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983 التي قُتل فيها 241 جندياً أميركياً و58 جندياً فرنسياً. وفي عام 1992، قُتل 29 شخصاً في حادثة تفجير السفارة الإسرائيلية في الأرجنتين، وقد أمرت السلطات الأرجنتينية حينها بالقبض على عماد مغنية وعلي أكبر ولايتي باعتبارهما العقلين المدبرين للهجوم.

ولم يقتصر النشاط الإيراني على العالم العربي فحسب. ففي عام 2006 ألقي القبض على 15 مواطناً أذربيجانياً في باكو ينتمون لميليشيات إيرانية وحزب الله بتهمة التخطيط لموجة من الهجمات التي تستهدف سياحاً أجانب.


الروابط مع تنظيم القاعدة


بلغت التوترات بين إيران والولايات المتحدة ذروتها في أعقاب 11 سبتمبر/أيلول 2001. ورغم إدانتها السريعة للهجوم أظهر التقرير الصادر عن لجنة 11 سبتمبر أن 8 من أصل 10 أشخاص ضالعين في عملية خطف الطائرة سافروا عبر إيران في أواخر عام 2000 وبداية عام 2001 مستفيدين من اتفاق أجرته الحكومة الإيرانية مع تنظيم القاعدة يقضي بعدم ضرورة ختم جوازات سفر أعضاء التنظيم أثناء عبورهم عبر الأراضي الإيرانية.

وفي شهر يوليو/تموز، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 3 أعضاء بارزين من القاعدة تأويهم إيران. وتقول فاكيل إنه ليس ثمة ودّ كبير بين إيران والقاعدة نتيجة الاختلافات الأيديولوجية بينهما، وإن إيران تأوي عناصر التنظيم كي تستخدمهم ورقة مساومة خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.


روحاني والنظام


وكثيراً ما يُصور حسن روحاني – الذي صرح سابقاً بأنه سيصبّ جُلّ تركيزه على إعادة بناء الاقتصاد الإيراني المُحطم وتطبيع العلاقات مع الغرب - على أنه الرئيس المعتدل مقارنةً بسلفه محمود أحمدي نجاد.

ووفقاً لبعض الخبراء، يصعب على شخص واحد إجراء تعديل جذري فيما يتعلق بالسياسة الإقليمية دون التنسيق مع المستويات العليا في القيادة؛ وهو ما يوضح الأسباب وراء عدم حدوث تغير يُذكر في السياسة الخارجية الإيرانية.


الاتفاق النووي


في 2006، قالت وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس إن إيران تمثل المأوى الرئيسي للإرهابيين في هذه المنطقة الهامة.

وإلى الآن مازالت مسألة رفع العقوبات المالية موضع خلاف، إذ كان هناك بعض التخوفات من صرف إيران تلك الأموال لتمويل سياستها الإقليمية التي تتعارض بشكل أساسي مع مصالح الغرب.

وقد زادت ميزانية الدفاع الإيرانية في السنة المالية 2015/2016 لتثير تلك الزيادة بعض الشكوك حول القنوات التي ضخت فيها إيران الأموال، تزامناً من تصريح خامنئي وحسين دهقان عن عدم نية إيران قطع الإمدادات المالية عن المنظمات الأجنبية التي تمولها في المنطقة.

ويتبنى بعض المحللين وجهة نظر مغايرة تماماً لما ذكر من قبل، إذ يعتقدون أن غالبية تلك الأموال ستذهب من أجل تمويل المشروعات الاستثمارية المحلية لخفض نسبة البطالة والتغلب على مشكلة التضخم.


الطائفية والبقاء


يعتقد بعض الخبراء أن إيران موّلت بعض الجهات غير الحكومية الفاعلة في الشرق الأوسط كي تجد لنفسها موطئاً على المستوى السياسي في العالم العربي، وأن هناك أيضاً بُعداً دينياً وراء ما تفعله إيران، وذلك بالنظر إلى خطابات خامنئي التي ألقاها خلال السنوات الأولى للربيع العربي التي تحدث فيها عن الصحوة الإسلامية. وقد ترجمت إيران ما قيل فعلياً على الأرض من خلال دعمها للجماعات الشيعية في العالم العربي.

وفضلاً عن ذلك، ثمة بُعد عرقي، يضاف إلى البُعد الديني، وراء دعم إيران المنظمات الأجنبية؛ لأن تلك المجموعات تتكون في الأساس من سلالة عربية شيعية، وليست فارسية.

ويُرجع بعض الخبراء السبب وراء النفوذ الإيراني بين الشيعة في المنطقة إلى عدم حصولهم على الدعم الكافي من الحكومات في دولهم، وقد كان العراق خير مثال على ذلك الطرح.